قراءات ودراسات

قراءة في تجربة سمير قسيمي الروائية: وسؤال الوجود

تمثّل تجربة سمير قسيمي الرّوائية واحدة من تجارب كتّاب الرواية الجزائرية المعاصرة المتميّزة ،سواء من حيث غزارة المادّة الروائية أو من ناحية خصوصية هذه التّجربة التي وجدت لها مكانا محترما في الوسط الأدبي والنّقدي وحظيت باحتفاء عربي أيضا في مناسبات عدّة .

والمتأمّل في هذه التّجربة ،يلاحظ جنوح الكاتب إلى توظيف المقولات الفلسفية المرتبطة بأسئلة ذات طابع ميتافيزيقي وجودي ، مثل سؤال الموت والوجود والمصير وما إلى ذلك، مما نعتبره من الأسئلة الجديدة على مستوى النصّ الروائي الجزائري المكتوب باللغة العربيّة ،ذلك لأنّ الرّواية الجزائرية العربية ارتبطت أسئلتها في فترة التّأسيس ،كما هو معروف بأسئلة عابرة ، بعضها نتاج الخطاب السّائد المهيمن ، بينما تناست أسئلة الإنسان العميقة ، تلك التي وقفت عليها الرواية العالمية ثم بعدها الرّواية العربية مبكّرا .

ظهر هذا الهاجس ،قاسما مشتركا بين أسماء مختلفة من جيل “الشباب” ، ومنهم، بشكل خاصّ، بشير مفتي وسمير قسيمي .

ترتكز اهتمامات الرّوائي سمير قسيمي في أعماله الصادرة إلى حد اليوم على أسئلة الكينونة والوجود والميتافيزيقا ،أي أنّه يفتح باب السؤال عن الغائب في الكتابة الرّوائية الجزائرية المعاصرة ، وهو ما وجدناه حقيقة ماثلة في روايته :” حبّ في خريف مائل” وهي رواية تراجع فكرة الزمان وأثاره على الفرد وإمكانية تفسير بعض التيمات في العالم مثل : الموت ، الحبّ، الجنس ، الدين والله وغيرها من القضايا ذات الطابع الفلسفي الميتافيزيقي .

وانطلاقا من أنَّ اللغة شعر ،كما يقول مارتن هايدغر ،فإنّ اهتمامنا يتركّز على تحليل اللغة بما هي مجموعة من الإشارات التي تكشف عن أبعاد دلالية معيّنة ،وقبل ذلك لا بدَّ من الوقوف على طبقات هذا النص الروائي وما يتضمّنه من أفكار ،تعتبر ،في رأينا جديدة في الأدب الروائي الجزائري .

تجري أحداث رواية (حبّ في خريف مائل ) في أماكن مكرّرة ، وتتمتّع هذه الفضاءات بطابعها الشعبي العام ، أي أنّها مسكونة بما قد نسميه بالمهمل والهامشي الاجتماعي ، تشكّل شوارع العاصمة الوسطى (الجزائر الوسطى) ومناطق مختلفة مثل الحراش وبومرداس البؤرة المكانية التي تتقاطع فيها الشّخصيات ،بما يجعل منها مركزا مهمّا .

يتفاجأ المتلقي عندما يجد نفسه أمام نص حواري ،بين عجوزين بلغا مشارف العمر ، كلاهما مشغولان بأسئلة الوجود والعدم ، الحياة والموت ، الحبّ والجنس ..

تنقسم الرواية من الناحية النصية إلى ثلاثة أقسام ، وقبل ذلك يبدأ النص في التشكّل : يصحو الرجل النّائم على وقع حلم مزعج ، فقد كان أحد ما يحدّق فيه وهو نائم ولا شك في أنّها إشارة إلى الموت ،ينصرف الرجل في الصباح إلى عيادة الطبيب ثم يجلس وحيدا في حديقة خميستي وهنا تبدأ علاقته بشخصية قاسم أمير، حيث يظهر التّشابه كبيرا بين الشّخصيتين من خلال ما يجده القارئ من تكامل في كلامهما الأول هو نور الدين بوخالفة، من عين الطير طبيب أسنان ،مريض نفسيا ،يعاني الكآبة باستمرار ،قصير ،بدين ،تلازمه فكرة الانتحار منذ زهاء عشرين سنة ، لكنّه لم ينتحر ، بقي ينتظر الموت ففقط بعد وفاة زوجته

عبد الله طرشي : صديق قاسم أمير ،عاش حياته في براغ مع فلسطينية وله مكتبة بها عشرون ألف كتاب ، فهو قارئ متمرّس ،يسافر إلى الهند بحثا عن الحقيقة ، لكنّه لا يجد شيئا ، تبرز شخصية عبد الله شرطي بوصفها شخصية قلقة نزاعة إلى البحث عن الحقيقة ، لذلك فإنّ خطواتها في محاولة الإجابة عن أسئلة لا جواب لها تتحوّل إلى مجال للطرح والمناقشة بين كل من عبد الله بوخالفة وقاسم أمير ، لأنّ كليهما يعاني إشكالا في الوجود ولذلك كل واحد منهما يجد ذاته في أشكال أخرى من الحياة ، فقاسم أمير ينغمس في اللذّة ، كأنّها محاولة لاستعادة شباب مضى ، أو سدّا لفراغ في نفسه بقي محفورا فيه وهكذا يتعرف إلى بعض النساء ولكنّهن لا يشكّلن بالنسبة إليه إلا ممرّات باهتة في الحياة.

أمّا نور الدين فميّال إلى الحبّ غير الإيروسي ، وهو في رأيه أنّ الإنسان عاجز عن إدراك كنهه ولذلك سيرحل دون أن يعرف شيئا عن العالم الذي يشغله .

تثار في الرواية جملة من الموضوعات ذات الطابع الميتافيزيقي والفلسفي ونستطيع أن نذكرها متسلسلة حسب ورودها في نص الرواية على النّحو الآتي:

-موضوعة الموت (مرتبطة بسنّ السارد نور الدين وقاسم أمير)

– موضوعة الله وهي ذات ارتباط قويّ بالموت والمعاد والقدر والأفعال وغير ذلك (تجسّدت في شخصية عبد الله طرشي)

– موضوعة الحبّ والجنس والمرأة وهي قضايا ثلاث يمكن اعتبارها موضوعا واحدا نظرا للتداخل الكبير الموجود بينها ، حيث يثار نقاش كبير حول :ماهية الحبّ ومدى ارتباطه بالجنس وحقيقة المرأة وقيمتها الوجودية للرجل وهكذا فإنّ الأفعال التي حدثت في ماضي الشّخصيات تشكّل مهادا للجدل والنّقاش الحيّ بين الشّخصيات .

ستسعى مقاربتنا للرواية على اجتناب المقابلة بين النص والمرجع ،انطلاقا من يقين لدينا هي أنّ الكتابة لا ترتبط بالعالم إلا من زاوية إعادة تركيب أو تخييل ، فالكلام الأدبي الوحيد الذي ينأى عن مقولة الصدق والكذب .

المظهر اللفظي : الصيغة ، الزّمن

تحدّد الصيغة بكونها طريقة نقل الأحداث ، الشكل النحوي والتي حدّدها تزفتان تودوروف في الأسلوب المباشر والخطاب المنقول والأسلوب غير المباشر أو الخطاب المحكي (3)وهي مرتبطة أحيانا بالنّشاط والفعل أو المادة والخصائص ونلاحظ أنّ رواية ” حبّ في خريف مائل ” يعجّ بالإحداث ويمكن أن نلاحظ على مستوى الأحداث نوعين من الصيغ :

-الأسلوب المباشر : ويأتي في مواقع مختلفة من أجزاء الرواية ، غالبا من ما يبدأ السّارد الضمني او الشخصية المشاركة في الأحداث سرد الحدث الذي ياخذ في التعدد والتناسل إلى أن يخرج عن النواة الحكائية الأولى .

في بداية الرواية يتحدّث السارد الشخصية (نور الدين)، بادئا بتعيين ووصف الحلم السيئ الذي استيقظ على اثره مفزوعا ،ويضع المتلقّي أمام مجموعة من الأوصاف : شيخ في الخامسة والثمانين من عمره ،يعاني من التعب بسبب البدانة ، الخيبة من الموت لا لشيء سوى لكون “بقائي على هذه الأرض لم يعد يعني لي أكثر من بقائي فيها “(4) كما جاء في ثنايا السّرد ، يحيل السارد القارئ على معالم الواقع انطلاقا من التنقلات التي قام بها قاسم أمير وهو ينزل من البيت إلى الحديقة وما تخلل تلك المدة من متطلّبات استعداده للخروج

تعتبر نقطة التقاء نور الدين بوخالفة بقاسم أمير فارقة في أحداث الرواية لأنّها انبنت أصلا عليه : يكتشف في المقابل شخصا بالمصادفة ،يحبّ الله والنّساء والسيارات ، مولع بالقراءة

ينتقل طرف الحديث إلى قاسم أمير الذي يتحدّث كراوٍ مستقل عن حياته ومغامراته وعشقه للبنى المرأة التي التقاها في قطار الثنية خلال الصفحات الأولى من الرواية نكتشف شيخين (شخصيتين ) يتحاوران إلى نهاية الرواية وخلال النصّ كله تطرح قضايا حسّاسة وهي : مسألة الموت والمصير ، فكرة الله وطريق إثبات حقيقته ، سلطة الدين ،وتمثّل شخصية عبد الله طرشي واسطة العقد لأنّها فعلا تعكس هاجسا ميتافيزيقيا مشتركا .

الأسلوب غير المباشر : ويظهر بشكل خاص فيما يحيل إليه الخطاب ،أو فيما ترويه الشّخصية عن الشّخصية ،أي مجموع الصور التي تنقلها الشّخصيات عن بعضها أو فيما ينقله الخطاب المنقول من قبل السّارد عن الشّخصية ،وهنا يجد المتلقّي مجالا كبيرا للخروج بعدّة استنتاجات لا يصرّح بها النصّ الروائي ولكن من السّهل الوقوع عليها والتعرّف إليها وفق هذه الرؤية ،وعلى ضوء ذلك يمكننا أن نفرّع أنواع الصفات إلى صفات متصلة بالجسد (التعب ، المرض، الإغراء، الجنس…) وصفات متصلة بالأخلاق والرّوح (مسائل الوجود والموت والميعاد والإيمان والكفر والدين والشّعور بالحبّ..) ولعلّ الجانب الثّاني كان مسيطرا وموجّها لمسار الرّواية خاصّة بعد ظهور شخصية إشكالية هي شخصية عبد الله طرشي .

إجمالا ً ،نلاحظ في هذا المستوى أن الأخبار والأحداث لا يمكن أن يتعرّف إليها القارئ إلا بعد أن يتولّى الشّخصية / السّارد إيرادها وهي خاصيّة مائزة للنص الرّوائي ، كونه لا يفتح المجال لاستباقية القارئ ،إذ تبقى الرّواية متمنّعة ، غير مكشوفة في بنائها ، حتى يتمّ نور الدين وقاسم حوارهما الطويل وهنا لا بدّ من الإشارة إلى بنية تقاطبية فارقة بين

مستوى الخطاب التخيّلي ومستوى العالم المرجعي (أي ما يمكن موازاته بواقع النص الرّوائي ).

مستوى التلفّظ: الصوت

في الرّواية هناك فئتان من الأصوات : الأصوات الرجالية وهي ثلاثة (نور الدين بوخالفة وقاسم أمير وعبد الله طرشي ) والأصوات النسائية (لبنى وجميلة ) ولكنّ الأصوات الرجالية أكثر حضورا في الرواية ،بينما لا تشكل نسبة الأصوات النسائية سوى شيء يسير جدا ، وذلك على اعتباّر أن النص مبنيّ على الحوار العقلاني الفلسفي الآخذ في التطوّر والنّماء كلما تقدّم خيط السّرد ولكن واقع الحال لا نجد اختلافا على مستوى أسلوب التلفّظ فهناك لغة واحدة وهي لغة السّارد ولكنّنا نجد مجموعة من الخصائص الصوتية المائزة ومنها بشكل خاص : كثرة الحوار وتناميه ، كثرة الاستطرادات والتكرار المرتبطة بموضوعات مهيمنة(الموت ، المرأة ، الجنس ..) ،استعمال صيغ التصديق والقول مثل : قلتُ، صدقتَ… وهي شديدة الارتباط بالخطاب الحجاجي ،كاشفة عن المعطى الدلالي الذي يختفي في النصّ .

أمّا الرؤية التي ينقل لنا بها الساردان الأحداث ، نلاحظ أنّها رؤية تقوم على التداخل أي أنّ السّرد يورد كلّ رؤية على حدة محاولا تقديمها ،جامعا بين ما تقدّمه الشّخصية نفسها عن الأحداث وبين ما يقدّمه الآخرون عنها وهي جزء من الأحداث المحكية ، عادة ما يتحكّم طابع الجزئية والتلميح في سرد الأحداث ،فالجمل المتتالية التي تقوم بوظيفة الرؤية السردية لا تضع أمام المتلقّي كل الصورة جاهزة ، بل نجد أنّ الرؤيات المختلفة تتطوّر وتتّضح طبيعتها مع تنامي النص الروائي ومشارفته لذروته .

ومهما يكن الحال فمن اليسير التنويه إلى تقارب الرؤية ،أي موقف الشّخصيات من الأحداث نفسها : فهناك طابع السّخرية من “الأفعال ” كونها سالبة لحرية الإنسان ، ثمّ طابع العبث الذي يربط الأحداث فيما بعضها ، فنور الدين يتعرّف على قاسم بطريق الصدفة وعبد الله طرشي أيضا شخصية تدخل عالم قاسم بطريق المصادفة ،كما أنّ جميلة ولبنى ..تربطهما المصادفة فقط ،كما أنّ تطوّر الوقائع والأحداث تتحكّم فيه المصادفة لا أقلَّ ولا أكثر ،وهكذا يمكن تفسير طابع النّهاية التي اختارها المؤلّف للنص ،عبثية الأقدار أمام سلطة الوجود والفناء ،فلاشيء يمكن أن يخلّص المرء من الحيرة ، إنّما يخفّف فقط من وطأة الألم والشّرود كما هو الحبّ مثلا .

بدت الشّخصيات مرتبطة بحركية الزّمن ،فالشّخصيتان (الساردتان) في خريف العمر ، تنتظران الموت ، وتغوصان حينا آخر في ملذّات الحياة ،كأيّ إنسان شعر بأنّه لم يمتلئ قلبه من الدنيا ،فيريد في أواخر العمر أن يستدرك كلّ مافاته من أطايب العيش ، ونلاحظ أنّ ” الزّمن ” يتحوّل إلى موضوعة هامّة في بنية الرواية . فنور الدين لا يعبأ بالحياة ويتمنّى مفارقتها على عجل ولكنّ الموت الذي ظلّ ينتظره عشرين عاما لا يأتيه ،ممّا يشكّل بالنّسبة إليه هاجسا مؤرقا :لماذا لا أموت ؟ لماذا لا تأتي الموت ؟ متى يحين الأجل ؟ ثمّ من جهة أخرى –وهذا ما كشفه فيه قاسم أمير – لا يستطيع أن ينتحر ويتجنّب كلّ ما قد يؤذي صحّته .أمَّا قاسم فإنّ رأيه واضح في الوجود وهو أنّ الإنسان لن يجد شيئا بعد الموت وأنّه يجب عليه أن ينهمك في العالم قبل أن تأخذه الموتُ إلى غير رجعة .

على مستوى الخطاب بدت الرواية مشكّلة من زمن خطاب يمتدّ على نحو ما زمن التعدّدية السياسية ، أي في فترة التسعينيات بدليل الإشارة إلى التجمهر والتظاهر في بعض المواقع في النصّ ولكنّ أحداث الرواية لا تأخذ فترات زمنية كبيرة فهي مرتبطة بسنّ نور الدين (85سنة) حيث لا تدون قصّته مع قاسم سوى سنة واحدة فقط ،ومن هنا فإنّ الرّواية لا تغطّي زمنا طويلا ،حيث شكّلت الاسترجاعات التي تذكرها الشّخصيات المتكلّة (الساردة) أساس البناء الزّمني .

ويرجع ذلك إلى تقدّمها في السنّ ،فمن البديهي أنّها ترجع إلى ماضيها ، تحكي نتفا منه بغية وضع المتلقّي في الصورة الصحيحة ، ولعلّها تقنية مفيدة اتّبعها الكاتب نفسه لكي يتجنّب السرد المباشر لما يمكن أن يكون توصيفا للشّخصية الروائية ، على النّحو الذي نجده في الروايات الواقعية الكلاسيكية ذات الطابع الخطّي ، أمّا الخاصيّة الأخرى المميّزة للطابع الزّمني فنجدها متمثّلة في الوقفة التي تكثر بشكل كبير في مواقع الحوار المتعدّدة ،حيث لا تخلو صفحة منه ،وهو ما جعل حركية الزمن بطيئة ، وهو أمر عائد لطبيعة زمن الخطاب الروائي نفسه ، كما نجد الاستباقات وهي عبارة عن مفردات تحيل إلى ما يصير عليه الحدث الروائي ،بالرغم من أنّ الروائي خيّب أفق انتظار القارئ في الأخير ،فقد كان نور الدين معنيا بالموت غير أن الذي مات هو قاسم وعبد الله وليس هو مما يكشف عن حيلة كتابية قام بها المؤلّف ، ومن جهة أخرى يكشف هذا البناء الزّمني عن عبثية الموت والحياة ، فنحن نعيش يوم نرغب في الموت ونموت يوم نرغب في الموت وهي المفارقة التي تميّز بنية الخطاب الرّوائي كلّه .

وعلى مستوى الفضاء لا يقف الروائي على أمكنة قارّة ،إذ لا يعتبر البيت، وهو مكان الألفة والقيم كما ذهب إلى ذلك غاستون بشلار(5)، إلا مكانا للفزع ومهربا أو منفى للموت بحسب ما نرى ذلك عند نور الدين الذي يتقفى الموت ولا يجده ، بينما ينتقل قاسم من بيت إلى ماخور إلى فندق وهكذا وهو ما يكشف عن الطابع النفسي غير المستقرّ للشخصية ، ومثل ذلك يقال عن شخصية عبد الله طرشي الذي ينتقل من الجزائر إلى براغ ثمّ يسافر إلى الهند بحثا عن أجوبة لأسئلة ميتافيزيقية تتعلّق بـ”الحقيقة” ، كما أنّ الأماكن الأخرى التي تتردّد عليها الشّخصيات ذات طابع مشحون بالقلق : المواخير والحانات والمقاهي والأماكن المنعزلة (حديقة خميستي) ذلك لان الفضاء الروائي :”مثل المكوّنات الأخرى للسرد ،لا يوجد إلا من خلال اللغة ،فهو فضاء لفظي بامتياز ، ويختلف عن الفضاءات الخاصة بالسينما والمسرح أي عن كل الأماكن التي ندركها بالبصر أو السمع ،إنّه فضاء لا يوجد إلا من خلال الكلمات المطبوعة في الكتاب ولذلك فهو يتشكّل كموضوع للفكر الذي يخلقه الروائي بجميع أجزائه ويحمّله طابعا مطابقا لطبيعة الفنون الجميلة ولمبدإ المكان نفسه “(6) ونستطيع انطلاقا من هذا أن ننظر إلى الفضاء باعتباره حمّالا لكلّ المشاعر والتصوّرات المكانية التي تستطيع اللغة التعبير عنها ، لقد درس الشّعريون المكان باعتباره أحد العناصر الفاعلة في المغامرة الروائية وليس مجرّد محدّد ،ولذلك يصبح الفضاء ضروريا للسّرد ،لكي ينمو ويتطوّر كعالم مغلق ومكتف بذاته .

تحتاج الرواية أو القصة إلى نقطة انطلاق في الزّمن ونقطة إدماج في المكان ،أو على الأقل يجب أن تعلن عن أصلها الزّماني والمكاني(7)

بهذا يمكن التعامل مع المكوّنات السّردية باعتبارها عنصرا واحدا ، تتداعى أجزاؤه الأخرى من أجل مساعدة الرواية على التعبير عن منطلقاتها الأدبية والفكرية المتعدّدة .

لقد رأينا في نص سمير قسيمي هذا التداخل والتواشج الدلالي بين البنية الزّمنية والمكانية والشّخصيات ، وهو مسار اقتضاه منطق الحكي وكان كاشفا عن المعنى ، مقرّبا النص من قارئه ، ودون الإيغال الكبير في نظرية المكان إن صحّ الكلام ،فإنّ الأمكنة تتحوّل بحسب بعض الدارسين إلى علامات تدل على الشّخصيات وتعرّف بها للقارئ (8)

مستوى التقاطب المكاني:

تقوم الرّواية على بنية تقاطبية واضحة من خلال تعمّد الكاتب توجيه شخصياته إلى أمكنة متقابلة : البيت ، الحي، العمارة ، الحديقة ، براغ، العاصمة ، الحانة ، الماخور ، الهند ، النّهر المقدّس ، الريف-المدينة ، الثنية –بومرداس ، المطاعم ، النّزل

وما يمكن ملاحظته هنا هو سيطرة الأماكن التي يمكن تسميتها أماكن الخارج على الدّاخل ، حيث تقضي الشّخصيات الأساسية في الرواية معظم وقتها في الخارج ، وهذا يمكن اعتباره محاولة للبحث عن الحرية وهو ما يتفق –بحسب رأينا-ما تودّ الرواية التّأسيس له من قضايا فلسفية وميتافيزيقية ،إذ تشكّل حرية الفرد أحد المنطلقات الأساسية للتفكير الماوراء طبيعي .

يسمي بعض النّقاد مثل هذه الأماكن “أماكن الانتقال” مثل الحيّ والمقهى وغير ذلك ،وفي الرواية هناك ما يشبه التبادل بين الأماكن المألوفة كالبيت مثلا وبين هذه الأماكن المتغيّرة

فنور الدين يلتقي قاسما في الخارج ، في حديقة خميستي ،فيكون ذلك بداية لانعتاقه من قبضة العدم ،يتحوّل تفكيره إلى محاولة تفسير القضيّة التي لا يعرف معناه وهي الموت ،أي تتحول نظرته ليس من الرغبة من الموت بل طريقة مقاربته كفكرة مسيطرة على مشاعره في سلوكه اليومي إلى مسألة مرتبطة بالتحليل والتفكير.

بدت هذه الحرية على مستوى البناءات الجزئية للرواية ،في شكل الرواية في حدّ ذاتها ،فقد بنى الكاتب الرواية على تقنية غير مألوفة على الأقلّ في الرواية الجزائرية ،وإن كانت فكرة المخطوط واردة في الرواية العالمية ، فمن البداية نجد أنّ غلاف الرواية يفاجئنا باسمين اشتركا في احتلال مكان المؤلف الحقيقي للمتن الروائي على نحو : نور الدين بوخالفة وفي الأسفل : كتبها عنه سمير قسيمي ،هو شكل من اللعب الفنّي المباح من سمير قسيمي قصد تحطيم البناء التقليدي أو الخطّي المألوف للقارئ ، نستطيع اعتبار هذه الإشارة الموجودة على مستوى الغلاف الخارجي للرواية بمثابة عملية استدراج للمتلقّي وتنبيه إلى شخصية غريبة بين الشّخصيتين المذكورتين ،إحداهما ليست هي المؤلّف الحقيقي للرواية فمن الكاتب الحقيقي لرواية هل هو سمير قسيمي نفسه أم هو نور الدين بوخالفة ، وهو إحدى الشّخصيات المؤثّرة في الرّواية ،بعدما ترك له عبد الله طرشي الكتاب المرقّم الفارغ كي يملأه بعد وفاة قاسم أمير وحبيبته .

نلاحظ هنا أنّ الرواية التي هي نصّ كتبه –على مستوى المتخيّل-قاسم أمير ،انطلاقا من الأحداث التي عاشها مع أًصدقائه وصديقاته وما عاناه في حياته من آلام وتباريح الوجد والعشق والبحث عن الحقيقة لقد ترك لنور الدين بوخالفة (الجدار) وهو كتاب أبيض وهو ماجاء في آخر النصّ ،يقول نور الدين :” مازلت محتفظا بعلبة السّجائر التي أهدانيها قاسم أول يوم..ما أحمل في محفظتي كتابه ” الجدار” وأفتحه كلّ يوم على صفحة جديدة بيضاء،خالية من الكلمات ،مكتظة بالذكريات التي نقشها قاسم في قلبي وإلى الأبد ،لتكون وعدا صارما له في أنّ قصته لن تموت ،..في أنّ رغبته ستستمر ما استمرّ حلمه –إيمانه أقصد- في أن تتهدّم كل الجدران في عقولنا وقلوبنا وأرواحنا،حتى يتسنّى لنا إدراك حقيقة أن تصالحنا مع ذاتنا أسمى غاية في وجودنا …”(9)

يكشف كتاب الجدار عن قيمة أخلاقية وفكرية وهي أنّ فكرة الحرية ، حرية التفكير ،البناء والهدم والتقويض ، بعيدا عن كل أشكال العنت والتعصّب أو الإرغام وهو ما سعت هذه الرواية / الجدار إلى تحطيمه ، لقد كان رهان الكاتب هو فتح الأبواب الموصدة ومنها طابوهات الجنس،واللاهوت (الموت ، الحياة ، الجنّة والنّار، الميعاد ، الله ،الدين ….) الحبّ وعلاقته بالباعث البيولولجي لدى الإنسان ،هل هناك حبّ حقيقي أم أنّ الباعث الجنسي هو المحدّد لكلّ العلاقات العاطفية بين الرجل والمرأة ؟

بقدر ما يقترب الكاتب من هذه القضايا التي نعتبرها من القضايا الجديدة في الرواية الجزائرية (العربية) ،بقدر ما يبتعد عن القضايا ذات الطابع العام ،أي تلك القضايا التي ناقشتها الرواية الجزائرية في فترة سابقة ، ولكنّ الأمر بدا سطحيا كذلك فقط ،إذ تحفل الرواية بإشارات إلى أوضاع اجتماعية مختلفة ،فمثل حال نور الدين وقاسم أمير كثير جدا في المجتمع ،إذ تفرز المرحلة الأخيرة من حياة الإنسان الكثير من المعطيات ،إذ ارتداد المثقّف نحو ذاته ليعيد النّظر في مسائل سبق له أن مرّ عليها في حياته من الأمور التي تحدث دائما .

لقد دعا دعا هنري جيمس إلى حرية الكتابة الروائية ،بعيدا عن القواعد الممكنة ،لقد نظر إليها جماليا وفنّيا ترتبط بمضمار الخلق الأدبي وبالممارسة الإبداعية لفنّ الرواية ، يقول :” إنّ فنّا يضطلع مباشرة بتصوير الحياة يجب أن يتمتّع بحرية كاملة لكي يكون صحيحا معافى ..فهو يحي على الممارسة وجوهر الممارسة هو الحرية ..”(10)

لقد انبنت الرواية على خطاب يقدّم رؤية واضحة للعالم بالرّغم من الطابع العبثي الوجودي الذي يسمها ، ويمكن اعتباره بمثابة قراءة للعالم ،ولذلك تناصّت مع أفكار المتصوّفة كالحلاّج مثلا الذي حضر بقوّة في كلام عبد الله طرشي ومنها مسألة الحلول التي برزت بشكل واضح يقول السارد :” كان الله بالنّسبة إليه تعبيرا ميتافيزيقيا عن الحبّ، وما النّساء إلا تجسيد مادّي له .ولهذا لم يكن يجد أيَّ تناقض في أن يكون المرء مؤمنا ونكاّحا مغرما بالجنس في نفس الوقت …” ثم يستمرّ قائلا ألم ينسب إلى الحلاّج أنّه قال :” إنّه الفرج..منه خلقنا وإليه نعود” حتى إن ّ بعض الإسماعيليين يعبدون فرج المرأة لا على اعتبارها إلها بل لأنّ فيه من الحلاوة ما يرقى بالنفس إلى معرفة معنى انصهار الروحين في لحظة التوحّد “(11)

هــــــوامش:

1- سمير قسيمي: حبّ في خريف مائل، منشورات ضفاف (لبنان)، منشورات الاختلاف (الجزائر)،ط1، 2014

2-مارتن هيدغر :أصل العمل الفنّي، منشورات الاختلاف، الجزائر ، ط1، تر:د.أبو العيد دودو،ص33

3-تزفتان تودوروف: الشّعرية، تر: شكري المبخوت، ورجاء بن سلامة ،دار توبقال ،الدار البيضاء المغرب، ط2، 1992، ص31

4-حبّ في خريف مائل، ص9

5-غاستون باشلار : جماليات المكان ،تر: غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنّشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط2، 1984، ص35

6-حسن بحراوي:بنية الشّكل الروائي، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان ،ط1، ص27

7-المرجع نفسه، ص29

8-المرجع نفسه، ص31

9-الرّواية، ص200

10-هنري جيمس: عن نظرية الرواية في الأدب الإنجليزي الحديث، تر:انجيل سمعان، الهيئة المصرية 1971،ص77

11-الرواية، ص42

3-غاستون باشلار: جماليات المكان ،تر: غالب هلسا،

4- حميد لحمداني: بنية النصّ السّردي من منظور النّقد الأدبي، المركز الثقافي العربي ،بيروت، لبنان، ط2، 1993

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق