ثقافة المقال

المركب العشاري في العمارة الاسلامية

بقلم: أروى محمد شاهين*

يعتبر فن العمارة الإسلامية أحد أهم الفنون التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بما بناه المسلمون على امتداد التاريخ الإسلامي، ومن خلال هذه الخصائص البنائية الخاصة أصبح هناك ما يشبه الهوية المعمارية الخاصة بالمسلمين أينما ارتحلوا، بحيث تشير المباني التي يتركها المسلمون خلفهم إلى التاريخ الإسلامي وثقافة المسلمين، وهناك العديد من المناطق التي شاع فيها فن العمارة الإسلامية، وكان السبب في ذلك اتخاذ بعض الخلفاء والسلاطين المسلمين لهذه المدن مكانًا لإقامتهم، حيث شيدوا فيها العديد من القصور والمساجد العظيمة ، ومن هذه العناصر الفريدة ؛ المركب العشاري ، الذي تميز بجماله الفائق ودقته الفريدة ، فضلا عن ندرته المعمارية.

هو عبارة عن عنصر زخرفي علي هيئة سفينة نيلية تعلو بعض القباب والمنائر تدور مع حركه الهواء عنصر وجود في العمارة الاسلامية ، ويصنع غالبا من البرنز أو النحاس ، ولقد ذكر المؤرخون وجود العشاري فوق منارة جامع أحمد بن طولون ، وكان محتفظًا بها لسنوات بمكانها ، ويذكر المؤرخون أيضا أن عشاري جامع أحمد بن طولون صنع من النحاس .

وتعتبر العشاري بهذا المسجد من الكنوز الفريدة التي ميزت مسجد أحمد بن طولون ويقولون انه كان باعلي مئذنة جامع ابن طولون خوذة علي شكل سفينه صغيرة أو عشاري ، ويرون عنها قصة بأنها كانت تدور مع الشمس ، ولقد عقب علي ذك المؤرخ تقي الدين المقريزي (المتوفي 845هـ) بقوله : ” بأنه غير صحيح ، والحقيقة أنها كانت تدور مع دوارت الرياح وأن الملك الكامل الأيوبي كان يهتم بوقودها ليلة النصف من شعبان ثم أبطلها .

ونظرًا لأهمية هذا العنصر المعماري نجد أن السلطان المملوكي حسام الدين لاجين قد ابقي عليه عندما قام بإعادة بناء جامع ومئذنة ابن طولون سنة (696هـ / 1296م) ولكن أغلب الظن أنه انتزع وتمت إعادته إلى موضعه مره أخري بعد أعمال الترميم ، ولكن مهما كان الأمر في المركب ، فقد سقط سنة (1105هـ/ 1693م) ، وقد أرجع السبب المؤرخ الجبرتي إلى بعض الريح الشديدة التي عصفت بالمدينة ، فيقول في ذلك : ” أن ريح شديدة أتت علي المدينة ، حيث تداعى إلا أنه قد أعيد مره ثانية الي مكانه أو استبداله بأخر فقط ظهر في بعض الرسومات التي صممت لمنارة الجامع الطولوني في القرن التاسع عشر.

مئذنة الجامع الطولوني : وهي بلا شك تكاد تقترب إلي حد كبير بمئذنة مسجد سامراء المعروفه بالملوية ، حيث تأثرت بها كثيرًا . وقد أفادتنا المصادر التاريخية بأن العشاري كان يملا بحبوب من أجل الطيور المغردة في حين يرى البعض أنها كانت رمزًا وتعبيرًا لما كان عليه الإمام الشافعي من سعه العالم والمعرفة لدرجة أنه عرف بلقب “بحر العلوم”

وقد عرفت قبه الإمام الشافعي للعيان ، واشتهرت بالعشاري فوقها ، وكما ذكرنا آنفًا أنه عبارة عن ” مركب صغيره مثبت في هلال القبة ، تتدلي منه سلسلة حديدية .، يقال أنها أعدت ليتسلقها من يريد الصعود إلي هذا المركب من أجل وضع المياه والحبوب للطيور كما يعتقد البعض .. وهذا المركب موجود في هلال القبة منذ أن أسسها الإمام البوصيري صاحب البردة (ت: 695هـ/ 1295م) وقد انشد في ذلك

بِقُبَّةِ قَبْرِ الشَّافِعِيِّ سَفِينَةٌ

رَسَتْ مِنْ بِنَاءٍ مُحْكَمٍ فَوْقَ جُلْمُودِ

وَمُذْ غاضَ طُوفانُ العُلُومِ بِمَوتِهِ اسْ

تَوَى الفُلْكُ في ذَاكَ الضَّرِيحِ عَلَى الجُودِيِّ

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد ، فقد تبعه في ذلك شعراء عدة عاشوا خلال العصر المملوكي ، وخاصة إبان القرنين الثامن والتاسع للهجرة (الرابع عشر والخامس عشر للميلاد) ، ومنهم من استطرد في وصفها, حيث انشد فيها الأديب الكاتب ضياء الدين بن الفتح موسي بن ملهم ، فيقول في ذلك :

مررتُ على قبّة الشافعي ** فعاين طرفي عليها العشاري

فـقـلتُ لصـحبـي لا تعـجبـوا ** فإنّ الـمـراكب فـوق البـحار

وبذلك يتبين لنا أن هذا المركب كان بمثابة رمزًا لعلمه الفياض ، وكناية عن ذلك بوضوح ، وخاصة كونه بحر من العلوم ، الأمر الذى حدا ببعض المؤرخين لاعتبار أن العشاري مأخوذ من العمارة المصرية ، وأن أصل الكلمة جاءت مشتقة من مما يتناثر في السفينة من عشور الحبوب للطيور ، وعلي الرغم من قله النماذج المتوفرة لدينا في هذا الجانب المهم من عناصر ومكونات العمارة الإسلامية إلا أنه قد لفت نظر الرحالة واستدعى وقوف المؤرخين لتأمل جمال كنوزنا الحضارية.

وبذلك فقد كشف فن العمارة الإسلامية عن وجود مهارة فنية وهندسية رفيعة المستوى من خلال أعمال البناء العظيمة في مصر الإسلامية، وخاصة تلك الفترة التي شهدت وجود المسلمين الأوائل فيها لفترات هامة من التاريخ الإسلامي، وما زالت أثر هذه البنايات خالدة حتى اليوم هذا، كما تعتبر هذه البنايات وجهة سياحية هامة لكل من يزور مصرنا الغالية التي تحوي هذه الآثار العريقة لهذا الفن الإسلامي العظيم.

*باحثة في مجال التراث والحضارة الإسلامية (مصر)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “المركب العشاري في العمارة الاسلامية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق