ثقافة المقال

المراسل الصحفى .. الهدهد والنملة .. نماذج محاكاة

رضا سليمان

فى فترة الدراسة بالجامعة، وبالتحديد حينما كنتُ فى الفرقة الثانية، ندرس مواد ودراسات علم الإعلام وأمام كلمة “المراسل” توقفتُ كثيرًا حتى إننى، حينها، نظمتُ كتابًا خاصًا تحت هذا العنوان، وطبيعى ألا يلقى مثل هذا المؤلَف أى صدى من طالب ما يزال فى الفرقة الثانية بالجامعة، فكان مصيره الأدراج حتى اليوم، أعود بالذاكرة وأسأل نفسى ما السبب الذى دفعنى لذلك فى صدر الشباب رغم قلة الخبرة؟! كنتُ أود أن أصوغ إضافة جديدة تخص المراسل الصحافى مستقاة من القرآن الكريم.
ومهنة المراسل الصحفى (نسبة إلى الصحيفة) أو الصحافى ( نسبة إلى مهنة الصحافة) تعد من أهم وأخطر المهن فى مجال العمل الإعلامى خاصة وعلى مستوى الدول عامة، ذلك لأنه الحامل الأول للخبر وهو أو مَن يصوغ هذا الخبر، تتحكم خلفياته الثقافية وميوله ورغباته فى صياغة الخبر، فإن حاد لأى سبب نفسى أو اجتماعى أو عرقى عن جوهر الحقيقة جزء ولو صغير جدًا حتى إنه قد لا يلحظه، سوف يؤدى إلى نتائج قد تكون كارثية.
والمراسل الصحفى هو من يعمل كمراسل فى أى من الوسائط الإعلامية المختلفة فهو صحافى مع الصحف ومراسل إذاعى مع المحطات الإذاعية ومراسل تليفزيونى مع القنوات التليفزيونية. وكل مقدم برنامج فى وسيلته يقول : والأن مع مراسلنا، ليتبادر إلى ذهن المتلقى أى مراسل هو بناء على الوسيلة التى يعمل بها فى تلك اللحظة، فلا يحتاج مقدم البرنامج التليفزيونى أن يقول : والأن مع مراسلنا التليفزيونى!!
أعود إلى عمود المقال وكيف أصوغ إضافة جديدة تخص المراسل الصحافى مستقاة من القرآن الكريم؟!
تأخذنى، حينها وحتى اليوم، الأيات الكريمة التى وردت فى سورة النمل، والأولى التى تخص حديثى هى “حتىٰ إذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ” .
فإذا ما تخيلنا المشهد معًا لرأينا تلك الصورة، منطقة يسكنها النمل بكثرة حتى إنه أُطلِق عليها اسم “وادى النمل” وعلى مقربة يأتى سليمان وجنوده ليمروا من هذا المكان، هناك نملة على الأطراف تقف وتشاهد سليمان وجنوده يقتربون وقد يدهسوا النمل بالأقدام، النملة عليها نقل الخبر بسرعة، وضعتها الظروف فى موقع الحدث وعليها أن تكون مراسل جماعتها ولها هدف هو إنقاذ قومها، تلتفت نحو قومها صارخة فى مراعاة لعنصر الزمن وأهميته فى نقل الخبر، تقول: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم. طبيعى جدًا أن تثير دعوتها تساؤل البعض واستنكار آخر ورفض فريق ثالث وفى النهاية يقف الجميع يتطلع إليها كى يعرف السبب، إذن الخبر المنقول ناقص ولن يؤدى الغرض، سوف يسبب بلبلة وتشتت وتضارف لأنه خبر ناقص، على المراسل أن يدرك أهمية اكتمال الخبر وأن تكون الحقيقة المقدمة سريعة ومباشرة، لذا قالت النملة مباشرة لتقضى على أى استفسار قد يؤدى إلى استهلاك الوقت القليل المتاح: لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ. إنها تمتلك معلومة قوية، لقد شاهدت و قدرت تفاصيل الكارثة المنتظرة واتخذت القرار الحكيم كى لا يؤذى أحد من قومها، وفى خضم هذا المشهد الصعب والأحداث المتلاحقة وسليمان وجنوده يقتربون وعلى النمل الإسراع للاختباء وترك كل ما يقومون به من أعمال لم تترك النملة، المراسل، أهم جزئية فى الخبر ، وهى حقيقة الفعل، فقد يتبادر إلى الذهن أن سليمان وجنوده قد أتوا ليحطموا قومها لأى سبب وهنا تتسارع الظنون وتنتشر الشائعات، فهل هناك عداوة ما، هل قوم النمل يسببون أضرار لسليمان وجنوده … ؟! لم تنقل الخبر وترحل باحثة عن سلامتها قبل أن تُلحق به الحقيقة الكامنة خلف الفعل “وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ” فلا مجال يُترك هنا للشائعات, التزمت بعنصر الإدراك لأهمية الأمر ومخاطره، التزمت بعنصر التوقيت الزمنى والسرعة فى نقل الخبر، التزمت بعنصر المصداقية التامة ونقل الحقيقة حتى تلك التى تخص الطرف الآخر وهو المعتدى.
فى نفس سورة النمل وبعد قليل من حادثة وادى النمل نشاهد مراسل صحفى آخر، مراسل دولى يأتى بعد أن يلحظ سليمان غيابه ليقف على مقربة، يأتى الهدهد بعد فترة غياب، يعلم أن هناك وعيد وعقاب فى انتظاره، لكنه يمتلك الخبر، يمتلك القوة التى تجعله يتحدث بمنتهى القوة أمام سليمان وأمام كل مَن يتواجد فى مسرح الأحداث فيقول: أحطتُ بما لم تحطْ به . طالما كان مراسلنا يمتلك الخبر الجديد، سليمان نبى الله ويعلم الكثير لكنه لم يعلم بما أتى به الهدهد، فهو يمتلك القوة التى توفر له الجرأة والسرعة فى القول والثقة فى أن الآخر سوف يُسر بما يتلقاه، وأى مراسل صحفى يأتى بأخبار جديدة ولها من القيمة ما لها يحتل الصدارة فى مؤسسته، لقد بذل من الجهد الكثير ويستحق على الأقل بعيداً عن التقدير أن يُنصت له قادته، وقبل أن يتساءل سليمان عما أحاط به الهدهد وهو أى سليمان لم يحط به، يقول الهدهد “وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ” تلك هى المقدمة والخلاصة وعنوان الخبر، فلم يبدأ بأنه خرج فى الصباح و ذهب إلى و فكر فى و .. و.. الأمر مباشر وصريح، أمتلك معلومة لا تمتلكها، أتيت من مدينة سبأ بخبر حقيقى لا شك فيه لأنى شاهدتُه بعينى وعلمتُ تفاصيله وأنقله إليك أيها الزعيم بكل تفاصيله لاتخاذ اللازم “إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ” ينقل خبر المرأة التى تحكم القوم وما لها من سلطان وعرش، لم يستنكر حكم المرأة فذلك أمر عادى فما يلفت نظره هناك هو ما يفعلونه، لذا يقول “وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ” هذا هو الفعل الذى يرفضه الهدهد ويعلم أن قومه ونبى الله سليمان يرفضه، لكنه لم يأتى بالخبر سريعاً بدون التعمق فى التفاصيل، مؤكد أن لكل فعل أسباب تؤدى إليه، إن هذه الملكة وقومها يفعلون فعل ممقوت، لكن هناك أسباب أدت بهم إلى ذلك، ويستشعر كمراسل أن جوهرهم غير ذلك فيقول “وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ” وكأنه يوحى إلى سليمان فى نفس اللحظة التى يبغض فيها فعل الملكة وقومها أنهم قد غرر بهم. ثم يقدم الحل فى شكل استنكارى خفى يؤكد به السلام الداخلى له والذى يرغب فى نشره، وهو الغاية من نقل الخبر، هداية هؤلاء وليس إعلان الحرب عليهم فيقول” أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ” ثم يأتى دور القائد فى التحقق من هذا الخبر لأنه أمر عظيم والنتائج المترتبة عليه قد تكون كارثية إن تخلله الكذب وإن كان عن غير عمد، فيطلب من صاحب الخبر وليس أحد آخر، وذلك ثقة فيه و تحميله مسئولية الأمر كاملة حتى النهاية ” سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ” فيحمل المراسل الكتاب من قائده إلى القوم الذى أتى بخبرهم وعليه أن يلقى الكتاب ويبتعد وينتظر ماذا يفعلون بدون أى تدخل، عليه فقط أن ينقل الأخبار كما هى. وتستمر القصة التى نعلمها جميعا وفى نهايتها ملكة وقومها يعلنوا إسلامهم بما أوتى سليمان والسبب خبر ينقله مراسل صحفى هادئ، نشيط، صادق، يدرك أبعاد الأمر.
من تلك القصص السريعة للمراسل الصحفى التى ظهرت بين طيات آيات وقصص قرآنى نتعرف على أهم ما يجب أن يتميز به المراسل الصحفى من سعة إطلاع وثقافة وإدراك وأمانة وقدرة على صياغة الخبر فى سرعة ودقة . لا مانع من أن يتسم الخبر بالطابع الشخصى لناقله، فهو فى نهاية الأمر يتحرك داخل كيان بشرى لا يستطيع الانفلات منه، لكن يجب أن يتحرى الدقة فيما يضيفه على الخبر من رغبات وأهواء فلا يجب أن تمس الطرف الآخر أو أن تضلل قومه لرغبة ما فى داخله، فالنملة رغم كل ما تمر به وما سيتعرض له قومها قالت عن سليمان وجنوده “وهم لا يشعرون ” والهدهد ألقى بضلال ملكة سبأ وقومها على الشيطان فقال “وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ”.
عزيزى المراسل تميز بالثقافة والإدراك والفهم للآخر ، اهتم بالخبر إلى أقصى درجة واعلم أنه من الممكن أن يؤدى إلى كارثة، اعلم أن خبرك هذا يغير سلوك ويحرك أسواق وقد يخلق فتنة كبرى.

*إعلامى مصرى

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق