قراءات ودراسات

الشعر الأفغاني تحت المجهر!

بقلم: أبوطالب مظفري/ ترجمة: عقیل خورشا

إشارة: استوعبت اللغة والشعر الفارسيان في القرون الماضية مساحات أوسع بكثير من الجغرافيا الحالية لايران. ومع أن نفوذ اللغة الفارسية تقلص اليوم أيضاً في المواطن البعيدة بسبب عوامل اجتماعية وسياسية مختلفة، إلاّ أنّ بلدي أفغانستان وطاجيسكتان المجاورين لايران عادالاختيار اللغة الفارسية لغة رسمية لهما وذلك بعد منعطفات عديدة طوال القرون الماضية. مصير اللغة الفارسية واتجاهاتها في هذه البلدان لها أهميتها عند الباحثين في قضايا الأدب، خصوصاً وأن مسار التطورات الأدبية والفنية في هذين البلدين كان موضع اهتمام ونقاش في ايران، حيث انبعثت تدريجياً حالات تعاطٍ وتواصل جيد بين الفنانين والأدباء من ايران وأفغانستان وطاجيكستان.

 

أرضية التجديد:

لم يكن« الأمير حبيب الله خان»، سواء فيما يتعلق بميوله الفطرية، أو بسبب تغيير الظروف السياسية، يريد، أو يستطيع أن يواصل طريق أبيه الملطخ بالدماء. ولذلك فقد أذعن لبعض قواعد مشروع تجديد بناء أفغانستان. «وقد كانت «ثانوية حبيبية» التي أسسها الأمير حبيب الله من روافد التجديد، حيث مارست نشاطها على غرار الثانويات المعاصرة ، ولحسن الحظ فقد كانت قد تجمعت في عصره مجموعة صغيرة من النخبة في كابل آنذاك طالبت بالإصلاح والترقي. ومن ناحية أخرى فقد كانت هناك مجموعة متعلمة من بين الأحداث الذين احتجزهم الأمير عبدالرحمان، سواء من أصاحب المناصب، أم السياسيين، وكانوا موضع ثقة الملك على مايبدو؛ ذلك لأنهم كانوا قد نشؤوا وترعرعوا في قلب النظام وكانوا يعتبرون في نفس الوقت من الذين تعرضوا لأذى النظام، حيث كانوا يفتلون حبل مشنقته في قلوبهم. وكان اتحاد هاتين الفئتين في الأفكار والتطلعات هو الذي أشعل سراج الحركة المطالبة بالحكم الدستوري. وكان المطالبون بالحكم الدستوري عموماً قد تجمعوا أولاً حول محور جريدة باسم «سراج الأخبار» وكان المولوي عبدالرؤوف خان القندهاري يتولى إدارة هذه الجريدة. وقد طبع العدد الأول منها بتاريخ «كانون الثاني ١٩٠٤م، وأوضح المولوي عبد الروؤف الهدف من نشرها بقوله:

«لقد عرضنا نحن أقل عباد الله وأصغر سكنة البلاد، أعضاء جمعية سراج الأخبار، موضوع إنشاء هذا الأمر السديد على جلالة الملك، فمن المناسب أن ننقل إلى أسماع عقلاء العالم والعارفين من الجمهور كل الأخبار الجديدة التي يليق نقلها إلى أفغانستان وذلك كلما بلغنا عن الدول الأجنبية البهية أخبارها ووقائعها وحوادثها بملاحظات مختلفة ولغات متعددة من البلاد المتفرقة، وحتى يطلع العقلاء في داخل البلاد والمحبون لبلدهم على زبدة وقائع وطنهم وأحداثه أولاً، ويحيطوا علماً بأطوال أهل العالم وأدوارهم ورفعتهم من الضعف والانحطاط والخوف والوضاعة إلى أوج مراتب الدعة والنعمة والاقتدار في السلطنة والاتساع التدريجي للمصالح والممالك والرفعة المتنامية للمداخل والمسالك في بحار الكرة الأرضية وبراريها وتنفذ العزيمة على إكمال قواعد الحضارة البشرية وتحسين قوانين المعيشة وتزيين مصاحبتهم ومعاشرتهم. ولم يمانع جلالة الملك الراعي للإسلام، ففتح طريق الإخبار لأعضاء الجمعية» .

ولكن هذه المجموعة لم يسعفها الحظ للأسف، فلم يصدر من هذه الجريدة، سوى عدد واحد. وفارق المولوي عبد الرؤوف الحياة في ١٣٣٣هـ و واجه مساعده المثقف والضليع المولوي محمد سرور واصف القندهاري غضب الملك هو الآخر، وانهالت عليه قذائف المدفعية وهو يردد هذه الرباعية:

«في ذلك اليوم، حيث إذا السماء انفطرت. ثم إن اقتفاه إذا النجوم انكدرت.

سوف أمسك بتلابيبك في العرصات.

لأقول لك: أيها الصنم! بأي ذنب قتلت!»

ولم يستطع الأمير حبيب الله أن يلعب دور السياسي المترقي لأكثر من ذلك، ولذلك فقد سجن، أو أصدر حكم الإعدام على عدد كبير من المثقفين المطالبين بالحكم الدستوري بتهمة أنهم كانوا قد دعوه في رسالة بعثوها إليه، برعاية بعض قواعد الحكم الدستوري.

محمود طرزي وجريدة سراج الأخبار الأفغانية

رغم أن «شمس النهار» (١٢٩٠هـ) تعد أول جريدة مطبوعة في أفغانستان، إلا أن معظم الباحثين في مجال الثقافة والاجتماع يعزون مشروع التجديد في هذا البلد إلى المساعي الواسعة التي بذلها محمود طرزي. كان طرزي (١٨٦٦– ١٩٣٥م) نجل القائد غلام محمد خان شيخ قبيلة محمد زالي الشاعر الشهير والذي كان ينظم الشعر باسم محمد طرزي. وفي سنة ١٨٨٢م فإن عبد الرحمان خان، الملك المستبد، اتهم القائد بالتجسس ضد الحكومة، ونفاه هو وأسرته إلى خارج البلاد. وكان قد أدرك في تركيا مجلس المصلح الكبير، السيد جمال الدين الأفغاني، وقال هو نفسه في ذلك: «كان العلامة السيد جمال الدين معدناً من العرفان (العلم). ومصاحبتي له هذه لمدة سبعة أشهر، تعدل سبعين سنة من السياحة… والنقاشات السياسية، العلمية، الحكمية، الفلسفية، الاجتماعية وغيرها، والتي كانت تجري كل يوم في مجلس هذا العلامة الأوحد في زمانه، كانت كل جملة وعبارة منها بحاجة إلى تحرير الكتب والرسائل»والأشخاص العارفون بحياة السيد جمال يعلمون أن سبعة أشهر كانت تكفيه لأن يغير الدعامة السياسية لدولة بأكملها، فما بالك بايجاد التغيير في فرد واحد.

وقد خاضت أسرة طرزي غمار السياسة والاجتماع في أفغانستان عندما كان هذا البلد يجتاز عهداً دكتاتورياً أسود من الدرجة الأولى. كتب الأستاذ نجيب مايل هروي في كتاب «أفغانستان ، تاريخ وزبان» قائلاً: «عندما عمد الأمير عبدالرحمان خان إلى القضاء على حملة الأقلام بإشارة من الإنجليز، وبادر إلى تقييد حريات الشخصيات الشعبية، فإنه قام بنفي وتغريب البعض الآخر أيضاً، وقد كان محمد طرزي (المولود في ١٢٤٤) حدثاً يبلغ من العمر سبعة عشر عاماً، وكان والده تساوره الأفكار، ربما أفكار الفوضى التي كانت تعم البلاد. ولذلك كان يجب نفيه. فشد طرزي الرحال هو وأسرته إلى الهند واتجه منها إلى الإمبراطورية العثمانية. وفي هذه الإمبراطورية التي كانت جسراً بين حضارة الشرق والغرب، تعرف على الأفكار السياسية والاجتماعية الجديدة، وعلى إثر علاقة الصداقة بين أبيه وبين السيد جمال الدين وعلاقته هو نفسه بحكيم الشرق ذاك، فقد اطلع أيضاً على مقاييس الكفاح وقيمه آنذاك. وعندما حل الأمير حبيب الله محل أبيه، دعا عدداً من المنفيين للعودة إلى الوطن، كما يذكر التاريخ، وذلك بهدف التخفيف من مظاهر السخط الاجتماعي. فما كان من طرزي إلا أن عاد إلى أفغانستان محملاً بالأفكار التي كان قد حصل عليها في تلك البيئة، وعمد إلى إصدار جريدة باسم «سراج الأخبار الأفغانية»…».

ولقد دفع استمرار وشمولية سراج الأخبار ونفوذها، الباحثين إلى أن يعتبروا محمود طرزي بحق أب الصحافة الأفغانية. يقول فارتن غريغورين في كتابه «ظهور أفغانستان الجديدة» قائلاً: «كانت سراج الأخبار الأفغانية التي كانت تصدر خلال سلطنة خليفة عبدالرحمان، حبيب الله، أول وسيلة إعلام خبرية ناجحة في تاريخ أفغانستان الجديدة . وقد لعبت هذه الصحيفة الأسبوعية التي كانت تصدر منذ تشرين الأول ١٩١١وحتى كانون الثاني ١٩١٩، دوراً مهماً في توسيع الحركة التجديدية في أفغانستان. وكانت سراج الأخبار تعتبر منبراً لمجموعة صغيرة من المثقفين الشباب الأفغان الذين كانوا يعملون على التبرير الأخلاقي لمبادئ الحركة القومية والتجديدية الأفغانية، وكان العضو البارز في هذه المجموعة، محمود طرزي رئيس تحرير الجريدة وكاتبها الرئيس».

بداية التجديد في الأدب

أبدت سراج الأخبار منذ البدء نزعة ملفتة للنظر إلى الأدب، إلى جانب الموضوعات الأخرى. ولعل ذلك يعود، فضلاً عن الضرورات الإعلامية، إلى اهتمامات طرزي ورفاقه الذاتية. وقد كان والد طرزي شاعراً محترفاً وكان يميل كشعراء عصره الآخرين إلى الأسلوب الهندي وأسلوب مولانا عبدالقادر بيدل وقد وصلنا منه ديوان شعر ضخم ولكن الشعر الذي كان يعني به طرزي ورفاقه لم يكن ذاك الذي سمعه من أبيه. فقد كان أعلن بصراحة في سراج الأخبار:

«مضى وقت الشعر والشاعرية وولى

مضى زمن السِحر والسحرية وولى

الوقت وقت الإقدام والسعي والجد والجهد

مضت الغفلة ومضى الكسل وولى».

وبالطبع فإن من الواضح أن طرزي لا يريد من ذلك نبذ الأدب والشعر ورفضهما، بل إن قصده من مصطلح «الشعر والشاعرية» الإشارة إلى التقليد الشائع في عصره وثقافته وهو نظم الشعر. والشعر هو وسيلة الصحوة من وجهة نظر طرزي. وما يستهدفه في نقده، هو تراث الشعر الرومانسي المتبقي من الشعراء الفرس الكلاسيكيين الذي تكرر وتكرر حتى لم يبق لديه ما يقوله ولم يعد له طعم للتذوق. وقد كان يرى أن الشعر يجب أن يتحدث عن حياة الناس الاجتماعية في عصره، وأن يكون أداة للتعليم وسلاحاً لقمع الاستعمار الأجنبي ولذلك فإنه ما لبث أن استقطب الكثير من الشعراء، حيث كانوا كلهم يميلون إلى هذه النزعة الجديدة من الشعر والأدب. «كانت سراج الأخبار قد أصبحت تجمعاً غير رسمي للمثقفين المطالبين بالتجديد والاستقلال. فرجل مثل المولوي عبد الرب الذي كان يقيم المجالس الأدبية والسياسية في غرفته في المدرسة الحربية، وجد في سراج الأخبار مجالاً أفضل لنشر أفكاره ونشر فيها المقالات الأدبية الجميلة التي كانت تختلف تمام الاختلاف عن الأدب القديم. وأصبح محمد سرور واصف القندهاري الذي ضحى بنفسه من أجل تأسيس المدرسة الحبيبية والحركة الدستورية، من الكتّاب المتحمسين في سراج الأخبار. وقد مارس محمود طرزي التأثير في غسل دماغ رجل مثل مستغني، أشهر شعراء عصره، حيث دفعه إلى نظم الأشعار الاجتماعية» .

وتدل المقارنة بين شعرين لشاعر واحد تفصلهما سنة واحدة عن بعضهما البعض، على مدى دور النظرة الجديدة في تغيير الذهن واللغة الشعرية لشاعر محترف مثل عبدالعلي مستغني:

«سلبتني الصبر والثبات والنظم والترتيب

فماذا تريد منّي أكثر من ذلك يا عدو القلب والروح

ماذا تريد منّي أنا المتعب ولماذا هذا اللف والدوران دون سبب؟

فما أكثر كرات الصولجان التي رميتها على طرتك

ذاب القلب حسرة على تلك الفحصة في الذقن

واتركوني بعد ذلك لحالي، أيها الأعزاء!

فلقد تصالحنا أنا والزاهد السليم الفطرة

فجنة الفردوس له وتفاحة الخدّ لي

وقد نشرت هذه القصيدة في سراج الأخبار، العدد ١٣ سنة ١٢٩٠ ش وبعد سنتين قرأنا للشاعر في هذه الصحيفة نفسها هذه القصيدة:

لا تكن شاعراً ولا تتعلم نظم الكلام

ابذل جهدك وتعلم العلم والفن من أجل الوطن

لا تنظم الشعر في الشعر المسْبَل حتى الخصر ولا في فحصة الذقن

فتعلم العلم الذي ينفعك، يا عزيزي

اجعل من البندقية صولجاناً ومن الرصاصة كرة الصولجان

لا تتعلم أن الذؤابة كالصولجان ولا كرة الصولجان كالذقن

لا تكن كسولاً وعديم الفن، من لزوم البيت

وتعلم الحركة الدؤوبة نحو العلم والفن وكأنك سكة ممتدة تمشي .

إن الأغراض الشعرية الشائعة في هذا العهد تتمثل بشكل عام في ثلاثة اتجاهات: الأول «حب الوطن» ونفح روح اليقظة والنزعة الاستقلالية بين أبناء الشعب الأفغاني (القومية)، الثاني تعرف أبناء الشعب على الفنون والصناعات في العالم الحديث والتشجيع على تعلم هذه العلوم، الثالث محاربة التقاليد القومية والقبلية الخاطئة التي تحول دون تطور الشعب. وبالطبع فإننا نجد فضلاً هذه الموضوعات الثلاثة ذات النطاق الواسع، أغراضاً أخرى في أشعار شعراء هذا العهد ذات علاقة بتلك الأغراض الرئيسة الثلاثة ويمكننا أن نذكر على رأسها موضوع وحدة البلدان الإسلامية وعودة المسلمين إلى عظمتهم ومجدهم السابقين. ويمكننا أن نجد بعضاً من هذه الأغراض في الأبيات التالية لعبد الهادي داودي المتخلص بپريشان. وقد أصدر داودي الذي كان من الدعاة الأوائل للدستورية، حكم سجنه بنظمه لأشعار من هذا القبيل:

«لو كانت المعرفة قد ازدادت في هذا البلد، لا بأس في ذلك

لو كان قد وجد علاج لهذا الشعب المريض، لا بأس في ذلك

لو كان قد مزق ليل الغفلة هذا لا بأس في ذلك

لو كانت عينك المفعمة بالنوم قد صحت، لا بأس في ذلك

لو كان رأسك السكران قد تيقظ، لا بأس في ذلك.

* * *

لقد لزمت بيتك ليل نهار كالمقعد المنهار

أو أبقيت دماغك وفكرك دونما جدوى

وابتعدت عن الأحباب والتحقت بالأعداء

وعلقت الآمال على أعمال الآخرين

فلو كانت لك همة تدعم نشاطك، لا بأس في ذلك.

* * *

لقد بقينا في الصحراء كلنا عُرجاً وصماً وعمياناً

دون زاد، ودون قوة في أجسامنا وقلوبنا ضجرة

وقاطعو الطرق قريبون منا، والليل مظلم، والسالك عديم الإحساس

الطريق بعيدة والأرجل حافية والأشواك على الطريق أمامنا

فلو طهرت هذه الطرق من الأشواك، لا بأس في ذلك

* * *

لغيرنا السهول والأبواب والجدران والأوراق والثمار

فإلى متى تهزؤ منا الأزهار والبساتين والربيع

فيا غيوم الرحمة امطري علينا مطر الرحمة

سقط حملنا في الطين وقلوبنا تحت الحمل

فيا إلهي! لو أن حملنا يحمل  ، فلا بأس في ذلك.

ورغم أن معرفة محمود طرزي وإدراكه للأدب الكلاسيكي الفارسي لم يكونا على جانب كبير من العمق وهو ما يتضح من أحكامه المتطرفة التي صدرت منه في هذا المجال، ولكن مما لاشك فيه أنه كان قد أدرك ملاحظة جيداً وهي أن الآوان قد آن للتغيير والتطور وأن تلك الأغراض والقوالب التقليدية الجامدة لم يعد بإمكانها الاستجابة لمرونة العالم الحديث وتنوعه، ولذلك «فقد سنحت له الفرصة لأن يترجم عدداً من الكتب من التركية إلى الفارسية وأن يؤلف البعض الآخر بنفسه. وقد كانت أهم ترجماته التي أدت دوراً رئيساً في تعريف شباب ذلك العصر بالعلم والتقنيات الحديثة، ترجمته لآثار «جول فرن» الكاتب الفرنسي مثل «الجزيرة المستورة»، «عشرون ألف فرسخ تحت البحر»، «حول العالم في ثمانين يوماً»و «رحلة في جو الأرض»، وترجم فضلاً عن ذلك إلى الفارسية كتاب «القانون الدولي» و«تاريخ الحرب بين روسيا واليابان» وهما من مؤلفات الكتاب الأتراك».

ولأن جهود طرزي النظرية لم تكن مقترنة مع إبداع النصوص الخلاقة والأسلوب الحديث في الشعر والقصة فقد بقيت تتراوح في شكلها ومستواها السطحي. وأخيراً فقد عبر الشعراء عن الأغراض الجديدة بالأسلوب الكلاسيكي متأثرين به وتحدثوا عن العلم والفن والحضارة والفحم الحجري، بدلاً من الكلمات الشائعة مثل الطرة والخط والخال:

«تحدث عن العلم والفن، في الخانقاه والمجالس

لا تتحدث عبثاً في وصف الروضة والعشب

واكتب الأبحاث حول العلم والحكمة واقرأها على الناس

امدح الفن دائماً، ولا تتحدث عن السرو والياسمين

فكل شخص صور الكثير من الأغراض في ساحة الشعر

ولم يترك في ذلك سوى الشوك والغثاء لشعري وشعرك

فإن كان الكلام كذلك، فاختر القناعة بالفن

فقل للشاعر بيدل أحسنت، وانبذ الأشعار القديمة

هكذا يجب أن نسمع معاني الأشعار الجديدة

فكلما يحدث مما تقصده فقل هو سهل وياسمين؟

وعندما نلقي نظرة على ما قدمه الشعراء في ذلك العصر فسوف نذعن لحكم الشاعر المعاصر الأستاذ واصف باختري وهو أن أعمال أولئك العظام الشعرية لم تكن سوى إبداعات حقيرة.

وفي الحقيقة «فقد اهتز الشعر الفارسي في أفغانستان على عهد الحركة الدستورية وسراج الأخبار ونهض من كبوته وتلقى مفاهيم جديدة اقترنت دون شك مع بعض الإبداعات في قالب اللحن والتعبير… ولذلك، فقد ظهر جيل من الشعراء المجددين إلى جانب الأدباء الرسميين والتقليديين . وقد نشروا نوعاً من الشعر ذا النزعة التجديدية المعتدلة والرومانسية أحياناً، بسبب متطلبات العصر وكذلك ابتكاراتهم الشخصية وتعرفهم على الأدب الفارسي خارج أفغانستان» .

خليل الله خليلي

هو نجل محمد حسين خان، المعروف بمستوفي الممالك ويعتبر أول شاعر عمد إلى تجربة جديدة. وقد روى لنا الأستاذ واصف باختري نقلاً عنه هو نفسه أنه نظم في العامين ١٣١٧ و ١٣١٨ شعراً بوحي من تأثره بالشاعر نيما وذلك بعد قراءته مجلة الموسيقى الصادرة في إيران. وأرسل شعره إلى جمعية كابل الأدبية. ولكن جمعية كابل الأدبية لم تنشر هذا الشعر، بل إنها كتبت ملاحظة عليه وأعادته إلى الشاعر قائلة: «نأسف لمثل هذه القصائد والمثنويات التي تنظمها ، ترى لماذا ابتليت قريحتك بهذا الانحطاط فجأة»، وبالطبع فقد بادر أساتذة الجمعية الأدبية إلى نشر شعره بعد مدة مقدمين اعتذارهم له من جديد وسمحت صحف ذلك العهد ومجلاته بنشر أشعار ذات قوالب جديدة تدريجياً.

ولد الأستاذ خليلي في شوال ١٣٢٥هـ (١٢٨٦ش)  بكابل. وكان والده من السياسيين والفضلاء. ورغم أن خليلي فقد والديه في طفولته كما أنه لم يستطع مواصلة دراسته الرسمية، إلا أنه بلغ مراتب علمية من المعلومات والثقافة بفضل نبوغه ومثابرته، فقد كان يمارس التدريس لفترة في جامعة كابل. ورغم أن خليلي تولى طيلة حياته المناصب الرسمية والديوانية أيضاً، إلا أنه يعتبر في عداد القلائل من الشعراء المحترفين وتركت نصوصه الثقافية والأدبية أثرها دوماً على جوانبه السياسية والاجتماعية. وقد تبقت منه، فضلاً عن ديوان شعره، الكثير من المؤلفات مثل: آثار هراة، فيض قدس، من بلخ إلى قونية، مرقد بابر ويمكان.

يعد خليلي كما قلنا في عداد الشعراء التقليديين من الناحية الأدبية، إلا أنه لم يكن عديم الحظ من التجديد ويمكن اعتبار التحرر من التقليد الشائع للأسلوب الهندي، أحد أبرز مظاهر نزعته التجديدية هذه، ذلك التقليد المتين والقديم الذي سيطر لسنين عديدة على أذهان الشعراء الأفغان وضمائرهم. «يتراوح أسلوب خليلي الشعري بين الأسلوبين الخراساني والعراقي، وهو غالباً ما يتبع في القصيدة شعراء العهود الأولى من الأسلوب الخراساني، وخاصة فرّخي ومنوچهري، وقد استقبل بعض قصائد هذين الشاعرين.

ويمثل «سرودكهسار» [أنشودة الجبل] اسم مقطوعة شعرية كانت جمعية كابل الأدبية قد أصدرت الحكم برفضها بسبب قالبها المختلف وقد ارتأينا أن نبدأ سلسلة الشعر الحديث في أفغانستان بها:

أنشودة الجبل

في الليل على سفح الجبل       حيث الأشجار الخضراء والكثيفة

النجمة مضيئة  وضوء القمر منتشر

ليلة العشق والشباب

بين الخضر والورد وعش البلبل

يأتي صوت من بعيد مثل مليك السماء

من نايات الرعاة

فوق الجبال      موضع أقدام الغزلان

أنثر الجواهر في مواضع أقدام الغزلان

من الدموع الأرجوانية

ويمطر الغيم  شيئاً فشيئاً     ويهتز الغصن شيئاً فشيئاً

لا يوجد حاكم لكل شخص سوى الطبيعة

سوى الفرح والسرور

جلسنا أنا وأنت سوية       فرحين وجذلين

وأنت تمنح الحنان

وأقطف الورد لك    وأنثره عند أقدامك

أصنع حمائل لك من الشقائق الأرجوانية

كالياقوت الرماني

وكان الشاعر الثاني الذي جرب التجديد في الصورة، هو محمد يوسف المتخلص بآيينه. والذي ولد بكابل في ١٢٩٨ش. وكان أجداده من أهالي قندهار. وكان آئينه موظفاً في وزارة الثقافة. كما كان يعمل في الترجمة. وكان مسؤول مجلة (برگ سبز) أيضاً لفترة كما تولى لفترة الإدارة العامة للصحافة ورئاسة مكتبة وزارة الزراعة ومتحفها. وربما كان أول من مال بشكل صريح إلى قالب الشعر الجديد وأجاده إلى حد ما. ومما يلفت النظر، سعيه من أجل إبداع التشبيهات الجديدة. وهو يركز اهتمامه في شعره على مظاهر الطبيعة أكثر من العناصر الأخرى. وقد نظم الشعر بكل من الأسلوبين التقليدي والجديد. وله أيضاً أثر باسم (تار) قام فيه بدراسة التغييرات الأدبية على أساس العوامل الاجتماعية والأحداث التاريخية وتأثير عوامل العصر والبيئة . ومن آثاره الأخرى، «بستان صفت» و«نواي عشرت».

محمد يوسف آيينه

أبعدتني من جانبها بسكر خفي تحت الحياء

ومرتجفة وخائفة، وقالت: لست مجنوناً!

تلك المخالب الناعمة

وهذه العيون الملأى بالعتاب

كلها تريد الحرب والعراك

إني أتضجر! لقد انتزع كتاب العشق

الحق في رواج المحبة

وقدمه إلى أخيار الزمان

فهب لي الليلة وردة من ربيعك

وهذه أمنية طاهرة

يا أيتها الشمعة! تيقّظي، فأنت لست فراشة

أجيبي قلبي بالأحاديث الدافئة

وضمّي رمشيك إلى بعضهما البعض

لقد اخترنا باب العشق، من كتاب العشق

لتبق هذه الأشعار البديعة تذكاراً منّا

علامة من حماس المحبة في هذه الأوراق

لقد ولى الطير الشارد هارباً من أفخاخ الصيادين

وعندما تجدّد أسلوب الدلال في الزمان

فقد أسِّر ذلك الطير بيد الحسناوات الساحرات

التفَّت المصيدة على الطير كلما ازدادت محاولاته للخلاص

لقد سقط ذلك الصيد المسكين

في البلاء، وأخذ يتخبط بجناحية وريشه

وما إن هم بالقفز، حتى أسر من رأسه إلى رجله

ها أنا ذا قد سقطت بجوارك، منذ دهر بعيد

هادئاً، وشبه نائم

أرى في جبينك تبسماً

أيها المساء القاتم! ارفع حجابك بالله عليك

كي يأمن شخصان تعيسان من أعين الحساد

لقد أخذ القلب النور من حرارة أنفاسك

تدور قبلة الشفة حولي دون حساب

أنت نفسك فتنة، ضائعة

أنت ملاك جميل على شكل شعر منجمد

ظلّ البارحة إلى جانب المرآة حتى الصباح»

 

 

 


الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق