الموقع

واشنطن واستحقاق الدولة الفلسطينية

د/إبراهيم أبراش

لا نتوقع أن يصل الخلاف بين القيادة الفلسطينية وواشنطن حول استحقاق الدولة الفلسطينية إلى درجة التصادم أو القطيعة لاعتبارات خاصة بكل طرف.بالنسبة للفلسطينيين لأن السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير لهما خيار واحد هو التسوية السلمية والمفاوضات ولأن القيادة الفلسطينية بسبب هذا الخيار الوحيد – السلام والمفاوضات –وبسبب بنية النخبة السياسية وارتباطاتها ،لا تستطيع التصعيد مع واشنطن إلى درجة القطيعة ،وحتى مع إصرار القيادة على الذهاب للأمم المتحدة فهي تعلم أن استمرار الرفض الأمريكي والأوروبي لاستحقاق الدولة وإن كان لا يستطيع منع عرض الموضوع على مجلس الأمن والجمعية العامة فإنه يستطيع التأثير على صيغة القرار الذي سيصدر وعلى فرص تنفيذه بحيث يكون باهتا وغير ملزم يضاف لعشرات القرارات السابقة التي لم تجد طريقا للتنفيذ.أما بالنسبة لواشنطن فإن العدد الكبير من الدول التي تعترف بالمطلب الفلسطيني ومستعدة للتصويت لصالح الاعتراف بالدولة ،والتأييد الشعبي العالمي للحق الفلسطيني، وتزايد الكراهية لإسرائيل،والأوضاع المتفجرة في العالم العربي،كل هذه أمور تمنع واشنطن من تصعيد الموقف مع الفلسطينيين لدرجة الصدام والقطيعة.

السبب في إصرار القيادة الفلسطينية على الذهاب للأمم المتحدة بالرغم من الرفض الأمريكي والأوروبي والإسرائيلي بطبيعة الحال لا يعود لقناعة بأن الأمم المتحدة ستُقدِم للفلسطينيين الدولة على طبق من ذهب-  فقد صرح أكثر من مسئول فلسطيني أن الذهاب للأمم المتحدة بداية معركة سياسية طويلة –  وليس من منطلق أن الأمم المتحدة بديل عن المفاوضات فهم يعرفون أن المفاوضات لا بد منها سواء صدر قرار أممي حول الدولة أو لم يصدر ،بل لأنه ليس بيد القيادة الفلسطينية من خيار سوى إعادة القضية للأمم المتحدة لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرض الفلسطينية ومن مصداقية القيادة الفلسطينية وللحفاظ على حضور القضية دوليا في ظل المتغيرات التي تعصف بالمنطقة والمفتوحة على كل الاحتمالات .قد يقول البعض إن تصرف القيادة الفلسطينية نوع من الهروب للأمام ومحاولة لإخفاء العجز والفشل في إنجاز شيء طوال عشرين سنة من المراهنة على التسوية،قد يكون هذا الكلام صحيحا ولكن علينا في نفس الوقت الانتباه إلى أن خيار القيادة الفلسطينية الحراك السياسي الوحيد فلسطينيا وعربيا -اللعبة الوحيدة في القرية – ولا يطرح أحد بديلا آخر أفضل سواء في إطار الحل السلمي أو خارجه كالمقاومة أو الحرب، حتى المعارضون والمتحفظون من داخل الساحة الفلسطينية ليس عندهم سوى شعارات باتت فاقدة المصداقية بعد انكشاف أصحاب هذه الشعارات وما سببوه من دمار للقضية الوطنية.

بالنسبة للطرف الخارجي المعارض فمن السهل معرفة سبب الرفض الإسرائيلي ،فالاعتراف بفلسطين دولة على أرض فلسطينية – الضفة وغزة – معناه نهاية المزاعم الصهيونية في الحديث عن كون الضفة وغزة والقدس أراض متنازع عليها ومعناه إعادة النظر في الاستيطان وفي ضم القدس الشرقية الخ.أما بالنسبة لموقف واشنطن الذي يراه البعض غريبا لأن واشنطن قبلت بمبدأ حل الدولتين واوباما نفسه قال قبل سنتين بأنه يتمنى أن يرى دولة فلسطينية نهاية عام 2011 .قد يكون السبب في أن المطلب الفلسطيني يؤكد على أن الدولة ستقوم على أراضي الضفة وغزة وعاصمتها القدس الشرقية فيما كان الحديث سابقا عن دولة فلسطين دون ربطها بجغرافيا محددة – قرار 181 الوحيد الذي تحدث عن دولة عربية في فلسطين بحدود واضحة –  وقد يكون السبب قوة تأثير اللوبي الصهيوني في واشنطن،مع وجاهة هذين السببين هناك سبب أساسي وله قدرة تفسيرية أكبر وهو رؤية واشنطن بأن ذهاب الفلسطينيين للأمم المتحدة سيتم تفسيره بأنه فشل الإدارة الأمريكية في حل الصراع في الشرق الأوسط ،وواشنطن – وخصوصا إدارة اوباما -لا تريد أن يُسجل عليها فشلا جديدا .لقد تراجعت وعود اوباما بالنسبة للعراق وأفغانستان، والولايات المتحدة  تعاني من أزمة اقتصادية ومالية خانقة والعالم العربي يعيش على فوهة بركان ،وأن يضاف لكل ذلك خروج ملف الصراع في الشرق الأوسط من يدها وتسليمه للأمم المتحدة معناه تسجيل خسارة مؤكدة لاوباما في الانتخابات القادمة.

ومع ذلك يجب الحذر عند تفسير تشدد واشنطن وتهديدها المسبق باستعمال الفيتو،فقد لا يكون هدف هذا الموقف ثني القيادة الفلسطينية عن الذهاب للأمم المتحدة – حتى وإن كانت واشنطن تتمنى ذلك – بل التأثير على صيغة القرار الذي سيصدر وضمان عدم تعارضه مع التسوية الأمريكية ومع بقاء التسوية تحت الوصاية الأمريكية.وعليه من المتوقع التوصل لصيغة قرار حل وسط  يشير للدولة الفلسطينية ولكنه في نفس الوقت يؤكد على أن  المفاوضات في إطار مشروع التسوية الذي ترعاه واشنطن هي الإطار لإنجاز الدولة عمليا.

تصرف الإدارة الأمريكية تجاه مطلب الدولة الفلسطينية  يعبر عن رؤية قصيرة النظر ولا يخدم المصلحة الإستراتيجية للولايات المتحدة وهو يشير إلى أن واشنطن لم تتعلم درسا من تفجيرات 11 سبتمبر ،فبعد هذه التفجيرات ذهبت واشنطن لتضرب شرقا وغربا محملة المسلمين والجماعات الإسلامية المتطرفة المسؤولية عن التفجيرات ولكنها تجاهلت السبب الرئيس الذي يقف وراء كراهية المسلمين والعرب لواشنطن تحديدا،والسبب في رأينا هو التحيز الأمريكي لإسرائيل وسياساتها العدوانية ،والملاحظ أن تفجيرات سبتمبر عام 2001 جاءت بعد عام من انتفاضة الأقصى حيث كانت الجماهير العربية والإسلامية مستفزة من الإرهاب الإسرائيلي ومن التحيز الأمريكي الواضح الذي انكشف بعد مباحثات كامب ديفيد الثانية حيث وصلت عملية السلام لطريق مسدود،ونعتقد أنه لو تعاملت الإدارة الأمريكية إيجابيا مع مسعى الرئيس أبو عمار في إعلان الدولة في مايو 1999 بعد نهاية المرحلة الانتقالية لاتفاقية أوسلو لكان السلام تحقق آنذاك وما كانت تفجيرات أيلول لتحدث.

الذهاب للأمم المتحدة لانتزاع قرار بقيام دولة فلسطينية ليس إعلان حرب على تل أبيب وواشنطن وفي المقابل لا يوفر الضمانات لتلبية الحقوق السياسية كاملة للشعب الفلسطيني حيث الكثير من الفلسطينيين متخوفين من تداعيات القرار الذي سيصدر،ولكنه قرار يوفر الأرضية لشكل من العدالة النسبية ومن الاستقرار والسلام في المنطقة ،وبالتالي فهو لا يحقق مصلحة فلسطينية فقط بل مصلحة إستراتيجية لواشنطن وللسلام العالمي،وإن استمرت واشنطن في مواقفها المعارضة لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة فستتزايد الكراهية لها في العالمين العربي والإسلامي وخارجهما أيضا، بل لا ضمان ألا تتكرر تفجيرات سبتمبر ومثيلاتها .فلسطين هي مفتاح السلام في الشرق الأوسط والعالم وعدم حل القضية الفلسطينية حلا عادلا سيكون سببا في الحرب وعدم الاستقرار وفي ظهور جماعات متطرفة إسلامية وغير إسلامية معادية لواشنطن والغرب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق