ثقافة المقال

تخليد المبدعين يعزز الإنتماء الوطني والثقافي

بقلم: سيمون عيلوطي

يُعتبر الإهتمام بالتراث والأعلام والجذور، جزء من محافظة الشعوب على صون هويَّتها الوطنية والثقافية، وأصبح هذا التراث سواء ما يعود منه إلى المكان، أو الذي يرجع إلى عَلم من أعلام الأمة بجميع تخصصاته، فنية علمية كانت، أم أدبية فكرية، يشكِّل التجسيد الثقافي والإجتماعي الذي يميِّز هذا الشعب أو ذاك، وغدت منازل العظماء، وأدواتهم التي كانوا يستخدمونها في ابتكار ابداعاتهم العلمية والفنية، محط أنظار الجماهيرالتي صارت تأمّها من كل حَدْبٍ وَصَوْبٍ، بغيت الاطلاع  على مختلف الجوانب التي توفّرها هذه “المزارات” للجمهور.

إن اهمال هذا الجانب التراثي الهام من قبل القيّمين على الثقافة في الوطن العربي، يُعتبر جريمة لا تُغتفر بحق الثقافة والتراث والأعلام، وان ضياع الكثير من أماكن أو ما يخص أولئك العظماء العرب، وعدم الإكتراث بالذي ما زال قائماً منها، يدل على أن هؤلاء القيِّمين على الثقافة في الوطن العربي، غير جديرين بإدارة ما أوكل إلهم إدارته من قبل من نصّبهم، والذي هو أيضاً لا يُعيرالثقافة أي اهتمام يذكر، إن لم يعتبرها من الأمور الهامشية، وغير الضرورية في حياتنا أصلاً.

الخصوصية التي تميِّز الأقلية الفلسطينية العربية في اسرائيل، منذ عام ال 48، وما تعانيه هذه الأقلية من محاولات قلع وتهجير وطمس لمعالمها وتراثها وهويتها الثقافية والقومية، جعلها تتمسّك بكل ما يتعلَّق بجذورها وتراثها، بل وتعتبرذلك جزء من معركتها الثقافية والسياسية التي لا بدَّ من خوضها للمحافظة على تاريخها وحاضرها ومستقبلها، ومن أجل تعزيز ذلك، رأينا بعض مؤسساتنا ومجالسنا المحلية، تقيم بين الحين والآخرالنصب التذكارية على أضرحة الشعراء، أمثال الشاعر نوح إبراهيم الذي تحوَّلت أشعاره الشعبية إلى أغان وأناشيد مثل: (دبّرها يا مستل دل**بلكي عا يدَّّك بتحل)، والذي استشهد في ثورة ال 36، ودُفن في مقبرة طمرة الجليلية، حيث أقيم على ضريحه هناك نصب تذكاري، وقد تمَّ ذلك إلى جانب اهتمام بلدية الناصرة وإدارتها برئاسة الشاعر توفيق زيَّاد آنذك، بإقامة نصب تذكاري على ضريح الشاعر عبد الرحيم محمود، الذي استشهد في معركة الشجرة سنة 1948، وتم دفنه في الناصرة، مطبقاً ما نادى به في شعره الذي قال فيه: (سأحمل روحي على راحتي ** وألقي بها في مهاوي الرّدى** فإمّا حياة تسرّ الصديق ** وإمّا مماتٌ يغيظ العدى). ولم تتوقَّف بلدية الناصرة عند هذا، بل أنشأت أيضاً مكتبة عامة على اسم الشاعر الفلسطيني عبد الكريم الكرمي- “أبو سلمى”، صاحب القصيدة المشهورة،(أنشرعلى لهب القصيد ِ** شكوى العبيد إلى العبيد)، ونأمل أن تواصل بلدية الناصرة نهج اطلاق اسماء شخصيات من تاريخنا وتراثنا على الشوارع خاصة.

حرصاً منا على هذا الجانب الثقافي الهام، والذي يجسّد الإنتماء إلى تراث  نعتز به، نحثّ بلدياتنا ومجالسنا المحلية العربية، أن لا تكتفي بذلك، بل تهتم بتكريم مبدعينا، وأن لا تقتصر هذه التكريمات على من غادرونا فقط، إنما يجب أن تشمل أيضاُ الأحياء من المبدعين، سواء  بإقامة حفلات لتكريمهم، أو بتدريس ثراثهم وابداعهم، أو باطلاق اسمائهم على الشوارع والمنشآت الثقافية، بدلاُ من تعريف شوارعنا بأرقام باتت لا تستعمل اليوم في العالم المتحضر، إلا لتدل على السجون والمعتقلات. وإذا كنا قد وظّفنا طاقاتنا في بلدية حيفا من أجل اطلاق اسماء مثل: محامي الأرض حنا نقارَّة، والأديب الكبير اميل حبيبي، والمأرخ اميل توما على شوارع في مدينة حيفا، وقد تمَّ لنا ذلك، فلماذا نتغاضى عن تحقيق هذا الأمر في مدننا وقرانا العربية؟!

إن قرار لجنة التسميات المنبثقة عن المجلس البلدي في مدينة شفاعمرو، وتبني ادارة بلديتها الحالية لقرار احياء ذكرى الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، والذي أعلنت فيه: “أنه ثبتت في الأسبوع الماضي لافتة تحمل اسم الشاعر الراحل قبالة البريد المركزي في المدينة، حيث سيحمل مدخل شفاعمرو الجنوبي اسم شارع محمود درويش”،  هو  قرار غاية في الأهمية، خاصة أنه يأتي في مناخ تسوده سياسة التهميش والتّمييز القومي التي تمارسها السلطة المركزية بحقنا، وعدم المبالاة من طرف المسوؤلين عن الثقافة في العديد من مؤسساتنا الثقافية، وسلطاتنا المحيلة، وكم  كان رئيس قسم الثقافة عضو بلدية شفاعمرو، أحمد حمدي صائباً حين قال: ” إن قرار بلديتنا تسمية هذا المقطع من الشارع، جاء وفاء لشاعر الإنسانية والوطنية محمود درويش، ونعتبر هذه التسمية فخرا واعتزازا لشفاعمرو، حيث سيقام يوم الأربعاء12/10/2011 الإحتفاء  الخاص بهذه المناسبة، بمشاركة مؤسسة محمود درويش للإبداع- كفرياسيف، وبحضور شخصيات من السلطة الفلسطينية، ولجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، ورؤساء البلديات والمجالس المحلية، ومختلف الأوساط الثقافية والإجتماعية والشعبية”.

وضمن هذا السياق أقول: إن شعباُ يُعنى بتراثة ومبدعيه، لا يمكنه رغم التَّقصير في هذا المجال من قبل البعض، الا أن يحقق ذاته في الحاضر المُعاش،  ويطمئن على مستقبل أبنائه.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق