الموقع

صديقي فورولو

السعيد بوطاجين

من المشكلات التي تواجه الذاكرة الجزائرية قاطبة، تجاهل العلامات المميّزة التي منحت معنى لثقافتنا وهويتنا. ويبدو أن علينا، كمحسوبين على الكتابة أو التاريخ والثقافة، ترميم هذا العطب الدال على الكنود المبرمج، دون الحديث عن العوامل الأخرى التي أسهمت في إقصاء الآخر ومحوه.. ثمة في مفهومنا للإبداع ما يحتاج إلى إعادة مفهمة جذرية حتى لا نقلل من شأن الآخر، وقد يكون هذا الآخر واحدا من نوع مولود فرعون الذي اغتالته منظمة الجيش السرّي، ثم اغتالته منظماتنا الثقافية السرية التي تحتاج إلى أخلاق، وإذ أؤكد دائما على كلمة الأخلاق فلأن ثقافتنا الحالية وكتابتنا الحالية وسلوكاتنا الحالية تحتاج إلى كثير من النبل والأخلاق. ولنفهم الأخلاق كما شئنا. بيد أني أعتبرها ضرورية احتراما للنمو الحلقي للمعرفة، كيفما كانت هذه المعرفة ومكوّناتها.

لا أدري كم من مرّة قرأت ”أيام قبائلية” و”الأرض والدم” و”الذكرى” و”ابن الفقير”. ومازلت، إلى اليوم، أقرأ هذه المؤلفات الأنيقة بكثير من المتعة والتبجيل، مع أني لست مع القراءات التي حصرت مولود فرعون في مساحة ضيقة أساءت إليه. مازلت حريصا على الدراسات الأكاديمية المتخصصة، بعيدا عن أيّ استثمار يسيء إلى جماليات هذه النصوص التي تحمل ألقا استثنائيا وغريبا.

كيف استطاع هذا الكاتب الذي قدم من تيزي هيبل، ودرس في تاوريرت موسى، القرية الأخرى التي لا تقل عزلة وبؤسا، أن يكتب تلك التحف الأدبية التي غدت من الكلاسيكيات المثيرة؟

لقد نشأ مولود فرعون في محيط بائس وعاش فقيرا. وليس من الصعب استنتاج ذلك من التجليات الخطابية قاطبة. لكنه من الأدباء القلائل الذين التصقوا بالمحيط الخارجي، كما الكتّاب العالميين الذين ظلوا ملتزمين بطريقتهم، قريبين من حقيقتهم ومن ثقافتهم وعاداتهم، على شاكلة كامارا لاي في روايته ”الولد الأسود”.

قد يكون الوصف الدقيق والوظيفي، أحد مكوّنات عبقرية هذا الكاتب المنسي، الدقيق لأنه يعرف الدوال والدلولات المشكلة للمكان والشخصيات، والوظيفي لأنه ليس منتوج ترف ذهني ينقل تفاصيل لا قيمة لها في المتن الروائي.

مازلت أتساءل، كلّما قرأت إحدى روايات مولود فرعون، عن سرّ تمكنه من إضاءة الحيّز والشخصية بتلك المهارة، وبذلك الصدق الفني الذي تم تغييبه في أغلب كتاباتنا الجديدة، التي لا أشك في قدراتها. ومع ذلك فإن علامات قليلة ترسخ  في أذهاننا مما نقرأه الآن، رغم قيمة الأعمال الجديدة واجتهاداتها على عدة أصعدة.

لكن… من منّا لا يتذكر فورولو؟ هذه الشخصية التي نسجها الكاتب بعفوية وجعلها ترافقنا أعواما، كما اللاز عند الطاهر وطار وجان فالجان في بؤساء فيكتور هيغو، أو كما كوزيت.

ثمّة أعمال أدبية تلج مسام الذاكرة لأنها جزء من تربتنا ودمنا وبؤسنا وأعماقنا الحقيقية التي تشبه تلك الشخصية ومفرداتها وتناقضاتها وجنونها وأصالتها.

الأصالة: ذاك ما يميّز إبداعات مولود فرعون وشخصياته على تباينها، من هذه الأصالة خلق روائعه، ومنها ستمدّ أشكاله السردية ونسج شخصياته بتؤدة ووقار. ولهذه الأسباب مجتمعة كان يشبه نفسه ووطنه، بصرف النظر عن كثير من الدراسات النقدية والكتابات الإعلامية التي مرّت قرب مؤلفاته، دون أن تتركها في إطارها الفني، في مقاصدها التي ألّفت من أجلها.

أجدني اليوم، وأنا أقرأ كتابات مولود فرعون، أتجوّل في البلد، في قراه التعيسة وبين ناسه الذين يشبهون وجهي ونفسيتي وعلاماتي الكثيرة التي تجعلني كأننا له متكأ وإحالات وهوية: البرنوس والكانون والكتّاب والأواني الطينية والسوق والرّاعي والمعلّم والدروب الملتوية والعجائز الجالسات في فناء الكوخ الطيني المسقوف بالديس، ثم فورولو.

أعتقد أنّ في كل منّا، نحن الجيل القديم، المنتهي الصلاحية، علامة من علامات فورولو، هذا الولد الشقي يمثل طفولتنا وبؤسنا أثناء الاحتلال الفرنسي. هذا الابن التعس هو صورة منّا، لذلك أحببناه. كان مرآة لفقرنا وضياعنا. والأهم من ذلك أن الكاتب شكّله بطريقة خالدة لأنه جزء منه، إن لم يكن هو.

ما زال هذا الولد حيّا في أخيلتنا وفي واقع البلد، هناك في جهة ما، في ذيل الجغرافية، هنا أو هناك، ولو عاد مولود فرعون لأبدع فورولو آخر لا يختلف عن الأوّل، لأن الكتاب الكبار يبصرون بالقلب والتجربة… وبالصدق أيضا.

لقد مرّت خمسون سنة عن اغتيال الكاتب، ومن واجبنا أن نتذكره لأنه أسّس لرواية جيّدة تعكس حقيقتنا. هناك إهمال وهناك استغلال لكتاباته، وعلى الجامعة أن تقوم بدورها لتخليصه من النسيان ومن القراءات التي لا يحتاج إليها، حيّا وميّتا. لقد أنهكه الموت كثيرا، أمّا نحن فقد أصبحنا نمارس سياسة الذاكرة المحروقة، هذه الهواية التي تأسست على نفي الأخلاق ونفي الآخر.

لا يمكن أبدا أن نستمر في حرق هذا الآخر لأننا نحرق الأسس والتاريخ والمعنى، كما أننا نقدم دروسا مهمة للأجيال القادمة بإرساء تقاليد الهدم، هدمنا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق