ثقافة المقال

إبراهيم الكوني والوجه الآخر للصحراء .

” الصحراء تطهر الروح كما يطهر الماء الجسد “
سيسل كورو – مخرجة فرنسية

حمزة الذهبي*

عندما كنت أتجاذب أطراف الحديث مع الأهل من جهة و ومع الأصدقاء والرفاق من جهة أخرى وكانت تذكر الصحراء في سياق الكلام ، كان يذهب ذهني إلى اعتبار الصحراء فضاء جامد ، جاف ـ فقير ، قاسي وموحش، يتيه فيه المرء ويموت.. وقد أكدت هذه النظرة للصحراء ورسختها في ذهني، العديد من الأفلام السنمائية التي شاهدتها وأيضا الروايات التي اطلعت عليها منهاعلى سبيل الذكر لا الحصر رواية رجال في الشمس للكاتب الفلسطيني غسان الكنفاني.
إذ تتحول الصحراء في رائعته هذه إلى جحيم لا يطاق ، مكان بلا ظل ، أرض ملتهبة، محاولة عبورها يؤدي إلى هلاك ثلاثة أفراد يمثلون ثلاثة أجيال مختلفة .
بيد أنه في هذه السنين الأخيرة، حدث تبدل في هذه الرؤية ، إذ أنني إكتشفت إديبا متفردا إلى أبعد حد ، غير نظرتي للصحراء رأسا على عقب عبر أعماله الأدبية الإبداعية ،أي أنه جعلني أنظر من خلال كتبه إلى عالم الصحراء بمنظار مغاير عن السابق ، وأعاد للصحراء ، إن صج القول ، اعتبارها ومكانتها المميزة..
فمن هو هذا الأديب ؟
إنه الكاتب الليبي إبراهيم الكوني الذي يعد من أهم الروائيين العرب ، بل والعالميين ، إذ صنفته المجلة الأدبية الفرنسية lire ضمن خمسين روائي عالمي يمثلون أدب القرن الواحد والعشرين ، ولد جنوب صحراء ليبيا ، تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في واحة فزان . في منتصف السبعينات حصل على شهادة الماجستير في العلوم الأدبية والنقدية من معهد غوركي للأدب بموسكو . يقيم منذ بداية تسعينات القرن الماضي في سويسرا ، صدر له أول عمل قصصي تحت عنوان الصلاة خارج نطاق الأوقات الخمسة ثم توالت الإصدارات التي وصلت إلى أكثر من سبعين عملا نذكر منها على سبيل المثال إذ لا يتسع المجال لذكرها كلها :
o رباعية الخسوف
o التبر
o المجوس
o واو الصغرى
o عشب الليل
o صحرائي الكبرى
o الصحف الأولى
o يعقوب وأبناءه
ترجمت أعماله إلى معظم لغات العالم ونال عليها العديد من الجوائز العالمية منها جائزة الدولة السويسيرية ، جائزة اللجنة اليابانية للترجمة ، وسام الفروسية الفرنسي للفنون والآداب ..وذلك لتميزه عن معظم الكتاب الآخرين ـ سواء من حيث أسلوبه الفريد في الكتابة أو من حيث إختياره الفضاء الصحراوي بواحاته وأناسه موضوعا لجل أعماله الروائية ونصوصه الإبداعية بدون أن يسقط في النمطية ، إذ أنه يفاجئ القارئ ويسحره في كل أعماله من الوهلة الأولى بعوالم غريبة وفريدة مثلما سحرت شهرزاد الملك شهريار بعوالمها طيلة ألف ليلة وليلة.
يمكن القول ، وبدون أي مبالغة ، أن أعمال الكوني تعد من أهم أدبيات الصحراء في العالم .إذ أنه في كتاباته نجد كنوز لا تنضب من المعلومات حول الصحراء وأهلها:تاريخ الطوارق ، أسلوب حياتهم ، فلسفتهم ، قيمهم ، فنونهم ، لباسهم الخاص الذي يميزهم عن باقي الشعوب فهوية الرجل الطارقي تكمن في اللثام الذي يضعه على فمه ويغطي نصف وجهه1. حكمهم التي تجري على لسان الشيوخ والعرافين .
في أعماله الإبداعية نجد خرفاتهم ومعتقداتهم الشعبية، علاقتهم ببعضهم البعض ، علاقتهم بأمنا الأرض ، علاقتهم بالكائنات الأخرى التي تكون مبنية أحيانا على التقديس والتبجيل إلى درجة أن يتبوأ الحيوان مكانة الطوطم المقدس في القبيلة الصحراوية.2 نجد أيضا في كتاباته آساليب مقاومة الطوارق لمحاولة طمس الهوية والثقافة والخصوصية الصحراوية هذا من جهة ومن جهة أخرى نجد الإستسلام لهذا التيار الجارف والإكتفاء بالبكاء ، البكاء على ضياع التاريخ واللغة والثقافة والهوية والحضارة الصحراوية .
فأنا كقارئ من خلال كتبه تمكنت من التعرف على غنى هذا المكان ، فالصحراء كما يصورها الكوني ، ليست ذلك المكان الفقير ، الجامد ، القاسي ، القاحل ، الموحش الذي لا حياة فيه ، إنها عكس ذلك تماما ـ إنها مليئة حد الإمتلاء بالحياة ، خزان للحكايات العجيبة و مستودع للأساطير الغريبة .
إن الصحراء التي يصورها الكوني بلغة شعرية وشاعرية مليئة بالرمزية ، أعجوبة ، جتة ، أرض مليئة بالحلم والشعر ،أرض الصوفيين والروحانيين والحكماء ، أرض الحرية ، أرض الحقيقة ، أرض البدايات ، منبع الوحي ، منبع النبوءات ، قلب العالم وروحه إن جاز التشبيه..إن كتبه تعكس وجه آخر للصحراء غير ذلك الوجه الذي عرفته منذ نعومة أظافري ، إنه :
وجه مشرق ، حي ، غير محدود ، لا نهائي ، ساطع سطوع الشمس .
الهوامش
1- مرجعية الموروث الشعبي الطارقي / الصحراوي في رواية المجوس ل إبراهيم الكوني – الأستاذة ابتسام لهلالي
2- الطوطمية في روايات إبراهيم الكوني : حيوان الودان أنموذجا – أ.د. شريف بموسى عبد القادر . أ. أمل رشيد

*حمزة الذهبي كاتب وباحث أكاديمي من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق