ثقافة السرد

أنا ومراهقي

د. احمد الباسوسي*

ام رتيبة وجدتي محبوبة صديقتان متلازمتان من الزمن القديم، علاقتي بهما بدأت من خلال عدة صور قديمة عثرت عليها بالصدفة بينما كنت انبش في اوراق قديمة بحثا عن صور تخصني وانا طفل الهو في الحدائق وشوارع وسط البلد أيام زمان، كنت اشتاق جدا الى هذه الأيام. حالة الحنين نحو الماضي تطن في صدري وتوجه تصرفاتي نحو نبش ادراج المتعلقات القديمة المهملة منذ سنوات. قفشت اصابعي صورة قديمة لسيدة اربعينية وبجوارها سيدة أخرى تماثلها في نفس العمر تقريبا في وضع تصوير جدي للغاية. أخبرتني اختي الكبرى السبعينية التي تقيم معي بعد وفاة زوجها وتفرق ابناءها في بلاد الله الواسعة بحثا عن الرزق ان هذه الصورة لجدتي لأمي، اسمها محبوبة وصديقتها ام رتيبة، الصورة تبدو باهتة، وملامح الوجوه تكاد تبين بصعوبة، المرأتان كانتا تتدثران بعباءات سوداء وشعر الرأس طليق متدلي حتى البطن يتباهى بلونه الفحمي الذي يكاد يتمرد على الانحباس داخل الصورة. باستمرار النبش عثرت على صورة اخرى لجدتي محبوبة وجدي يقفان متجاورين في وضعيه رسمية، كانا مستسلمين تماما للمصور المحنك، هكذا اخبرتني اختى، ثم صورة ثالثة لجدتي وأم رتيبة وكانا يقفان متجاورين في ركن استيديو التصوير كأنهم غير مهتمين وكانا يضحكان، ولم اعثر على صور خاصة بأبي، أختي قالت انه مات قبل ان اولد بشهور قليلة، فيروس الكبد نهش بطنه وقضى عليه في عز شبابه. علمت أثناء لحظة الفوران “الحنينية” للماضي ان جدتي وام رتيبة رحلتا في اسبوع واحد قبل ان تنتمي مداركي للحياة، كنت حينها صغيرا صاحب ثلاث سنوات. في يوم سبت رحلت ام رتيبة بصورة مفاجأة ومن دون مرض، ولحقتها جدتي محبوبة في يوم الخميس التالي بصورة مفاجأة ايضا ومن دون مرض. المدهش انني التقيتهما اليوم، كانا يتسامران بينما كنت أجوس في الشوارع من دون هدف أو وعي. رأيتهم يجلسون في مدخل باب البرج السكني الشاهق المقابل لمنزلنا. يقولون انه كان منزل أم رتيبة زمان أيام الشارع القديم، وبعد رحيل الجميع باعه الورثة لتاجر أخشاب سمين يحمل شاربا عظيما يتدلى حتى ذقنه الحليقة ويسعل بشكل متواصل بطريقة تستدعي الشفقة والازعاج. خصص الرجل الدور الأرضي بالكامل ورشة نجارة ملأها بماكينات حديثة لتقطيع وتشكيل الخشب وتهذيبه وثقبه وخلافه وبدأ بتصنيع وتوريد وبيع الباب والشباك، ثم لاحقا فتح ركنا خاصا بصناعة الأثاث. ارتفع بالبرج السكنى الى مسافة اثنتي عشر طابقا، كل طابق مكون من ثلاثة شقق سكنية اشتراها غرباء عن المنطقة والحي وبعضهم أتى من محافظات بعيدة، الرجل صاحب الشارب الضخم والسعلة المفطرة للقلب نافذ بقوة المال وسطوته الى جميع مسئولي الحي والمحافظة ويفعل ما يحلوا له في الشارع وكل ما هو ضد القانون من دون ان يهاب أحد. مشهد المرأتين اللتين خرجتا من الصور القديمة صدمني بقوة، تشككت في عقلي الذي قد يكون انحرف خاصة مع تلك التيارات الحنينية التي جرفتني هذه الأيام واتخذت شكل موجات متتالية تهاجم وعيي ومخزن ذاكرتي. تساءلت من دون انشغال هل يمكن ان تأتي امرأة من زمن قديم وتجلس القرفصاء ربما لكي تلتقط صورة أخرى بعد نصف قرن من موتها وحبسها داخل مقبرة موحشة. جدتي محبوبة كائن اسطوري وصل صداه الى مداركي في صباي، دائما كانوا يقولون لي انها امرأة عظيمة، امرأة جبلت على العطاء، ساندتنا بقوة بعد وفاة والدي، اعطتنا كل شيء، مرضت امي بعد ان جئت الى الدنيا، كانت جدتي محبوبة تفعل المستحيل من أجل ان نظل على قيد الحياة، ماكينة الخياطة خاصتها ظلت تدور لسنوات لكي تأتي لنا بالطعام والملبس ومصاريف المدارس وعلاج أمي حتى ماتت في شتاء أحد أيام شهر رمضان. كنا نترقب آذان المغرب قبل دقيقتين. هلعت لصرخة أختى الكبيرة، “جدتنا لاتتحرك ولا تتكلم”، مداركنا لم تكن تعرف معنى “الموت”، على الرغم من ملازمته لنا كل هذه السنوات. جاء الجيران وازدحم البيت، يومها ادرك الجميع حتى “أنا” بالطبع ان جدتي محبوبة ماتت، هذه السيدة الاسطورية لم اتمكن من استرجاع صورة ملامحها، ربما ان ذاكرتي لم تكن تشكلت بعد حينما ماتت، أو ربما رفضى القاطع لفكرة اختفاءها من منزلنا وقد كانت مصدره الوحيد للدفئ والسند. يقولون اني نمت على سريرها ليلة ان حملوها الى المقبرة لكي يغلقونها عليها الى الأبد ويعودون من دونها، ويصبح عالمنا فارغا، قاسيا من دون معين. مشهد المرأتان المتجاورتان يتهامسان في مدخل البرج السكني قبالتنا ضاع في زحمة أيامي وأفكاري خاصة أني قد شارفت على الجنون والرعب من تصرفات ذلك الضابط الشاب الاحمق الذي يصر على الزج بابني طالب الثانوية العامة الى السجن لأنه سخر منه بحسب زعمه في أحد الكمائن التي يززرعونها في كل مكان في اعقاب الحوادث الارهابية العنيفة التي تضرب البلاد هذه الأيام. اليأس تملكني من امكانية اختراق هذا الضابط الغاضب، أو على الأقل التقليل من حقده المنفوث في اتجاه ولدى المراهق هزيل الجسد والصوت والابتسام. شرودي وتجوالي الطليق في المساء، واشتعال رأسي بالقلق والغموض على مصير مراهقي الذي اضطر الى الاختفاء بعيدا عن ملاحقات للشرطة يذهب بي الى الجنون. يقولون انه متحالف مع الارهابيين!. كانت امتحانات الثانوية العامة تطرق الأبواب والقلوب والعقول المشلولة، وكنت أسير في الشارع مثل التائه الذي تحركه اقداره بين البنايات، يطالع أشباحا غريبة تترنح في الشوارع، خالية من االانفعالات والمشاعر، بل وخالية من الحياة أيضا، هناك عند مدخل البرج السكني المقابل لباب منزلي عاينت للمرة الثانية المرأتين جالستان تتهامسان بصوت اخترق جميع حواسي، اتضح من ملامحهما جدية الحديث والانصات والصمت، واتضح أيضا ان وعيي شبه الغائب سجل تلك اللقطة بسرعة عجيبة وماثلها بالصورة باهتة الملامح لجدتي وصديقتها “الأنتيم” ام رتيبة. الذي اربكني بحق هو ذلك الطنين المتواصل في رأسي والذي لن يوقفه سوى التحقق من المشهد الذي تركته خلفي منذ قليل حتى من دون ان امعن النظر للوراء في اتجاه مدخل البرج السكنى الذي يفرشه الضوء كالنهار، ادركتني ضوضاء منزلي، الاطفال فرغوا من امتحاناتهم ونحن الآن على أبواب الثانوية العامة، لكن ظلت الصورة، وظل الحدث يرافقان تفكيري وخيالي ويجبراني على الصمت. لم يكن يومي طبيعيا، بل صعب، التوترات ترافقني في كل مكان، هاجمت مديري في العمل بشدة لمجرد انه انتقد تصرفي بعصبية حيال زميل في قسم آخر، كنت فاقد السيطرة على انفعالاتي ولساني لأول مرة، رفضت محاولات الجميع للتهدئة وغادرت غاضبا من دون استئذان، لم يكن اضطرابي طبيعيا ولا الشارع ايضا، كأن كل شيء يناصبني العداء، مراهقي الصغير مشرد في الشوارع بسبب ذلك الضابط الأرعن الذي يصر على ايداعه في السجن لمجرد انه سخر منه أو استهان بتعليماته حينما طالبهم بالتراص في الصف وابراز الهويات الخاصة. مراهقي حالم، خجول، منطوي، معتد بنفسه جدا، شارك في الثورتين بحماس بالغ رغما عن نصائحي لابعاده عن المشاكل وشغل عقله بدراسته، لكنه عنيد، عصبي المزاج، يحلم ان يكون العالم نظيفا وعادلا وخاليا من الظلم. اخبرني زملائه الذين استوقفهم الضابط ورفاقه في تلك الليلة ” ان الجميع كان يتصرف بعصبية زائدة، الناس في الشارع والامناء والضباط والعساكر، اوقفونا قبل طلعة الطريق الدائري من جهة ترعة المريوطية، أخرجونا من السيارة، كنا خمسة شباب. غلالة المساء كانت طاغية كتمت شذرات الضوء التي تبثها أعمدة الانارة الحكومية الباهتة من الانفلات، المنطقة تبدو عبثية متربة، مثل خرابة مهجورة من البشر والحيوانات، خلق كثيرون وسيارات صافتة في الساحة، الجميع غاضب، مصالحهم متعطلة، رجال الشرطة يطلبون الهدوء للتحقق من رخص السيارات والهويات الشخصية، وكانوا في غاية العصبية والانفعال، طلب كبيرهم من الجميع التراص وابراز الهويات بسرعة، تقدم الضابط الشاب، بدا مرهقا، وعصبيا أيضا، توقع امتثال الجميع للأمر بسرعة، زعق فيهم بعصبية، رد عليه طارق مراهقي بنفس العصبية طالبا منه التحدث مع الناس بأدب، لم يحتمل الضابط الشاب عبارات طارق، توجه نحوه، الشرر كان يتطاير من عينيه المرهقتين، بدا ان عقال انفعاله قد فلت، طلب منه ابراز بطاقة الهوية بسرعة، رفض طارق، اخبره “ليس قبل ان اطالع هويتك الشخصية واتحقق منك اولا”، سخر الضابط منه في عبارات مبتذلة، دفعه بقوة في صدره، أمر العساكر والأمناء ان يضعوه في السيارة وان يتحفظون عليه. حصلت احتجاجات وهمهمة من بعض الموجودين في منطقة الكمين رافضة سلوك الضابط الشاب، جاء نظيره الكبير، حاول تهدئة الأجواء التي سخنت فجأة، أمر رجاله بالمغادرة بعد ان صحبوا معهم طارق. هرعت الى قسم الشرطة حيث يحتجزون مراهقي، كان مضطربا ومتوترا ومشوشا للغاية، أخبرني بما فعله الضابط وكيف رد على تصرفاته الغبية. أبلغوني في القسم انه واصل استفزازه للنقيب وخرج عن السيطرة، وان الضابط يصر على تصعيد الأمر، نصحوني بتهدئة الأمور والاعتذار للرجل في الصباح حين يعود. مراهقي رفض الاعتذار، يقول “هو من يجب ان يعتذر للناس”. جاء الصبح التالي وكأن الجحيم فتح أبوابه لاستقبالي، الشوارع ممتلئة بالناس والأحداث والغموض، كنت ادلف في طريقي الى قسم الشرطة اتفحص رأسي التي انهكها السهر وصلابة الجفنين، كأن حائطا خرسانيا عظيما انبنى بينهما لمنع انغلاقهما. الطريق كان ممطوطا، والأفكار المرهقة توسوس داخلي بحتمية رفع الراية البيضاء بأي ثمن. مراهقي صغير السن، يتمتع بحماس طائش، انطوائي لكن عنيد، يكره السلطة بكافة اشكالها ودائم التصادم معها، مستقبله وربما عمره على المحك الآن. يجب ان يرضخ حتى نعبر الأزمة، سمحوا لي بلقاءه قبل مجيئ النقيب، كان شاحبا، عيونه الضيقة حمراء واسماله متسخة وممزقة نوعا ما وتحمل آثار عنف وبهدلة الليلة الفائتة. أخبرني عن آخرين ظلوا يستجوبونه ويسخرون من كلامه، وعن ضرب مبرح تعرض له أثناء الاستجوابات الليلية. مراهقي بدا مثل الشبح المهزوم، وضح انه قضى ليلة عنيفة مأزومة كسرت قدرات التحدي والعناد لديه، أخبرنني في نهائة اللقاء عن رغبته في الاعتذار للرجل وانهاء كل شيء. تركته للقاء النقيب ومأمور القسم، شعرت ببعض الخفة والنشاط، صعدت الدرج، التقاني ضابط شاب وسيم بوجه متعاطف، أخبرني بهدوء ” ضروري تشوف محامي كويس لابنك، تم ارسال المحضر للنيابة وسوف يذهب هذا الصباح وربنا معاك”. ضاعت من أمامي علامات الأفكار والطرق، اختلطت في عيني الأشياء والناس وانعدم اليقين. هاتفت محام صديق طفولتي، هرع الى النيابة لمقابلة طارق وطمأنته والاطلاع على المحضر ولقائي هناك، كان الجنون يسيطر على رأسي، وأخواه الطفلين يتحركان بيننا مثل أشباح لاهية، وأمه ذبحها الخوف والرعب واتشحت بالقلق والسواد. اخبرني الرجل انه “تم حياكة محضر الشرطة بحنكة لادانة طارق في النيابة واستجلاب الكثير من الشهود الزور، وكيل النيابة قرر تمديد حبسه على ذمة التحقيق، سوف نسعى لاخراجه في العرض القادم بعد الاتفاق الودي مع الضابط”. كنت مع المحامي في النيابة هذا الصباح الحارق للقلوب والمشاعر، التقيت مراهقي، ظهر على وجه وتفاصيل جسده ملامح التصدع والانهيار وذورة اليأس، تركناه لقدره واتفقنا على اللقاء في منزلي في المساء لتهدئة امه المذبوحة. اذا كان الجنون رجلا فليكن شخصي الذي تفتت اوصال عقله، وضاعت في متاهات غريبة قاسية. رنات هاتفي النقال تصر على الانعتاق، احاول تجميع شتات أوصالي، أضواء النيون التي تفرش شقتي المتواضعة ما عادت تظهر الأشياء ولا الأشخاص، كائنات المنزل تحولت الى أشباح باهتة وغامضة، ويائسة. على الطرف الآخر جاء صوت خشن غاضب ومنفعلا يزعق بقوة، عرفني بنفسه أمين بالقسم المحتجز فيه مراهقي، أخبرني عن هروبه من مبنى النيابة قبل نقله الى القسم، وان هذا الأمر يمثل ضررا كبيرا بموقف المراهق في القضية، وضرورة احضاره لمبنى القسم فورا، بمجرد انتهاء المكالمة الصدمة استفاقت أشباح المنزل على خبطات متتالية مع رنات هلعة لصوت جرس الباب، حسبناه “هوه” مراهقي لجأ الى رحم أمه المسكينة طلبا للحماية والأمان، لكن فناء الشقة الضيق امتلأ عن آخره بعشرات الرجال المدججين الغاضبين في لحظة بعيدة عن حسابات الزمن الاعتيادية، وكذلك عن حسابات التاريخ الذي يرسمه البشر خاصة الضعفاء منهم بدماء قانية الحمرة. فتشوا في كل الأماكن والثنايا، بعثروا اسئلة كثيرة، وتهديدات أكثر، نثروا الخوف والرعب ثم رحلوا. بدأت استجمع شتات اوصالي، واتعجب من تلك المقدرة الفائقة لمراهقي “الطفل” الخجول المنطوي على تجميع كل هؤلاء البشر المدججين من أجل ملاحقته. أخبرني المحامي لاحقا انه تم اضافة اوراق جديدة الى محضر الشرطة وارسالها الى النيابة تثبت انتماء طارق لتنظيم ارهابي، يجب التحرك فورا للتفاهم مع الضابط الذي يصر على ذبح ابنك. في هذه الليلة جرجرتني قدماي التائهة نحو الوحدة والاستسلام لماكينة الأفكار وهي تدور من دون هدف، مجرد دورانها على الفاضي يخفف الكثير من توتراتي وقلقي الذي يفترس كياني، غلالة المساء قتم لونها، ضمخت العالم من حولي باللون الأسود، قررت الرجوع قهقري للمنزل واحتواء ساكنيه، عند مدخل البرج لمحت المرأتين جالستان في وضع القرفصاء يتهامسان، كأنهم كانوا في انتظاري هذه المرة، سمعت كل همسهم، ارتعبت في البداية، كأني رأيت شبحين، أو كأن الزمن رجع عشرات السنين حيث البنايات القديمة والتقاليد والحياة البسيطة الطليقة، ملامح الوجوه اشعلت فتيل الوهج داخل رأسي من جديد بعد ان اعتقدت ان كل شيء خبا داخلي. هذه الملامح كأني اعرفها، تسكن داخلي، سارعت الخطا خوفا أو فضولا لا ادري؟، اندفعت بسرعة نحو درج المتعلقات القديمة، زوجتى لحقتني وفي ثوان كانت فوق رأسي، اعتقدت ان لدى أنباء تخص مراهقنا الغائب، اصابعي تنبش في الصور القديمة، وعيوني الجائعة تدقق في تفاصيل الملامح على الرغم من رؤيتهم قبل ذلك مرات عديدة، ولساني يتمتم من دون وعي ” بالتأكيد همه، نفس الملامح، نفس الأسمال، نفس المكان”، وزوجتي تردد في استغراب واضح، ” جدتك محبوبة وأم رتيبة صديقتها ماذا حدث؟” أخبرتها أني رأيتهم يجلسون الآن في مدخل بيت ام رتيبة القديم”، طلبت منها ان ننزل للجلوس معهم ولو خمس دقائق. تفآجأت بسرعة موافقتها على الرغم من الدهشة والاستغراب والشفقة التي كست وجهها الحزين، هبطنا الدرج على عجل كأننا على يقين من اللقاء مع الماضي النبيل، وكأن زوجتى وهي تلاحقني في ركضي على الدرج كانت في شوق جارف للقاء جدتي التي سمعت عنها وعن صديقتها الانتيم، تجاوزنا مدخل بيتنا، في ثوان كنا أمام مدخل البيت الآخر، كشافات الاضاءة داخله قوية، صداها أضاء داخلي بوهج مدهش، استحالت العتمة الى نهار متحدي، حملقت جيدا في المكان حيث رأيتهم جالسين، وطفقت زوجتي تردد آيات من القرآن، لم يكن في المدخل الرخامي اللامع المتلألأ بأضواء النيون شديدة الوهج في الظلام سوى حصيرة قديمة بالية لم يعد يقتنيها أحد هذه الأيام موجودة في نفس الموضع حيث كانا يجلسان، وفي المنتصف صينية قديمة فوقها فنجانين بهما آثار حديثة لشرب قهوة بنية غامقة اللون. دلفنا الى الخارج بسرعة، كان فضاؤنا مفعم بالضوء والونس، صعدنا الدرج دون ان ننبس، الاطفال نائمون في حجرتهم، وكنت في مكتبي اهاتف صديقي المحامي نبحث في خطوات التصعيد من أجل تبرأة مراهقي الغائب من الاتهامات المزعومة، وتقديم شكوى في الغد ضد ضابط الكمين الذي يتربص بطارق ويكيل له اتهامات مزورة، هذا بالضبط ما اشارت به جدتي محبوبة وصديقتها في همسهما معا من أجلي.
يناير 2019

*د. احمد الباسوسي
كاتب مصري
عضو اتحاد الكتاب المصريين ونادي القصة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق