حوارات هامة

الروائي صبحي فحماوي: أعتقد أن الجوائز لا تصل بالضرورة إلى الكاتب المبدع المستحق

صبحي فحماوي مهندس وروائي وقاص وناقد ومسرحي، صدر له وعنه حتى الآن ثلاثة وثلاثون كتاباً، منها عشر روايات ، وثماني كتب قصص، وسبع مسرحيات ومشاهد مسرحية، وكتابا نقد، وكُتِب عنه تسع كتب نقدية. بادرته بالأسئلة التالية، فأجاب:

لماذا تكتب؟
• أكتب للتعبير عن نفسي بما أفكر فيه ..ولأنقل ما في عقلي من أفكار وإبداعات إلى عقول القراء في الوطن العربي، وإلى قراء العالم ما أمكن. أكتب لأجعل النائم يصحو، والصاحي يقفز، والضاحك يبكي والباكي يضحك، تحت مفهوم؛ “شر البلية ما يُضحك”..أكتب لأسلط الضوء على الزوايا المعتمة التي لا يراها سائر القراء، فيتثقفون..أكتب لأُمتِّع القراء بلذة النص..لأسليهم فأجعلهم ينسون أهلهم وهم يقرأون رواياتي أو سائر كتبي.. لأُعرِّف القراء على دروب لم يعرفوها، وأصور لهم صوراً متحركة لم يروها من قبل.. لأواسي الثكلى وأسعف الجرحى من جروحهم وأقول لهم: “كل الوطن العربي مجروح..وعلينا أن نقاوم لنعيش..” أكتب لأرسل رسالة إلى حبيبتي، فأغزل معها خيطاً من رحيق الزهور الذي يصنع النحل منه العسل..أكتب لأتذكر الذي مضى..أكتب لأتعرف على الذي سأكتب عنه، لأنني لا أعرف ماذا سأكتب إلا بعد أن أكتبه.. أكتب لأنزل الأحمال عن ظهري فأرتاح قليلاً..أكتب لأصرخ بشدة، فشدة الصراخ تخفف عن جسدي الوجع..أكتب لأتساءل : “لماذا”.. لأفجر الأسئلة التي تفتح كوة في جدار الصمت والجهل والنسيان…أكتب لأطرب أهل الحي، رغم أنني ألاحظ جزئياً أن “أرغول الحي لا يُطرِب.”..أكتب لأُسطِّر عبارة جديدة بعد نقطة السطر الأخير..أكتب صارخاً في وجوه الناس أن اسعفوا الطبيعة والبيئة المتهاوية جمالياتها تحت ضربات إنسان قاتل مدمر، لا يعرف قيمة جماليات الأرض إلا بعد كارثة ديناصورية محتملة..أكتب لتصوير الطبيعة الجميلة وإغراء القراء على رفض الأراجيل والتدخين الذي يسد حلوقهم ، واستبدالها بالتنزه والتأمل لمشاهدة الزهور والنباتات والحدائق الغناء.

بعض القراء يقولون أنك في كتاباتك تكره المرأة، وبعضهم يقولون إنك تصور تفاصيل جنسية غير محتشمة..فما رأيك بهذا وذاك؟
• بالعكس، أجدني أومن بإعطاء المرأة حريتها كاملة غير منقوصة، وذلك في التربية والتعليم والعمل والميراث، مثل حرية الرجل، على أن تقوم المرأة بجهد إنساني واجتماعي ومهني وعملي مكافيء لجهد الرجل…وأنه لا داعي للزواج الذي يعقبه طلاق..حيث أن نسبة الطلاق في كثير من المجتمعات العربية تفوق 45% من حالات الزواج…وعدم الزواج أولى من طلاق الزواج..ذلك لأن الطلاق يجلب مشاكل أسرية نفسية ومادية وخلقية لا حصر لها.وجاء أحدث نقد لروايتي سروال بلقيس من حيفا كتبه حسن عبادي أن صبحي فحماوي نصير المرأة.
وأما عن التفاصيل الجنسية غير المحتشمة ، فأنا لست كاتب إغراء..ولكنني أوظف الجنس في موقعه ليعطي الانطباع الإنساني المطلوب..وهي بصمات ضبابية غير فاضحة..ولكنها ضرورية لتصوير الموقف..ثم لا تنسى أن هناك جهاز تناسلي عند الرجل والمرأة، تماما مثل الجهاز الهضمي.. يجب أن نحترمه ونوليه بعض اهتمامنا.

هل أنت روائي متخصص في الأدب الساخر؟
– لا أعتقد أنني كاتب ساخر متخصص، ولكن السخرية لدي تنبع من شدة اعتصار الألم، أو من عدم القبول بموقف مرفوض أو مستهجن. وكما قال أ. د. جورج جحا من الجامعة الأمريكية في بيروت، لوكالة (رويترز) حول روايتي (حرمتان ومحرم): “إن صبحي فحماوي يكتب باسلوب مميز من حيث الظرف، وبطريقة قد يصح في وصفها بإنها “قهبكة” أي “القهقهة ببكاء”. وهو يبكينا إضحاكا على مآسينا “العربية” ، فيجعلنا نكتشف أحيانا أن بعض أُمورنا الصغيرة مفجعة كالكبيرة. والسخرية لديه تنصب على كثير من أمور الحياة اليومية، فيأتي ما يقوله مزيجا من الواقع اليومي والألم والخيبات، وقد “يتلاعب” الكاتب بظُرف وسخرية بكثير من الأفكار والمقولات، وكتابته تتمتع دائما بجاذبية أكيدة تشد القارىء، فتبقيه بين حالين مؤلمين من الضحك والبكاء. فتجده يقول بسخرية مؤلمة هي مزيج من المناقضات أحيانا: “في معسكر الحصار تقبع منجرة أبو ريالة وبقالة “غظب” ومستودع البطل لمواد الحديد، ومن هناك مستودع الفار للبلاط، ومحل البان الثور، ومغسلة السلطة للسيارات، وإلى جوارها محل بناشر العذراء، ومطعم “إذا خلص الفول أنا مش مسؤول!” وبهذا الأسلوب الساخر من ألبان الثور. فهل يحلب الثور الحليب لتصنع منه الألبان؟
ولا أعرف لماذا تكون كتابتي الأدبية ساخرة، فقد يكون طابعي هكذا ساخراً، تماماً كما يكون صوت شخص ما خشناً غليظاً، وصوت آخر رقيقاً ناعما، أو يكون أحدهم متوتراً في حياته، بينما يكون الآخر هادئاً لا يغضب، وقد أكون أعبِّر عن غضبي ورفضي لهذا الواقع المرير الذي يعيشه الإنسان العربي وذلك بالسخرية من تصرفات الغالبين، وتحايل المغلوبين من أجل البقاء، مجرد البقاء..فقد يقوم المغلوب على أمره بالترويح عن حرارة غُلبه، وذلك بالسخرية من الغالب..فهو بذلك يقزمه ويتطاول عليه، ثم يتجاوزه نفسياً، رغم بقائه مزروعاً في طين الشقاء والمعاناة، إلا أنه يحاول التملص منها وذلك بالسخرية. وقد تكون شخصياتي الساخرة تنهل من معين حنظلة صاحب ناجي العلي، الذي يدير ظهره للحياة عاقداً يديه خلفه، وكأنه يتفرج عليها ويقول: “عجبي!” ولكن شخصياتي لا تدير ظهرها للموقف، بل تواجهه بسخريتها محاولة التغلب عليه.

ماذا عن جوائز الأدب، وهل تعتبرها إيجابية، إذ تبرز بعض الكتاب وتدعمهم مالياً وتشجعهم على الكتابة، أم تعتبرها سلبية إذ قد لا تعطى بالضرورة إلى الكاتب الأفضل؟
• أنت ربما تقول لأولادك: “إذا سمعتم الكلام، فسوف أعطي المطيع منكم هدية جائزة.” وبعد خبرتي الطويلة نسبيا بالجوائز، العربية منها خاصة، أعتقد أن من يستلم الجائزة هو الذي يسمع الكلام..صرت أشعر أن بعض الجوائز تهدف إلى قولبة النصوص الأدبية خاصة الروائية منها، إذ أن الرواية اليوم هي “ديوان العرب” فبذلك يكون الروائي حذراً من كتابة ما يزعج توجُّه الجهات المانحة، والتي هي أصلا لا تمنح الجوائز بصفتها “تكية”، بل تدفع لتؤثر في تطويع الكاتب ليكتب ما لا يعارض نهجها ..
وعند لقائي برئيس تحرير أكبر مؤسسة ثقافية عربية قلت له: لماذا لا ترسلون رواياتكم للجوائز؟ فقال بالحرف الواحد: “نحن لا نحصل على الجوائز.” ومثله قال لي رئيس شركة طباعة ونشر من أشهر الدور في بيروت أنه لا يرسل رواياتهم للجوائز، لأن الجوائز موجهة..أو انتقائية..ولا داعي للتفصيل.  هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تجد أن بعض النقاد -ولا أعمم- ، مزاجيون في منح هذا الروائي، أو الحجب عن ذاك، وهذا المزاج قد يخضع للفئوية، أو الجهوية ، أو الفكرية، وأحيانا للمصلحة الشخصية..وفسر المصلحة الشخصية كما تشاء. ثم إن بعض الكتاب يتفننون في استحلاب بعض الجهات صانعة القرار في منح الجوائز..فتجد البعض؛ امرأة أو رجل ، متخصص في (اصطياد الجوائز)، ومستعد لبذل الغالي والنفيس في سبيل الحصول على الجائزة، ولا يمانع في استخدام مختلف الأساليب لتحقيق الجائزة. وبالفعل يحصلون عليها.. وإلا فكيف تجد بعض الكتاب هم، هم، دائما على الصفحة الأولى في سوق الجوائز؟ وقد تختلف دولة عربية مع دولة عربية أخرى، فقد تعطى الجائزة للكاتب الذي يعارض سياسة دولته.. ورغم أن جميع الجهات المانحة للجوائز تقول أنها لا تميز في منحها الجوائز، بين يمين ويسار.. فأنا أعتقد غير جازم أن الجوائز لا تصل بالضرورة إلى الكاتب المبدع المستحق.

ماذا عن المؤتمر الدولي الثالث للرواية العربية في جامعة شعيب الدكالي في المغرب، وكيف جاء متخصصاً، تحت عنوان (دورة صبحي فحماوي)
• سبق وأن شاركت في المؤتمر الثاني للرواية في الجامعة نفسها، فقدمت ورقتي بحضور رئيس المؤتمر، الأستاذ الدكتور عز العرب إدريسي أزمي، الذي بعد يومين طلب مني أن أقدم محاضرة عن الرواية العربية، لوفد أوكراني زائر من طلبة ماجستير ودكتوراه..فقدمتها بحضوره ومراقبته الحثيثة، وفي اليوم الأخير من المؤتمر قال لي إن لجنة المؤتمر ، بعد أن قرأ كل منهم رواية من رواياتك العشر، قرروا أن يكون المؤتمر الثالث بعنوان(دورة الروائي صبحي فحماوي) .. وخلال سنة التحضير للمؤتمر، الذي سيعقد في 15-4-2019- قال لي الرئيس أنهم تلقوا عدة دراسات مقدمة للمؤتمر لروائيين آخرين، ولكنهم رفضوها، وأصروا أن يكون المؤتمر متخصصا برواياتك. شكرا قلت له.. ذهلت لهذا الكرم المغربي الذي لم أحصل عليه حتى في بلدي الأردن، الذي عشقته وزرعت فيه أكثر من مليون شجرة، ناهيك عن الشجيرات والأزهار.

ما هي الرواية الحادية عشرة التي تكتبها هذه الأيام؟
• أبتعد كثيرا عن كتابة رواية تسرد حادثاً ما، مثل ذاك الروائي الذي كتب رواية عن الطبيب النسائي الفلسطيني الذي يجري العمليات للنساء الإسرائيليات، قائلاً إن العلم لا يعرف وطناً.. ولكنه فوجيء في الاعتداء الإسرائيلي على غزة عام 2009، بأن جيش العدوان قتل بناته الثلاث إضافة إلى ابنة شقيقه دفعة واحدة. مفارقة مذهلة…ولكنني أرى أن الروائي ليس مؤرخاً بقدر ما هو كاتب خيال متأثر بالواقع ومؤثر فيه.
أما وقد كُشِفت أسرار الربيع العربي، فإنني أجد نفسي مضطراً لكتابة ما يوحى به الجن الذي يركب رأسي ويدعوني للكتابة في موضوع لم أكن أفكر فيه..أجده يملي عليّ ما يريد، فأكتشف أنني قد عرفت ما لم أكن أعرف..نعم أحاول أن أكتب رواية حداثية عن الربيع العربي، يمتزج فيها الخيال مع اللامعقول مع التاريخ مع الواقع المعاش.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق