ثقافة السرد

الفصل 10 من رواية ( حرير الوجد )

للروائي التونسي محمد حيزي

فصل لتوقّعات الفرح :

العرس …
كان لهفة شقيقتي حليمة . كان أمنيّة أختي ربح . ظلّ حلم أمّي المستعصي الّتي اختفت فجأة من تلك المدينة وغادرتها إلى وجهة مجهولة قد لا تكون العاصمة . منذ أوبتي واختفائي في ذلك القبو وهنّ يلححن عليّ حتّى أتزوّج وأخرج من سجني إلى الدّنيا . أن أفرح مثل غيري . أن تكون لي زوجة وأطفال . أن يصير لي بيت مثل الآخرين . طيلة تلك الأسابيع المريرة وهنّ يعرضن عليّ أكثر من صبيّة فاتنة . كان حزنهنّ سائبا في ذلك الحوش . حاولن أكثر من مرّة محاصرته وقتله حتّى تدبّ فرحة فيه لكن ذلك لم يحصل …

أيّام القبو كانت حالة انفلات من جهمة الدّنيا ولعنتها الّتي ظلّت تطاردني كلّما حاولت الخروج من رجس تلك العائلة . كانت لهفتي بسيطة وحلمي عاديّا جدّا . لم أكن أسعى إلاّ لنوبة طهر تنقّيني من مظالم غيري وتجنّيهم عليّ . ظللت أحلم طيلة أسابيع بيد تباغتني من الملكوت وتلج روحي وجسدي في ملمس كالحرير . تجتثّ منّي كلّ ذلك الدّرن الخبيث وتطهّرني من آثام أمّي الّتي ألقتني إلى هذه الدّنيا بلا ملامح تشجني بأبي .صلّيت حتّى أدمى جبيني وبحّ صوتي .صرت أهذي كالدّراويش إلى أن فقدت النّطق . أنهكت جسدي وروحي إلى حدّ فاجع حتّى أرى الله وهو يزيل منّي ضيمي وقهري ويزرعني قاسما آخر فأمتلئ وأبرأ من كلّ جروحي وقروحي وأخرج واثقا ضاربا في الأرض كالكبرياء . كنت أحبّر ما يجيش في نفسي من متاهات عدّة وما يعتمل فيّ من ردود وأسئلة . ظللت أتهالك وأتلو القرآن في خشوع غريب . أبكي وأرفع عينيّ لعلّ حضنا ما يتسلّل نحوي ويلج بي مسالك عجيبة إلى أن أقف أمام خالقي للحظة خاطفة . توقّعت أنّ يدا ربّانيّة ستفاجئني حتما وتلهمني ما لا أقوى عليه . كأن تغسل روحي أو تهبني أخرى أنقى وأبلغ . وشيجتي بهذا الحلم كانت تتشكّل وتكبر يوما بعد آخر . تسبح في فضاء بليغ وتغرق في أدعيّة خالصة . بعد أسابيع شعرت بالخذلان واليأس وأنا أكاد أهلك . تحوّلت إلى شبح انسان بعد أن دبّ فيّ الهزال وبرزت عظامي وأصاب وجهي شحوب شديد وتراءى لي الموت في كوى القبو وأركانه . كانت هناك أنياب تتبدّى وأضراس تحتكّ وأطياف سوداء تصرخ حولي وأظافر تكاد تبلغ عنقي وتدميني . نشيج أمّي الّتي أقعت في الباب المغلق كان يصلني موجعا وهي تتوسّلني الخروج حتّى لا أهلك . رجاء شقيقتيّ كان يدكّ الباب الخشبيّ كلّ لحظة ويستفزّني كي أتسلّل من تلك الظّلمة الموحشة في القبو . كان الموت يتشنّج يوما بعد آخر ويحاول أن يفتك بي وكنت أتدفّق نحو الله حتّى يرحل بي إلى مقاصد آسرة لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا توقّعات هجست بما يمكن أن يكون عليه ذلك الخلق السّحريّ خلف سماواته السّبع وأبراجه الّتي لا حصر لها .
( 45 )
( أخيرا أفاقت من غيبوبتها . كنت قد قرّرت تحطيم الباب والولوج إليها حتّى أنجدها . بدت لي أقرب إلى الهلاك . تراجعت عن ذلك لأتابع إلى حين ما يمكن أن يحصل . دبّ النّشاط من جديد في جسدها الّذي بدا لي قد انطفأ بعد . انتصبت واقفة في عياء واقتربت من زاوية الغرفة أين ينتشر بخار كثيف . دقّقت النّظر فاكتشفت آنية نحاسيّة كبيرة تغلي بالماء على موقد صغير وإلى جانبها قصعة هائلة . وقفت وسطها ودفعت يدها إلى إناء وحفنت من ذلك الماء السّخن بعضه إلى أن فاع على جانبيه . ارتعشت وكدت أنتفض إلى أعلى وأنا أرى الماء وهو يغلي . ماذا ستفعل بنفسها ؟ إنّها أقرب إلى مجنونة ؟ دلقته على جسدها ليتحوّل بياض جسدها إلى أحمر قان . كاد دمها يسيح وهي لا تهتمّ لحدّته الشّديدة . ظلّت تدلقه إناء بعد آخر إلى أن أتت على الآنية النّحاسيّة . كنت كلّ مرّة أكبت صياحي وأتردّد في دفع الباب حتّى تكفّ عن صنيعها بنفسها . لم أصدّق نفسي وأنا أراها تترك القصعة وتقترب من شمّاعة في الرّكن الآخر وترتدي ثوبا ناصع البياض وتغطّي رأسها بلحاف وتمضي لتجلس على طرف الفراش وترفع مخدّتها وتجذب مصحفا مطرّزا بالفضّة وتنهمك في تلاوة القرآن . كان صوتها يبلغني عميقا آسرا متدفّقا كخصب ورواء ودهشتي تبلغ أقاصيها وأنا أنحدف إلى ما يشبه الغياب في فضاء رحب واسع الأرجاء خال من أيّ قيد ونفس الأيدي الّتي أطبقت عليّ عند الباب تسبح بي في نور عجيب وتقتطع منّي كلّ لطخة باغتت جسدي وتمكّنت منه واستعصت على الزّوال . كانت شفتاها تورقان سحرا لم أتوقّعه وكانت سكينتي أقرب إلى تجلّ غريب . الحروف والكلمات طالت المكان واختلجت فيضا روحانيّا يسيب كرذاذ حميميّ ويطهّر كلّ ما حوله لتغيب الجدران الرّابضة حولي وأجد نفسي في دفق فسيح نقيّ يتضوّع بطعم بليغ ورائحة آسرة تنتثر داخلي وتهبني نشوة لا مثيل لها . بعد أيّام مربكة استفسرت مريم في لهفة عن طقس أمّها العجيب . تردّدت ثمّ أجابت : ” – إنّها تنتزع لعنة أجدادها أيّام كانوا يجلسون واحدا بعد الآخر على عرش المملكة . نطق الكبد المجتثّ من ضلوعها مازال يطارد الأحفاد إلى يوم النّاس هذا ولن ينتهي إلاّ بعد ظهور ليلى أخرى في مدينة على البحر لا عين رأت ولا أذن سمعت . هناك ستتحرّر روح ليلى بنت الباي بعد أن حلّقت طويلا ورفرفت عميقا وتلج جسد الحفيدة المنتظرة حتّى تورق وتهدأ وتنسى أحزانها البعيدة وترتمي مرّة أخرى في أحضان عاشقها الممحوّ الّذي أمضى أربعين عاما وهو يسعى حتّى يعثر على وجهه في ملامح الآخرين بلا طائل . لقد تاه جدّه تاجر الحرير بعد غياب ابنه المفاجئ في أعماق المملكة بحثا عنه فضاعت تجارته وخاب أمله ووعيد الباي يلاحقه حيث حلّ إلى أن استقرّ به المقام بمرتفعات السّباسب وتجاويفها العميقة واختفى هناك متوقّعا لقاء موعودا بعد أن نام وسمع مناديا مع الفجر يهتف فيه قائلا : – إن لم تنعم برؤية ابنك بعد كلّ هذا الطّواف ستلقى حفيدك منه بعد لأي . قد يرمّم شرخ قلبك على كبر ويكون لك امتدادا . قد يشقى أحد أحفادك القادمين لأنّه بعث بعد نزوة لامرأة مهملة لكنّه سيدرك وجهه بعد عناء بليغ . سيمحو مع صبيّة آسرة في مدينة عند البحر لعنة بعيدة جدّا . تلك المدينة الموعودة بالماء والخصب والجمال ستبلغ أوجها يوما وتتحوّل إلى قبلة ومزار . سيأتيها النّاس من مشارق الأرض ومغاربها ولن يتركها خلق كثير . ستصير لهم سكنا ومأوى ولهفة دائمة وقد يخيّرون دفنهم فيها حتّى تجد أرواحهم راحتها الأبديّة . هذه حكاية ضاربة في القدم لا أملك من تفاصيلها إلاّ القليل . ما تبقّى منها محصور عند بعض أهالي تلك المدينة البعيدة . هي سرّهم ومكمن ألق مدينتهم ومفاتيحها لم يبلغها أحد سواهم . ستظلّ حكرا عليهم إلى أبد الآبدين . ليلى فقط ستكون بعض مسالكهم وعاشقها الّذي سيفرّ بجلده من مدينته الحاقدة سيغرف بعض مساربها حتّى لا يحسّ بغربته وإن كانت تحتفي بالغرباء كأهلها . هذا سرّ أمّي ولعلّه متاهة أخرى لم أكتشفها . اتركها بأمان ولا تزعج طقسها . إنّها في حاجة للخلاص بعد مصابها . قد تبرأ وتعود كما كانت ” . ومضت إلى شأنها وحيرتي من ردّها تتعثّر في خطاها إلى أن اختفت في غرفتها … ) .

ظللت على ذلك الحسم متحفّزا مصرّا على بلوغ ما نويت إلى أن تحوّلت إلى بقايا غير قادرة على الحركة والنّطق . لم تقو أمّي على الصّبر . كان يأسها يتحوّل إلى جاثوم كلّما صرخت . لم تجد بدّا من خلع ذلك الباب أخيرا . لم يصمد أمام ضربات المعول . بعد ساعة أو أقلّ حوّلته إلى قطع من الخشب المتناثرة هنا وهناك . كنّ يهتكنه معا في لهاث حتّى يبلغنني قبل أن يغرز الموت مخالبه في قلبي ويرديني . جذبنني تماما كجثّة متقطّعة الأنفاس . شيء من روحي ظلّ عالقا بجسدي كما لو أنّه يأبى نهايتي . كانت رغبتي في البقاء شديدة رغم حرصي على أن أبقى حيّا . كادت تأتي عليّ الشّمس بعد غيابي المطوّل عنها . أحسست برائحة كيّها على جسمي وهي تحدف نحوي دفئها بكلّ تلك الحميميّة العميقة . أغمضت عينيّ وبصري يكاد ينتزع منّي . هربن بي إلى الظّلّ ثمّ إلى غرفة النّوم .
بعد أيّام من الصّمت والتّيه استعدت قدرتي على الحركة والنّطق وانزرع الدّم في وجهي ودبّ فيّ نشاط غريب . قلت لأمّي صبيحتها :
– لقد بلغت الملكوت ورأيت ما لا أقوى على وصفه .
بدت دموع حليمة تتهالك وهي تتملّى وجهي . شدّتني ربح من كتفيّ ورجّتني في انفعال باك :
– هل أصابك الخبل وعدت تهذي ؟
– لا … سأعود مرّة أخرى إلى القبو وأستمرّ في الكشف . لقد بلغت ما لم يبلغه غيري ولا جدوى من منعي لأنّ قراري هذا لا رجعة فيه .
لم تجد أمّي بدّا من السّعي حتّى تكتشف أمري وما حصل لي في القبو . زارت أكثر من عرّاف وروت قصّتي . عادت ومعها حلول غريبة لحالتي الّتي استعصت . لم تمض أيّام قليلة إلاّ واطمأنّت عليّ .
كانت أوبتي تكبر كلّما فاضت عليّ أحاسيس مربكة لا عهد لي بها …
رأت أمّي أنّ زواجي سيخفّف عنّي مرضي الغريب الّذي تمكّن بعد وصار مفاجئا كالصّرع . يمكن أن ينتابني مرّة أخرى وقد يقضي عليّ إن لم تسرع بتزويجي . قد أجد عند الصّبيّة الّتي سأسكن إليها ملاذا يقتلعني من وهمي الّذي استبدّ بي ويستدرجني بعيدا عن رؤاي الغريبة وهذياني العجيب فلا أقع في خبل قد يهلكني . كنّ يفاجئنني بصور صبايا عديدات لا أدري من أين حصلن عليها . ينهمكن في وصف سحريّ لهنّ ويطلبن منّي أن أختار من تروقني . كانت ربح أقرب منهما إليّ وهي تمعن في وجعي :
– عندما تتزوّج ستبعث أطفالا منك إلى هذه الدّنيا وسيحسّون أنّ لهم أبا وهم يحيطون بك من كلّ جانب . ستدرك ملامح وجهك في كلّ منهم . ستشعر بدمك يجوب أجسامهم الصّغيرة . سترى في عيونهم روحك الهائمة . ستكتشف لهم جذورا أصلها ضارب فيك .
وتبتسم في وجهي كما لو أنّها تدلقني في صفاء غريب :
– ستكون بدء ترحالك في دمك ووجهك ولن تستردّ خيبة أمّك في سعيك المضني إلى تلك النّطفة الّتي انزرعت في رحمها دون أن تعي لك بعثا أو مصيرا . ستخرج سلوى إلى هذه الدّنيا في أرواح أطفالك ولن تتخفّى في هذا الوحل الّذي أبلاك وكاد يقصم ظهرك .
( 46 )
( ليلتها اكتشفت ما لم يطرأ لي على بال . كانت صفيّة كمن يتخلّص من جاثوم لا طاقة لها على حمله . ماذا حصل لها حتّى تتهالك في ذلك الطّقس الغريب ؟ هل تورّطها في تلك التّفاصيل العجيبة رغبة منها للخلاص وهي تنهمك في ذلك التّرتيل النّقيّ بعد حدّتها مع جسدها ؟ توقها لتلك اللّحظات الآسرة كان بيّنا مربكا أدهشني وبلغ منّي مبلغا لم أتوقّعه . تركت الباب في شبه غياب ومضيت مع ممرّ الغرف مزقا وحيرتي تنفرط وتتحوّل إلى أسئلة لا حصر لها . من تكون صفيّة هذه وكيف ولجت ذلك الطّقس المريب وتمكّنت من ذلك الصّفاء الرّوحي وتسلّلت من جهمتها إلى فضاء مضيء مشبع بامتلاء فاتن ؟ لقد تخلّصت من كوابيسها وهي تتطهّر من دنياها وتغيب في عالم آخر لا وشيجة له بما حولها . هل ما ترويه مريم عنها يقبله العقل ؟ لا أظنّ ذلك مطلقا . الأمر أبلغ من ذلك حتما … ) .

كانت أختي ربح كهسيس يندفع داخلي وينقّيني من غربتي ويمضي بي إلى منافذ مترعة بالحلم . دائما ما تباغتني بردود تسري فيّ وتحثّني على المضيّ نحو لهفات بكر وتدرك حاجتي البالغة إلى من يهبني فيض روحه فأخرج رويدا رويدا من ارتباكي وتوقّعاتي الهاتكة لنفسي .
ظلّت فكرة العودة إلى القبو تحفر نواياها داخلي وإن استسلمت لأمّي وشقيقتيّ إلى حين . كان عبد الرّحمان العامري يراقبني من بعيد دون أن يتدخّل أو يبادر . كان يحسّ بخيبة ما تتجلّى على ملامحه القاسيّة ودائما ما يكتفي بتدخين تبغ نرجيلته في حدّة بالغة كما لو أنّه يودعها مواجعه . ظلّ يتدحرج في قوقعة أحاطها بنفسه حوله ويحدث ضجّة عاليّة على شكل كحّة طويلة تكاد تذهب بصدره كلّما فاجأته . كان كلّما رغب في التّهالك إلاّ وأحسّ أنّ الهوّة الّتي قامت بيننا لا يمكن أن تمحى أو تتآكل مهما حاول أو أجهد قلبه نحوي . كنت أتابعه بدوري دون أن أوحي بأنّه يهتمّ لي أو أهتمّ له . كلانا مضى في سبيل مختلف ولا يمكن أن نلتقي أبدا أو نسعى إلى التّظاهر بلقاء كالصّدفة . خيبتنا معا كانت وستظلّ كجرح قديم لا يمكن له أن يندمل أو يبرأ …
( 47 )
( ظللت لليال طويلة أتابع صفيّة من ثقب الباب حتّى أكتشف أسرارها إلى أن أدركت أنّها تجد لذّة عجيبة في التّنكيل بنفسها كي تتخلّص من ماضيها الّذي ظلّ يطاردها ويهتكها . كانت أوجاعي وكسوري البليغة تنطفئ معها يوما بعد آخر إلى أن أدركت سوئي وقسوتي مع مريم واكتشفت أكثر من ورم داخلي وأنا أتقصّى وجه ليلى وهي تبتسم لي وتغمرني بحميميّة لم أنتبه إليها . صرت ألاعبها وأمرح معها خفية عن عيون مريم وأمّها . بدا لي ذلك حماقة منّي أوّل الأمر لكنّني اكتشفت فيه بعد ذلك راحة غمرتني شيئا فشيئا إلى أن أترعتني وأزالت كلّ الشّجن الّذي كاد يهلكني بعد زيارة أختي بيّة ونعتي بالأبله الخائب . كان ذلك بداية هطل عامر ملأني وأنا أشج روحي بروح ليلى الصّغيرة . جعلت لها جذورا فيّ أرويها وهي تكبر يوما بعد آخر أمام عينيّ . كانت كلّما جلست في حضني تهمس في أذنيّ كما لو أنّها تودعني سرّا : ” – خذني إلى البحر أبي . بي لهفة شديدة إليه . أمنيتي أن ألج إلى موجه وأتلذّذ به . هذا حلمي الصّغير وستحقّقه لي . لليال طويلة وهو يباغتني ويفتح أحضانه إليّ حتّى أرتمي فيها ” . وظلّت لهفة ليلى قائمة لم تنطفئ إلى هذه اللّحظة وأنا أنفرد بورقي وحبري إلى أن صار البحر حلمي أيضا ووجهتي المقبلة بعد أن ضاقت بي السّبل في هذه المدينة الّتي كنت فارسها وجلاّدها … ) .

لم تتمكّن العارم من جرّي إلى زيجة لا أرغب فيها . مازالت ليلى بعد تحدجني من بعيد وتومئ إليّ بيدها من علية قصيّة . كانت تسبح في ركن ما من قلبي . تتبدّى للحظة خاطفة في أطراف ذاكرتي المهملة . كانت تظهر وتغيب وإن لم تعن لي شيئا محدّدا أيّامها . غيابها أو حضورها مجرّد خاطر عابر . لعلّه ذلك النّسيان الّذي تحوّل إلى سهو ثمّ إلى هواجس منخطفة إليها . تتمثّلها للحظة لكنّها تدبر في وجع تلك الأيّام وتركن ما تبقّى دون رغبة ما في الأوبة .
شقيقتاي لم تيأسا منّي . لعلّ زواجي يخفّف ثقلا ما نال منهما . تهفوان إلى عرسي كما لو أنّه عزاؤهما الأخير . جبر لكسور عميقة قوّضت فرحتهما وصباهما الّذي تهتّك في هذا الحوش وبلغ الذّبول والتّرمّل واليأس . ظلّت حليمة تسعى إلى ذلك . تريد أن تراني جالسا إلى صبيّة اختارتها بنفسها . كما لو أنّها ترى نفسها فيها . اندفاعها نحو زرع فرحة ما في ذلك الحوش كانت آخر حلم لها . ظلّت تحاصرني بدورها إلى أن ضاقت بي . بعد ذلك اختفت في غرفتها وانهمكت تمضغ أحزانها إلى أن حصلت تلك الواقعة الّتي أودت بحياتها . من قتلها صحبة ربح وعبد الرّحمان العامري ؟ لا أحد بعينه يمكن أن توجّه إليه تهمة القتل . أنا بريء وأمّي تركت السّجن بعد ولا عداء مع أحد يمكن أن يبلغ الوقوع في حماقة كهذه . الشّرطة مازالت بعد تقتفي ملامح قاتل لا تعرفه . قد يكون سيّد الكوكاكولا هو من فعلها . لعلّه واحد من أولئك الّذين شوّههم عبد الرّحمان العامري لمّا ترك حرفة الملذّذ وانشغل بآخرين مستهدفين من طرف أولياء نعمته أيّام عزّه وجبروته .
( 48 )
( تورّطت في خفايا صفيّة . جمعت عشرات الكتب الدّينيّة والفقهيّة والصّوفيّة وغبت فيها كغريق حتّى أجد لي سبيلا ما ينقّيني ويطهّرني من رجسي لتحاصرني توقّعات سائبة وأوهام لا عهد لي بها وطوّقني صمت بالغ إلى أن تمكّن منّي الخرس وصرت شبيها بصفيّة . ما عدت أنام في غرفة نومي . تركتها لمريم وانعزلت في أخرى نائيّة عند طرف الفيلا وانغمست في التّنكيل بنفسي حتّى ألج مثلها مسالك أخرى تهبني كلّ تجلّيها وصفوها … )

والآن ؟ بعد كلّ تلك السّنوات ؟ من سيحضر عرسي …؟
هل أطلب من ليلى تأجيله حتّى أعثر على أمّي الّتي كانت تتلهّف حصوله ؟ هل أستطيع أن أبعث في جسدي شقيقتيّ حياة أخرى فيحتفلن معي ؟ بدا الحزن وهو يترصّدني كسكّين تجرّح أثرا بعيدا للهفتين حميمتين . تحفر فيّ توقّعات لفرح تأخّر جدّا ولم أقبل عليه إلاّ بعد فوات مرير. ليلى وهي تتأهّب لعرسنا وتعدّ له مستلزماته كانت تتابع في حسرة ما يجوب عينيّ من مواجع لا حصر لها . ظلّت مربكة متردّدة ليومين لكنّها لم تتحمّل ما يحصل معي . باغتتني بعد أن عدت من فيلا مصطفى الضّاوي والكمد يتراءى إبرا مغروزة في وجهي :
– يمكننا أن نؤجّل عرسنا إلى حين . قد تعثر على أمّك بعد أن اتّصلت بتلك الصّحيفة . من يدري ؟ لعلّ فاعل خير يهاتفك ويحدّد مكان إقامتها ؟
– لن أقتل فرحتك كما فعلت مع حليمة وربح وأمّي بعد أن أعددت كلّ ما يلزم . سنجد لنا أهلا وأصدقاء في هذه المدينة يعيشون معنا فرحتنا . لا تنسي الشّيخ وزوجته وأهالي هذه المدينة الّذين صاروا لنا دما يصلنا بهم . قد نخيب مرّة أخرى ولا نلج الفرح . لن نستسلم لهذا الحزن الّذي برّح بنا لسنوات مطوّلة . سنفرح يا ليلى حتّى نطرد هذا الكابوس الّذي ظلّ يتعقّبنا . تكفي أوجاعنا وما حاط بنا من تجنّ بغيض .
– وأمّك الّتي تسيح في عينيك كلّما حطّت عيناي عليك ؟
– قد ألتقي بها ذات يوم . فرحتها ستكون عظيمة وهي تراك معي . لعلّها تحتضن طفلنا وتنسى أنّني غربلت العاصمة حيّا حيّا ولم أعثر عليها .
( 49 )
( صار عامر الوافي رجلا غريبا عنّي …
بدا لي كما لو أنّه يمضي إلى هاوية لا قرار لها . إن لم أنجده سيضيع منّي حتما وينتهي أمره في ذلك الضّيق الّذي تلبّسه وهو يهوّم في خلاء لا رجعة منه . لقد ترك كلّ عاداته فجأة وما عاد يجلس تحت شجرة الزّيتون ويعبّ البّيرّة والنّبيذ كما كان . كلّما عاد إلاّ وحبس نفسه في غرفته وساح في كتبه وغاب تماما . بدأ جسمه يضمر أسبوعا بعد آخر ومال وجهه إلى هزال غريب إلى أن ظهرت عظامه مغلّفة بجهمة شديدة وغارت عيناه وبطؤت حركته . صار يتغيّب عن عمله ويقضي نهاره في ترتيل القرآن والبكاء . إنّها جريرة أمّي ولعنة الأجداد الّتي طاردتنا طويلا وها هي تتمكّن منه أيضا . لعلّ الخلاص في رحيلنا عن هذه المدينة أو برء أمّي من توجّسها الحاقد … ) .

كنت أشعر بالأسى وأنا أنفلت من توجّس ليلى كما كان المال القليل الّذي بحوزتي لا يفي بحاجتها لعرس حافل . ليلى ظلّت تهفو إلى عرس احتفاليّ جدّا في تلك السّاحة الرّحبة الّتي تتوسّط المدينة . تلك السّاحة الّتي غادرت أرضها وقامت هنا فجأة . كانت وشيجتها بها غريبة . كلّما ولجتها إلاّ وفاضت بها وتمنّت لو قام عرسها فيها . كان ذلك خاطرا ثمّ تحوّل إلى حقيقة بعد ذلك . ما تركه لها عامر الوافي كاف لإقامة عشرات الأعراس أين شاءت كما كان المبلغ الّذي رصدته لها شركة التّأمين كبيرا بعد مقتل والديها .
لأيّام مطوّلة وأنا غارق في حرج بالغ . من أين سآتي بكلّ ذلك المال حتّى يكون عرسنا كما اشتهت ؟ فكّرت في المبالغ الطّائلة الّتي تركها عبد الرّحمان العامري في رصيده بعد هلاكه . رفضتها لأنّني أقشعرّ منها . أراها تماما كجيفة انتشرت رائحتها المقرفة في تلك المدينة الخائبة . فكّرت في المال الّذي أودعته حليمة وربح في ذلك البنك منذ سنوات . بدا لي نتنا ولا أقوى على سحبه . تراءى لي أقرب إلى مصير خانق إن أنا تصرّفت فيه . بدا لي كما لو أنّه سبيل لا نهاية له قد يتعقّب أطفالي ويورثهم كلّ ذلك الرّجس الّذي انمحى .
يومها لم أجد بدّا من الحديث إليها :
– يمكننا أن نقيم عرسا بسيطا . لماذا نبدّد مبلغا طائلا ؟ تكفي فرحتنا معا .
– هذا أمري وحلمي الصّغير ولن تمنعني من ارتكابه مهما حاولت .
– لكنّني لا أقوى عليه .
– ما أملكه هو لك . لقد وهبتك عمري قاسم . ألا ترى أنّك تجرحني ؟
– الفرحة لا تتجزّأ . علينا أن نتقاسم ضريبتها معا . كلّ منّا يفيها اكتمالها فتبدو منصفة لكلينا .
– ضريبتك دفعتها باهظة وآن لك أن تستريح الآن . أحلامنا بسيطة ولا نريد ما لا طاقة لنا به .
ظلّت العارم هاجسي وأنا أستعدّ للزّواج . كلّما رنّ الهاتف إلاّ وانطلقت نحوه . بدت لي فرحتي مشروخة لا وشيجة لها بآخرين أحببتهم ونقمت عليهم أيضا . في لحظة حمق تمنّيت لو أقيم عرسي في ذلك الحوش . ستكون روح ربح هناك تحوّم في فضائه وستفيض سعادة لا مثيل لها . ستتخلّص من أوجاعها وهي تغنّي معنا . ستتوهّج روح حليمة وتتطهّر من شروخها وهي تقبل علينا وتبارك عرسنا وتتلهّف لرؤية طفلنا القادم . سيكون عرسا آسرا بين أهلي وأحبّتي . سيأتي ماسحو الأحذيّة من كلّ صوب وسيحتفلون معنا طيلة سبع ليال بتمامها وكمالها . سأحسّ بفرحتي عارمة وأنا أتلقّى التّهاني هناك . سأراها في الوجوه والعيون من حولي . سأدرك كم أنا محبوب ومهمّ بينهم .
هل سترضى ليلى بهذه الهواجس الّتي ما انفكّت تربكني ؟
أكاد أخطو نحوها وأتوسّلها حتّى تتخلّى عن حلم السّاحة . كلّما اقتربت منها إلاّ وتردّدت . قد أجرحها وهي العاشقة لهذه المدينة الصّغيرة كما لو أنّها أمّها مريم الّتي تركتها ورحلت . وأنا أقف قبالتها تلعثمت . لم أجد نطقي وأنا أغيب في زرقة عينيها لحين مربك . بدت لي كحرير شفيف . قد يشرخ وأنا أفيض شوقا لمدينة كرهتها ولا أريد العودة إليها . لحوش عشت فيه مرارات تجرّعتها دفلى . غرقت في وجهي وتوقّعت ما أريد :
– يمكنك أن تستدعي رضا وسليم وكلّ أصدقائك . ما عادوا ماسحي أحذيّة . لقد صاروا كبارا الآن . منهم الأستاذ والمحامي والطّبيب ونادل المقهى . كانوا في حاجة للمال حتّى يوفّروا اللّباس وثمن الكتب . ذلك ماض ولّى فلا تخجل منه .
وغابت لحين كعادتها عنّي . ذلك صار مألوفا لديّ …
( 50 )
( … جذب نفسا عميقة من شجرة الياسمين حذوه والتفت إليّ : ” – ساءت حال الباي جدّا إلى أن أدركه الخبل . ركنوه بعد ذلك في غرفة قصيّة عند أطراف القصر البعيدة وجلس ابن أخيه على العرش لكن اللّعنة لم تنته . ظلّت تطاردهم عاما بعد عام . هذا ما قاله باي آخر أن استلم السّلطة بعد ازدان فراشه بصبيّة بهيّة الطّلعة عاشت في عزّه طويلا إلى أن اختفت من قصره فجأة بعد بلوغ الحنايا شرفات قصره وتدفّق الماء كمعجزة لم يصدّقها . للحكاية أطوار أخرى يا ابنتي . قد تبدو غرابتها أبلغ من هذا لكنّها تظلّ سرّ هذه المدينة ورزقها الأبديّ إلى أن يرث اللّه الأرض وما عليها . هكذا شاءت الصّدفة وهي تهب هذه المدينة حنايا لا يراها إلاّ قلّة ظلّوا على طهرهم وتجلّيهم وعشقهم من سنوات طويلة لهذا التّراب ” . وانساب كعادته في وقاره لتغرق زوجته في بقايا الحكاية … ) .

عدت طفلا . ابتسامة خفيفة تشكّلت على شفتيّ . لماذا لم أنتبه لهذا الأمر ؟ لماذا توقّعت أنّهم لا يمكن أن يغادروا تلك المدينة ؟ أبدو ساذجا وأنا أراها بعيدة عنهم . يمكنهم الحضور إلى هنا مع صناديقهم الخشبيّة الصّغيرة . عليهم أن ينسوا مهنهم الّتي بلغوها . أريدهم كما هم . سأطلب منهم أن يجلبوا تلك البراميل معهم . سنزيل صدءها ونلوّنها وننصبها في ساحة ليلى . ستكون ليلى زوجة ملك ماسحي الأحذيّة الصّغار . ما أجمل أن نعود أطفالا من جديد . ستجلس ليلى حذوي بضفيرتيها طفلة كما عهدتها . سيكون عرسنا عرس أطفال . سنغنّي ونرقص إلى الصّباح . سنملأ هذه المدينة هرجا ومرجا لليال طويلة ولن نتركها تنام . ستكون لنا مقالب عديدة في هذه السّاحة المتراميّة ونحوّلها إلى كرنفال بهيج …
بدت لي السّاحة وأنا أخطو فيها صحبة ليلى ألوانا لا حصر لها . كرنفالا لا آخر له . يقبل من أطرافها البعيدة ويتجمّع في وسطها ويحيط بنا من كلّ جانب . سنغرق في رقصة الفلامنكو حتّى نغيب عن وعينا . سنهيم مع موشّحات أندلسيّة آسرة . سنفيض سحرا مع أغان صوفيّة مربكة . سنرى صليحة مقبلة من أعاليها إلينا . ستغنّي لنا حتّى تبحّ .
يومها كنّا طفلين . توقّعنا ما لا يتوقّع . حلمنا كما اشتهينا . استدرجنا كلّ أمنياتنا الصّغيرة إلينا وسحنا . تركنا سنّ الأربعين خلفنا وانغمسنا في كلّ عبثنا البعيد . لم نهتمّ للعيون الّتي تابعتنا في حيرة من أمرينا . ركضنا في تلك السّاحة طويلا ثمّ عدونا إلى الشّاطئ دون أن نتحرّج أو نخجل من كوننا كبارا ولا يجوز لنا أن نأتي ذلك . كما لو أنّنا نثور على سنواتنا الماضية ونخرج عن أوامر من هم أكبر منّا سنّا . نتخلّص من أثقال بعيدة ونطرحها عنّا ونفكّ تلك الهواجس الّتي أربكتنا دائما ونلقي بها وراءنا .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق