ثقافة السرد

تك.. تك

 نصير العراقي
 
تك، تك .. تك، تك
جدار يقف عاريا، وعليه ساعة ما زالت تنبض ب”تك، تك”.
صوت له صدى.. دب قطني يأن تحت الحجارة اسفل بقايا الحطام.
يد صغيرة ما زالت تمسك به مخضبة بدمائها، والدب يأن من ألم التخاذل الذي وصل من الحقارة، والصفاقة حد المجون.
رجل مذهول يقف أمام البناء المنهار يتفقد بعينيه أشلاء أم العيال بعد أن مزقها عهر القنابل المرسلة هدية بمناسبة رأس السنة لأهل السنة.
الساعة لا تزال تصدر الصوت ذاته “تك، تك”.
الدماء تحت البناء تقطر.. دماء ليست ككل الدماء إنها شفافة بيضاء، نعم بيضاء، فهي دماء الشهداء، تفوح منها ريح مسك، وعنبر.
الناس يحتشدون، والشباب يجتمعون، وبسواعد الرجولة ينقضون على أكوام الدمار يحاولون شق أمل أو طريق لحياة علهم يستنشقون أنفاس طفلة هنا أو لعبة هناك.
الدب القطني يأن يحاول الإخبار عن المكان يريد تخليصه من القبضة الصغيرة يريد الخلاص.
الرجل سقط من يده كيس “حلوى الجبن”.
الساعة تصرخ ” تك، تك” تريد من الباحثين عن الحياة، وريحها أن يأتوا إليها، فحملها ثقل، والمنظر يقتل.
في الجانب الآخر من الانسانية حيث البقعة الأكثر طالما، وظلما، هناك يجلس السفاح على عرشه يمضغ لحم الأطفال نيء، ويحتسي دماء النساء حارا، وحوله ضباعه منتشين، وله مادحين.
صراخ، وصياح، تهليل، وتطبيل.. الكل مداح لصاحب اذن الفيل، و وجه الفأر القبيح، ذو قلب الخنزير.
الساعة لا تزال تطلق الصوت ” تك، تك”، والدب خفض أنينه بعد أن يأس من الوصول إليه.
السواعد الشابة تعمل جاهدة، وعين رب الأسرة بالدمع فائضة.
أيام سبع في توفير الليرة على الليرة حتى اكتمل المبلغ، وتم شراء “حلوى الجبن” التي لا طالما تمنتها الصغيرة، لكن هيهات، فقد كانت هدية العم “بوتين اللعين” أقرب، وأسرع.
الساعة مستمرة في صراخها، والجميع منشغل بالبحث عن الهدف.
الجدار الصامد هو الآخر انزعج، وتململ.
في الجانب المظلم “دشاديش” بيضاء، وشوارب سوداء، وقلوب ماتت منذ زمن ترقص، وتحتفل؛ تدور حول هبل وتطوف مبجلة أبا جهل.
الجدار، والساعة، والدب القطني يحاولون، لكن الشاب مشغولين بالبحث عن الصغيرة المستقرة في الجانب الآخر من الضمير.
القبضة الصغيرة تضغط على الدب القطني بقوة تريد منه الصراخ بدلا عنها.
الأب المذهول، ومن بين كل ما يدور حوله نظر، فوقعت عينه على الساعة، وتتبع عقاربها التي أشارت له إلى تحت، فبصر الدب، والتقت العين بالعين.
اللسان يريد أن ينطلق بالصراخ ليخبر الشباب عن أن هدفهم خلفهم.
سبق صراخه صراخ الجدار الذي لم يحتمل الموقف المؤلم، فهب ليحتضن الدب، واليد الصغيرة.
تراب، وغبار، وصراخ ملء المكان.
الأصوات تتضارب، وكل ينوح على ليلاه.
العم اللعين عاد ليلقي الهدايا من جديد، ويحيل الأجساد إلى أشلاء.
الأرواح تصعد إلى بارئها فرحة بشهادتها.
هدأ كل شيء بعد ذاك الضجيج واستمر الصمت في المكان لدقائق، وساعات ، ثم أيام، وبعد سنة مررت من هناك ساعة شروق الشمس لأسمع الصوت ذاته وهو عاد ينبض من جديد “تك، تك”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق