قراءات ودراسات

السرد الفوتوغرافي في قصص نهار حسب الله

بقلم/ كريم عباس ألساعدي

القاص الشاب نهار حسب الله يؤسس لتقنية قص لا نقول أنها تجديد او تحديث في اليات السرد بقدر ما نقول انها بليغة في طريقة الاكتناز والاختصار الحكائي فهو يلتقط لنا صورا من الحياة عن شاكلة سردية جميلة في التصوير والتشبيه والرمزية والحكم في ختام قصصه القصيرة جدا التي ينشرها في الصحف وفي مواقع الانترنت .وهذا المجال السردي الذي يشتغل عليه نهار حسب الله هو التقاط صوري لمثبطات ومقويات الحياة فهو يجوب الحياة كالمصور الذي يجوب الشوارع من اجل التقاط صور مقابل مال ولكن نهار يجوب سرديته المضمخة بالشعرية لكي يلتقط لنا صورة يوقف معها زمن الحياة  عن طريق سردية جميلة يعالج فيها موضوعات شتى مختلفة وبطريقة مختزلة جدا.

فهو يقول في (أمل والشيطان) (أمل صبية عراقية لم تتجاوز ربيعها الثالث عشر.. اكتسح عائلتها شيطان السيارات الملغومة، دهمهم وحول نومهم في ساعات الليل الهادئ الى نوم أزلي خالد، إلا انه ابقاها على قيد الحياة وحيدة في  عالم خرب هرم تكسوه شظايا الدمار اللامنتهي).

هذه الصورة في مخيلتي كم رايت صورة لطفلة تقبع في باب دار مهدم وقد تجمعت الانقاض من حوله ووسائل الاعلام التي راحت تنعى عائلتها التي بددتها هاونات القصف ولان نهار يتحسس ذلك فقد منحنا صورة فوتوغرافية في مدخلية سرديته لقصته هذه .

ويضيف (لكنها وبعد عناء طويل، جمعت أشلاء اخوتها السبع.. جمعتهم كالدمى) ويستمر لتتمة المشهد ويكمل مدخليته السردية بما يلاحق الآني هو ان الفتاة المراهقة بدأت تبحث عن الاشلاء وكأني أراها تمرر قدميها بين الأنقاض لكي تبحث عن أي شيء يخص أخوتها أي شيء يحمل لها بصيص امل ان ثمة احد إخوتها يتحرك انها صورة مأسوية تلتقطها عدسة نهار السردية في قصته هذه وفي قصته (لغة الحوار) (طرح المعلم على تلاميذه مقولة لشخص لم يكن معروفاً لديهم، كان يدعى (جون سكولي) إلا ان حكمته أثارت اهتمام الجميع (أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هو صناعته). يفتح قصته بهذه المقدمة التي يتراءى لقارئها ان ثمة مكانية فيها (صف) يقف فيه معلم ويحاور تلاميذه وهكذا نهار يسرد لنا الصورة بسرديته المعتادة .ويفصح عن حالة الشخصية لحظة التكلم.

ويقول في قصته (زهرة قلب)

(اجتمعت بحبيبها بعد فراق طويل، فراق يحمل في طياته تعابير الحزن والحنين الى الماضي، خصوصاً بعد عمليات الهجرة القسرية التي اجتاحت ذويها.)

ولكي نحول سرديته الى صورة فوتوغرافية مجسمة نشاهد فتاة تجلس مع حبيبها وقد انهكتهم سنوات الفراق في احدى المطاعم او احدى المتنزهات ولكنه هذه المرة يغيب المكان لان ثمة زمانية مسيطرة على الحدث وهذه لفتة رائعة من سارد يعرف كيف يوظف شخوصه داخل قصصه.

وفي قصته (منجز وطني)

(بعد ان هبت بوجهها ريح عاتية، أحكمت الابواب أقفالها تجاهها، وضربت بها امواج البحار بكل قسوة، وتعاون القدر والزمن على تكوين اخطائها.حُكم عليها بقانون التحول من شابة رصينة متكاملة من اكبر عائلات المدينة، إلى انسانة منحدرة تدور حولها الشبهات.)

في قصته هذه يمنح الشخصية بعدا معنويا لا يمكن تحسسه موضوعيا الا بتجميع الشواهد عليه كل تلك الشواهد التي ساقها في النص تمنحنا صورة نهائية عن انسانة منحدرة تدور حولها الشبهات ولكن هل هي كذلك في الاصل؟ ان ثمة من صيرها الى هذه الحالة؟ سرديته في القصة تبين ذلك بوضوح تام جدا .اذ يقول (تاهت ملامحها بين أحضان الرجال وشققهم المفروشة.. انسانة فقدت رأفة وإنسانية المجتمع.. وحولت جسدها المستور المتدفق بالانوثة، الى سلعة رخيصة مستهلكة.. لا يرغب بها إلا المضطر)

وهنا تأخذ القصة بعدا رمزيا اخر يحوله السارد من حالة خاصة الى قضية عامة برمزية عالية يتضح من خلالها مراد السارد في بنية قصته التي يسوقها بسرديه عالية ويضع الرموز التي تكشف عن الدلالة في بنية القصة نفسها .ولكن الصورة الخارجية للبناء تتضح من خلالها فتاة رخيصة تمارس كل شيء بلا خوف وبدء تحرر جسدها يفقدها كرامتها ولكن كرامتها هي وحسب وليس كرامة اخرى .وهكذا تجد لغة السرد عالية وذو عناية لدى القاص الشاب نهار حسب الله وهذا ما جعله يتمتع بقدرة عالية في سوق نهايات قصصه وسردياته الجميلة التي يكتب فيها وطريقته في الاختصار والومضة السردية  التي تمر كضوء الصورة الفوتوغرافية ولكنها محملة بشخوص وزمان وحالة وموضوعة يريد من خلالها القاص ان يوظف سرديته في قصصه المختلفة .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق