ثقافة السرد

طاعة الشيطان

عبد المنعم همت

لم يجلس يوماً على الضفة الاخرى من الحقيقة , فالحياة اصطفاء والموت حقيقة . انتقى قصاصات الفرح ليرسم بها لوحة المجد , لوحة إطارها السلم و فحواها الإنسان المستنير . عرف الأستاذ أن الخير وثبة عالية لا تعرف الانكسار . يقف في كل صباح بابتسامته الواعية على أبواب وقلوب تلاميذه , كان يعلمهم أن الحق تاج على رؤوس البشر , وإن الظلم عيونه مثقوبة بالهوان والهزال . تخرج على يديه دعاة الفضيلة وأثمر زرعه حباً ابديا .
في تلك البلاد المنكوبة بالقهر , لم يصرف المعلم راتبه لخمسة أشهر !! ورغم ذلك يكتبون على عقول الأجيال أن المعلم شمعة تحترق , هذا القول المميت جعل المعلم سلماً خلفياً يستغله أصحاب الأوتاد القذرة , فهم يحرقون الكتاب ليصنعوا به كوباً من القهوة . والحقيقة أن المعلم يضيء ولا يحرق ولا يحترق .
_ “يجب أن نقاوم فالصمت لا يليق , والجراح لا تداوى بالجلوس في الظل ” هكذا كان يقول الأستاذ لزملائه . فالجلوس في الظل يفقدك الأمل وينتقص من ادميتك لتكون مصاباً بالهوان وعقوق الصدق فتصاب بمتلازمة الخوف المهين وانسداد رئة التفاصيل المستنيرة.
-” نحن مشاعل العلم , رواد التغيير , لن نكون أدوات تطبيل ليرقص على جثثنا كل مناع للخير معتد اثيم ” . من قلب التحدي جاء هذا المربي , حامداً ومسطراً بنقائه افقاً جديداَ , وراياً جسوراَ .. ” الغلاء , انعدام الخدمات الطبية , غياب كرامة الإنسان وفوق ذلك انتفاخ كروش المسؤول والطبال ونافخ الكير …” . حمل كل أدوات البناء , وشيد على عروش الظلم سياجاً من لهب , فأصابهم ذلك بالهروب إلى مواقع الادعاء المفضوح , الكذب الرخيصة الذي نسجوه بأنهم يربطون قيم السماء بالأرض , فارتبطوا بقيم الشيطان والذي قال أنه بريء مما يصنعون .
وفي يوم الكرامة , سمع الناس الهتاف , شاهدوا الضوء يخرج من الحناجر ليرتبط بقيم الانسانية , يا الله .. كم كان زاهياً ذلك الشعار المرفوع في كل الأفئدة والأزقة , كم كان مشرقاً البحث عن النور , عن الشمس , عن النهر الجديد . الإيمان بالفرحة الخلاقة , فالفوضى الخلاقة شهب تٌقذف على التحدي فينهزم , الفوضى لن تكون خلاقة وإن توجوها بتاج النصر .
تحرك موكب منسق من فجاج المدينة وجاب الطرقات التي قابلته بالابتسام حيناً , والغناء في كل حين . سار نصير الحق في المقدمة , فهو لم يألف السير في الصفوف الخلفية . هناك , عند من عشقوا الظلام , كان الخوف جبالاً سرمدية , فامتدت يدهم لتأخذ الاستاذ .
-” أنت تتحدانا وتثير الفوضى وتجمع المخربين , أنت …” . انهالوا عليه بالسياط , انتقموا من كل المسام , أحرقوا جسده بالنار , انهالوا عليه بالأحذية الثقيلة , سال الدم أنهارا .
– ” أنا شمعة صغيرة في هذا الوطن , بينما أنتم ورثة الإنكفاء الحقير على الذات ..أنتم من علم إبليس أن يعادي المخلصين , أن يهمس بالشر في كل حين , أنتم ….” , صفعه الضابط المشحون بروح الذل , المتسربل برائحة الموت , فكل الدعوات واللعنات تلاحقه حتى أصبح جسده رماداً وبدون روح .
– ” أنت عميل , ترفع شعارات الكفر , فالحرية كفر ” . ازداد نزيف الجسد ولم تتوقف الروح عن الصمود . الله وحده يعلم فداحة الألم ونقاء القلب ..
– ” الحرية قيمة إنسانية لا يعرفها أمثالكم , الحرية هي الإنسانية , أما أنتم فقد تجاوزتم الكفر ودخلتم في تحدي مع الواحد وصنعتم واحداً جديد .. من الكافر الآن ؟ هل وصلكم نبأ الهرة وصاحبتها التي دخلت النار ؟ “
تعالت ضحكاتهم الساخرة , يعشقون الدم , يشتهون صوت الصراخ في لحظة ضعف الجسد , وتهزهم لحظات صمود الروح .
– ” وماذا فعلت الهرة هل سرقت اللحم من الثلاجة ؟ ” , سال ضابط الأمن , وتعالت ضحكاتهم . نظر الاستاذ من قمة العزة التي يمتطيها إلى الضابط بازدراء فاهتزت دواخله من تلك النظرة وعرف أنه حشرة وضيعة تعيش وسط القاذورات , حدث نفسه عن كبرياء هذا المعلم , تنازع من فرط عقدة النقص التي في داخله .. تذكر الضابط كيف أن والده كان سكيراً يقضي معظم الليل في الحانات وبين ضحكات العاهرات وكان عاطلاً عن العمل .. تذكر تلك العصي الغليظة التي كان يستخدمها والده ليضرب والدته فيسبب له الأذى الجسدي والروحي فتقضي يومها بين البكاء وتناول المسكنات حتى يخف الالم .. تذكر كيف أن أمه فقدت عقلها بسبب الضرب .. ظهرت أمامه صورة والده وهو ميت بسبب مشاجرة . مر أمامه شريط طويل عن الغمز الطاعن في نسبه لوالده . لن ينسى عندما كان طفلاً تشاجر مع أحد أقرانه والذي عايره بوالده العربيد وأمه البغية , تلك العبارات كان يرددها معظم سكان الحي . أكثر من مرة سمع الآباء والامهات يحذرون أولادهم منه وينعتونه بولد العسكري .
– ” فلندخل في دبره هذا الجسم الصلب ” , صاح الضابط بأعلى صوته كأنه يقول وجدتها وجدتها . وجدت تلك الآلة التي ستضمد جراحي , سأدخلها في دبر كل الرجال الذين إستباحوا أمي , لأنتقم من أبي الذي لا أعرفه , ربما يقع في يدي واذيقه عذاب ال… , انقطع تفكيره بفعل صوت التهليل والتكبير الذي ينعق به عاشقي الدماء ودعوا الله أن يتقبل منهم هذا العمل الخالص لوجهه !!.. آه من تلك المصاحف التي تزين ذلك المكتب , وسجادة الصلاة ذات اللون الأخضر , وتلك المسبحة الابنوسية الموضوعة على الطاولة .
تصاعد الألم , جحظت عينا المربي , تمزقت أحشائه .. فقال كلمته الأخيرة ” أنا المعلم لا كذب , أنا المعلم لا كذب ” . وفي تلك اللحظة أقاموا الصلاة و اصطفوا فلقد كان إبليس ينتظر منهم ركعتي الشكر فطاعة ولي الأمر واجبة .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

3 آراء على “طاعة الشيطان”

  1. صح لسانك و بيض الله وجهك يا استاذ. ربنا يحفظ السودان الحبيب و اهل السودان✌🇸🇩

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق