ثقافة السرد

الفصل 11 من رواية (حرير الوجد )

لمحمد حيزي / تونس

فصل أورام النّفس:

الآن صارت لي زوجة …
من قاسم العامري المهمل الّذي أمضى عمره وهو يبحث عن وجهه في وجوه الآخرين من حوله لعلّه يعثر على وشيجة تربطه بملامح ما إلى قاسم العامري الآخر الّذي اكتفى أخيرا بزوجة يسكن إليها وبيت يأويه وعدّة أطفال سيصير لهم أبا . هكذا رأى بعد كلّ الّذي حصل معه . ببساطة قرّر أن يحدف جذورا في مدينة غريبة عنه وجد فيها ملامح أخرى وعمقا ضاربا في التّاريخ . هكذا تبدّت له أوّل الأمر ثمّ تمكّنت منه بعد ذلك كدفق أشبع كلّ ظمئه الّذي استفحل فيه من سنوات موجعة جدّا …

بعد شهر كالحلم أفقت من غيابي …
كانت أمّي تخزني كلّما تذكّرت ذلك الماضي البعيد إلى أن أوجعتني وضيّقت عليّ خناقي ولم أجد مهربا منها . ليلي صار متقطّعا وذلك النّوم العميق تبدّد نهائيّا وما عدت قادرا على تحمّل تلك الأشافي الحادّة الّتي تباغتني وتنغرز في جسدي فأستيقظ مفجوعا وقد أغرقني العرق في كوابيس لا تنتهي . كانت ليلى تستفيق من نومها على صياحي العالي فزعة . حاولت أن أخفي عنها ما أراه في نومي لكنّها أدركت سبب كوابيسي ودفعتني على الذّهاب إلى العاصمة مرّة أخرى لأتقصّى أخبارها حتّى أعثر عليها . بدت لي المحاولة لا أكثر من حماقة بعد كلّ السّعي الّذي بذلته لكن إصرارها على ذلك تمكّن منّي أخيرا فتركت البيت وهمت على وجهي في مدينة كالنّمل .
كان مصطفى الضّاوي هدفي مرّة أخرى …
رجل مثله كالأخطبوط يستطيع بلا شكّ أن يجد أمّي . حباله يمكنها أن تبلغها مهما تخفّت . لن يحرمني من العارم بعد جفوته لي كما لو أنّني غريب عنه ولا تشجني به صلة ما . لن أنسى ذلك اليوم الّذي لقيته فيه رغم تقزّزي منه بعد ذلك . إلى هذه اللّحظة لا يمكن أن تغيب عنّي تلك اللّهفة إليه . وأنا أراه انتفض قلبي وغزاني عرق غزير وارتجفت عميقا . صوت ما داخلي صرخ فيّ : ” – هذا الرّجل أبوك . إنّه هو بملامحه القريبة منك . انظر إلى أنفه . إنّه في حجم أنفك تماما . الأرنبة هي نفسها . عيناه السّوداوان هما عيناك . شفتاه لا تختلفان عن شفتيك . تبدو أطول قامة منه لكن هذا هذا ليس مهمّا . بدانته وكرشه حالة طبيعيّة لرجل في ثرائه . إنّه غارق في النّعمة وعادة ما يصاب أمثاله بالسّمنة لأكثر من سبب . الأكل الدّسم وقلّة الحركة والجلوس الدّائم . نادرا ما يجدون فرصة للخطو مثل الآخرين . من المكتب إلى السّيّارة إلى الفيلا إلى أماكن سهرهم . إنّه أمامك . على مسافة خطوات قليلة منك وما عليك إلاّ الارتماء في حضنه . سيحسّ بك حتما . سيدرك رائحته فيك ولن يخذلك ويدفعك عنه في حدّة ولن يطردك شرّ طردة من فيلّته .
( 51 )
( ينفلت الشّيخ من تتمّة الحكاية إلى هامش آخر من تفاصيلها : ” – الرّؤيا تقول في جانب منها أنّ روح الأميرة ستتوغّل فيها عميقا حتّى تعثر على روح أحد أحفاد تاجر الحرير العاشق وسيحصل هذا في مدينة الحمّامات الموعودة بتجلّيات العشق فيها . هنا ستلتئم شروخ بعيدة وتبرأ جراح لا حصر لها . تلك اللّعنة القصيّة الّتي طاردت الأجداد والآباء والأحفاد وشرّدت بعضهم وأهانتهم بعد عزّ وجاه ستخمد وتموت . بحر الحمّامات كفيل بنوبة الطّهر هذه حتّى يستأصل ما كان . إنّه يغسل هذه المدينة أربع مرّات في العام . يباغتها ليلا والنّاس نيام . يعمّها بموجه إلى أن يبلغ أطرافها البعيدة ثمّ يرتدّ في صمت . ينقّيها ويغربلها ويزيل ما علق بها . لذلك سمّيت بالحمّامات لأنّها أربع حالت تطهّر في العام وستتحوّل إلى سبع مع مقدمك إليها . ما يروى عن الحمّامات الّتي انتشرت فيها وحملت اسمها فذلك متداول عند العامّة ولا يعنيني لأنّني ولجت سرّها وورثت حقيقتها وسيتناقل أبنائي وأحفادي هذا . كانت أوّل نوبة طهر للمدينة حصلت من سنوات بعيدة جدّا عندما بلغ العاشق وحبيبته هذه الأرض واستقرّا فيها . كان لا بدّ للبحر أن يحتفل بهما ولم يجد من سبيل إلى ذلك إلاّ حمّاما يزيل به ما يمكن أن يتطاول على هذه المدينة من غبار أو ما شابهه حتّى تستمرّ حافلة ببياضها وألقها . بعد حمّامات لا عدّ لها صارت تحمل هذا الاسم كما قلت . ظلّ الأهالي والأغراب الّذين يزورونها يتفاجؤون بهذا إلى يومنا حين يستيقظون من نومهم فجرا ما . كالدّهشة تتبدّى لهم . كما لو أنّ أيد عملاقة انتشرت في شوارعها وأزقّتها وأنهجها وقبابها ودورها وانهمكت لليلة طويلة في غسلها وتطهيرها وتحويلها إلى عروس خرجت لتوّها من إحدى حمّاماتها العتيقة . مع بدايات فجرها الفاتن يتضوّع الياسمين فيها وتلك هبة أخرى سأحدّثك عنها ” . وكعادته تركني حتّى يتوضّأ ويلقى وجه ربّه في ذلك الصّباح البهيّ … ) .

سيتذكّر العارم . لن تغيب عنه تلك اللّيلة البعيدة . دائما ما تكون ليلة مثلها كالوشم في حياة رجال يهيمون بالنّساء . قد ينسى سنواته الطّويلة في تلك المدينة لكنّه لن ينسى امرأة في جمال العارم . تلك اللّيلة ستظلّ عالقة في الذّاكرة . بعثي ليلتها ليس أمرا هيّنا . إنّه يهب أمّي كائنا مثله . يزرعه فيها . ما قام به ليس نزوة فقط . إنّه خصبه وخصبها وبذرة ستكبر يوما بعد آخر وتتحوّل إلى جنين يتحرّك في أحشائها ويناديه أبي . سيحلّ مخاضها وسيخرج إلى الدّنيا ويتقصّى وجه أبيه حتّى يدركه . لماذا تسمّرت قبالته ؟ تحرّك نحوه واحتضنه وقبّله ولا تخجل من مناداته ” بابا ” . ما هذا القلق العميق الّذي انتابك وجعلك تفقد نطقك ؟ ألم تسع إليه ؟ ألم تهتك وتوجعها إلى ذلك الحدّ وتربكها إلى أن تهالكت أمامك وأشارت إليه وأكّدت لك أنّ مصطفى الضّاوي هو أبوك ؟ قلب الأمّ لا يخطئ . ليلتها أدركت أنّ ذلك الرّجل قد بذرك بعد فيها . إنّها كالأرض أيّها الأبله . لا يمكن أن تخيب إن أمطرت وشبعت رواء . امض نحوه ولا تهتمّ لما يمكن أن يصدر عنه . قد يورق فجأة وتكون ثمرته المنسيّة في تلك المدينة الّتي يتعقّب أحيانا أخبارها من بعيد دون أن يعود إليها ويستعيد بعض ماضيه فيها ويكتشف كم كانت تحبّه وتخاف عليه . لا تردّد . دمك دمه ووجهك وجهه وإن نسي العارم وصارت ذكرى سائبة لا تعنيه . لقد تركك ورحل وها أنت تتعقّبه إلى أن بلغته ولن يرفض وشيجتك به . قد يطاله الشّكّ لحين لكن اندفاعك نحوه بهذه الحميميّة البالغة لا يمكن أن يمرّ هكذا دون أن يترك أثرا عميقا فيه . “
تلك اللّحظات المربكة إلى أقاصيها ظلّت تترصّدني إلى اليوم …
ذلك الصّوت العاتي مازال يتردّد فيّ كوجع دفين . تلعثمت أمامه وكادت دموعي تنفلت منّي . لم أقو على الخطو نحوه . بدا لي كمارد مخيف . كلهفة وخيمة العواقب قد تشرخني وتحوّلني إلى بقايا أمامه . تضاءلت إلى أن كادت الأرض تبلعني . ارتعشت ركبتاي وكدت أسقط على مسافة خطوات منه . كان ذلك فوق طاقتي . لم يحصل لي كلّ ذلك الارتباك ولو مرّة في حياتي . كنت أغضب وأبكي وأتوجّع لكنّني دائما ما تكون لي ردّة فعل ما . لا أقوى على الضّيم وابتلاع غصّتي والغرق في الصّمت كغيري . هكذا كنت إلى تلك اللّحظة القاسيّة الّتي كبّلتني وأعاقتني تماما . تمنّيت من مصطفى الضّاوي أن يتملّى في وجهي جيّدا . أن يتمعّن في ملامحي إلى حين . أن يقترب منّي ويقف قبالتي تماما . قد يتحرّك قلبه . قد يستفسر . قد تلوح على قسمات وجهه أسئلة ما . أقبل متجهّما كما لو أنّه لم ينتبه لوجودي أصلا . مشاغله كثيرة كالآخرين وأنا الواقف في لهفة على مسافة خطوات منه لا أكثر من زائر ثقيل عليه أن يتكلّم بسرعة ويمضي في حال سبيله دون أن يجهد نفسه للحظة ما وينظر إليّ جيّدا .
يومها تركت تلك الفيلا . أحسست عميقا بيتمي وتفاهتي . بكيت في حرقة شديدة إلى أن تحوّلت دموعي إلى دم . لا أحد يمكن أن يبكي كلقيط . لا أحد يمكن أن يتهجّى مصابه مثلي . إنّ أبشع لحظة هي أن تكتشف يتمك الحادّ وأبوك حيّ يرزق . حين تدرك أنّ أمرك ضاع على أكثر من فراش نجس . لحظة اكتشافك أنّ نزوة بغيضة حصلت وكنت ثمرتها المرّة . تلك هي الخطيئة المدمّرة لطفل يسعى حتّى يقول ” بابا ” في امتلاء بمن أمامه لكنّه لا يعثر على نطقها بين شفتيه . بدوت أمام نفسي كقذارة لا قيمة لها . لا أكثر من نزوة عابرة حصلت في ليلة باردة بين العارم ورجل ما قد يكون مصطفى الضّاوي أو غيره . تمنّيت الموت لحظة صراخي وأنا أتسلّل من بطني أمّي كالكذبة لألج دنيا بخيلة ضنينة لا طعم لها . هكذا جئت . نطفة بغيضة في رحم حقير لأمّ اغتالتني دون أن أجني عليها . كم كان ذلك قاس عليّ أيّامها . رأيت كياني وهما وبغضاء لا أبشع منهما . شعرت بدون لا مثيل له . كنت أخطو على الرّصيف كلعنة يجب أن تضمحلّ وتتحلّل وتنتهي دون رجعة .
( 52 )
( بكيت دما قبالته وأنا أتوسّل إليه حتّى يخرج من الهاوية الّتي تهالك فيها . كان كمن يدبر في حتفه شيئا فشيئا . كلّما اقتربت منه إلاّ وغرق في صمته أكثر ونفر منّي وأشبعت الدّموع عينيه إلى أن كاد يقضي على بصره وينهار نهائيّا . لم أجد من سبيل إليه إلاّ ليلى . صرت أصحبها إليه وألقي بها في حضنه . ظلّ يكتفي بقبلة يطبعها على جبينها ويغيب في متاهته . هل هذه لعنة الأجداد مرّة أخرى ؟ لعنة من اقتطع كبد أمّه . لعنة من حصر الحبّ في ضيق قاتل حتّى يستمرّ على العرش مهابا وانتهى أمره لأنّه لا يملك قلبا أو رحمة أو ماء وجه … ) .

بدا لي هذا العالم حقيرا جدّا دون حذائي . أحسست كم أنا تفاهة ولا يحقّ لي أن أستمرّ وأحيا . تمنّيت لو كان ذلك الوغد عبد الرّحمان العامري أبي حتّى لا أشقى . كنت أستطيع تركه إلى الأبد دون أن أقع في الرّغام وأستلب عميقا وأجتثّ وأمّحي.
تسمّرت فجأة على الرّصيف . شعرت أنّني سأتهالك قهرا وأردى . انتابني إحساس عات . عليّ أن أعود إليه . أجرحه في صميمه وأقول له : ” – أنت لست أبي . أنت لا تعني لي شيئا . مجرّد مبطان مثلك لا يمكن أن أكون امتدادا له . لن تربطني بك صلة مهما توسّلتني . أنا أبو نفسي وجذوري ضاربة في هذه الأرض منّي ونطفتك لا أكثر من قذارة لا تعنيني . لن أهبك ابنا ولن أشير إليك وأناديك أبي . أنت لست إلاّ بعوضة ليليّة باغتت أمّي في لحظة ضعف وعضّتها ثمّ انمحت كحشرة قصيرة العمر . ” سأشتمه وأجرّه في تلك الحديقة خلفي وألقي به في حاوية الزّبالة تلك ثمّ أتركه وأمضي دون ألتفت خلفي .
الآن سأكون رجلا آخر . لن أكون ذلك المربك حتما …
لن يتمكّن هذه المرّة ولن أتضاءل أمامه . سأسوطه أمامي بلا رحمة حتّى يعثر على أمّي . سأساومه وأطيح به من عليائه . سأذكّره بتفاصيل لا حصر لها أيّام كان صغيرا لا حول له ولا قوّة . إن نسي العارم فلن ينسى رجلا مثل الصّنكي * وبوعشّه * وبسّه *. هؤلاء هم نعمته ومصيره المشبع . لا يهمّ إن تنكّر لهم . مثله يتنكّر لأبيه وأمّه وشقيقه وأخته . الصّنكي وبسّه وبوعشّه كانوا مطيّة له . ركبها أيّام الغفلة ثمّ تركها كماض لا يعنيه . هم دائما ما يرهبون . لهفتهم على كراسيهم
وتمسّكهم بها أبلغ من خدمة جليلة قدّمها إليه صديق أو حبيب . قلّة منهم ظلّوا كما هم ولم يمسخهم ذلك الكرسيّ . أحبّوا مدنهم وبقوا على وشائجهم ولم يغيّرهم منصب أو جاه . هؤلاء هم خصب تلك الأرض . عمقها ورائحتها وطعمها . مصطفى الضّاوي كان نكرة . لا يملك إلاّ شيئا من الذّكاء وحسن التّدبير . رجل ماكر لا أكثر . لمّا استطاع بلوغ مآربه حلّت قطيعته بأهله . لم يمدّ يده لأحد ولم يقدّم خدمة ما لكلّ الذّين رأوا فيه ملاذا وذراعا طويلة .
( 53 )
( بعد أن أتمّ صلاته عاد إليّ . شغفي ببقايا الحكاية ظلّ يأسرني . ابتسم في وقار وانهمك في كشف السّرّ : ” – أهان الباي والد تاجر الحرير وأذلّه حتّى يثأر ويجد ما يمضغ في عزلته . هدّده بعد ذلك بالقتل إن لم يعثر على ابنه ويعود به حيّا إلى القصر كي يذيقه من العذاب ألوانا . قطع حمّاد الضّاوي المملكة طولا وعرضا حتّى يبارك صنيع ابنه لكنّه لم يجده بعد طواف طويل دون أن يهتمّ لوعيد الباي . لمّا بلغ منه اليأس مبلغه قيل إنّه اختفى في مرتفعات السّباسب وتزوّج صبيّة من هناك أنجبت له البنين والبنات وظلّ على الجمر متوقّعا ظهور ابنه العاشق . كان كلّ فجر يصعد إلى أعلى قمّة من جبل الشّعانبي ويجوب ببصره أنحاء المملكة بحثا عنه . يروى إنّه قويّ البصر والبصيرة وهذا ردّده بعض الأغراب لأجدادي لمّا حلّوا بالحمّامات من أجل الكسب والرّزق في أراضيها الخصبة ” . وانتابته لحظة صمت كما لو أنّه نسي أمرا مهمّا … ) .
بعد أكثر من محاولة تمكّنت أخيرا من لقائه . دفعت لبوّابه مبلغا من المال كان كافيّا حتّى يمهّد لي السّبيل إليه . للقاء هؤلاء تتشكّل أكثر من حيلة للوصول إليهم في أسرع مدّة ممكنة . الانتظار حماقة وإذلال ومسلك خائب .
ظلّ يتمعّن في وجهي دهشا . كما لو أنّه يكتشفني مجهدا عينيه إلى حين :
– من العارم هذه ؟
تمنّيت لو حصل هذا من سنوات مضت . كان سيستطيع تهجّي ملامحي فيه . الآن ما عاد يقوى على الصّحو . نظّاراته الطبّية تخذله والكوليستيرول يهدّد ذاكرته ويتحفّز نحوها دون أن يعي سنواته المتراكمة على وجهه :
– إنّها أمّي .
– وما علاقتي أنا بأمّك حتّى تسأل عنها في بيتي ؟
– ألم تلجأ إليك ؟ قد تعوقك الذّاكرة أحيانا ؟
– أهذه حاجتك ؟ جئت تبحث عن أمّك هنا ؟
– ألا تذكرها فعلا أم أنّك تبدي سهوك فقط ؟
– لا وقت لي لهذه الحماقات . يمكنك الانصراف .
وخطا مبتعدا . كما لو أنّه حسم أمره معي وانتهى كلّ شيء . تسمّر على صوتي الّذي هزّه فجأة :
– هل تذكر الصّنكي ؟ هل نسيت بسّه ؟ ألم يقف بوعشّه أمام بابك لساعات ولم تأذن له بالدّخول فعاد خائبا يشتم اليوم الّذي تعرّف فيه على مثلك ؟ أتنكر هؤلاء أيضا أم أنّك تراهم لا وزن لهم ؟
للحظات وهو مسمّر . كما لو أنّه يجهد ذاكرة بخيلة لا تستجيب . التفت إلى ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
– الصّنكي * : اسم شهرة يعني الشّجاع .
– بسّة * : اسم شهرة . يعني الماكر حلو الحديث .
– بوعشّة * : اسم شهرة . يعني ذلك الّذي لا يمتلك بيتا إلاّ خيمة من وبر .

الخلف في بطء . دهشة عميقة تمسح وجهه المتهدّل . بدت ذقنه المدلاة إلى أسفل مهملة ميؤوسا منها :
– من أنت وماذا تريد ؟
خطوت نحوه . ارتباكه كان جليّا وهو يشعل سيجارته ويجذب نفسا عميقا منها لتباغته كحّة جافّة . بدا الرّبو يزحف نحوه دون أن ينتبه إليه :
– أنا ابن العارم . تلك المرأة الّتي فاجأتها أيّام شبابك في مدينتك الّتي تنكّرت لأهلها بعد أن تمكّنت هنا وصرت كبيرا . أتنسى ذلك الرّصيف ؟ كانت تقف هناك تحت مصباح الشّارع وحيدة في ليلة باردة . رأيتها وتوقّفت حذوها بسيّارتك وانطلقت بها إلى وجهة ما . قد يكون منزلا أو فيلا مخصّصة لنزواتك ومغامراتك أيّامها . أجهد ذاكرتك قليلا . حتما ستذكر تلك المرأة الجميلة . عادة ما نحتفظ بملامح الجميلات وننسى غيرهنّ . إن بلعتك العاصمة طيلة هذه السّنوات لن تسهو عن مدينة عشت فيها أحلامك ولم تخيّبك . ها قد دفعتك إلى كلّ هذا الثّراء البادي .
اقترب منّي أكثر . توقّعته ثائرا في وجهي آمرا خدمه بإلقائي في الخارج . ظلّ يتقصّى ملامحي مرّة أخرى . ارتباكه تبدّى على شكل رعشة على وجهه تظهر وتغيب ثمّ تتسلّل إلى عينيه وهو يجهدهما في عناء وإصرار . استمرّ ذلك للحظات أدهشتني وكادت تحدفني إلى أوّل لقاء لي به . ابتعد إلى النّافذة وغرق في الصّمت ودخان سيجارته يتمدّد ويشكّل أجساما شفّافة عند قفاه :
– من هو أبوك ؟ اسمه ولقبه إن سمحت ؟
كدت أصرخ فيه بكلّ ما أملك من طاقة صياح ممكنة : ” – أنت أبي . ” لم أجد قدرة على ذلك بالمرّة ولساني يتحوّل إلى قطعة رصاص .
( ش )
( ولجته كمن يلج بعثه مستعجلا دفقي إليها وهما في حالة تشهّ عجيبة بلغت أقاصيها وصارت أقرب إلى صحو أخير بعد كلّ غيابهما الآسر . النّار على مقربة تتآكل شيئا فشيئا وتتحوّل إلى جمر لافح يتطاول على رماده وموته بعد كلّ ذلك التّوهّج وأنا أتشكّل فيه وأصرخ حتّى يقذفني إلى رحمها فأكون تلك اللّهفة المستعصيّة الّتي لا تستجيب . لم أبلغ من وجهه وجهي . كنت أتوق فقط لصيحتي الأولى وأنا أخرج إلى هذه الدّنيا مرّة أخرى بملامح ليست غريبة عنّي … ) .

بقي الصّمت فقط يعوي بيننا لحين . شعرت بمهانة لا مثيل لها لو تهالكت وقلت له : ” – يمكن أن تكون أنت أبي ؟ ” بدا لي هذا أقلّ وقعا لو قلت له : ” بابا ” . اقتربت منه إلى أن صرت على مسافة خطوة منه :
– عبد الرّحمان العامري . أيعني لك هذا شيئا ؟ ما نفع أن أذكّرك باسمه ولقبه ؟ أنا هنا من أجل زوجته الأرملة . أقصد أمّي العارم .
التفت إليّ . قشعريرة مفاجئة أبلغ من رعشته الّتي تبدّت من لحظات على وجهه :
– ألم تلج هذا البيت من قبل ؟
كدت أقع بين مخالبه . لا يمكن أن أنسى ذلك اليوم الهاتك . كما لو أنّني أعيش ذلك الوجع الذّابح الآن :
– لا … لم ألج هذا البيت .
– أمتأكّد من ذلك ؟
– هل تراني أكذب عليك ؟ لأوّل مرّة أرى وجهك هذا .
– وأمّك ؟ متى رأيتها آخر مرّة ؟
– من مدّة ليست طويلة . هناك من قال إنّها قدمت إلى العاصمة .
– أنت تكذب . إن كان الأمر كذلك فلماذا قصدتني أنا تحديدا وذكّرتني بها ؟ كن صادقا معي حتّى نقتفي أثرها معا . من يدري ؟ قد نعثر عليها ؟
– هذا سبب قدومي إليك .
– لقد زرتني من قبل ؟ لماذا تخفي هذا عنّي ؟
– ذلك لا يهمّ . كانت نزوة عابرة . تماما كتلك النّزوة الّتي جمعتك بأمّي ليلتها . هل تذكّرتها الآن ؟ يبدو ذلك مقزّزا . أليس كذلك ؟ رجل مثلك لا يمكن أن يتورّط في هاجس خائب مثل هذا . لا يقوى على النّظر في وجه قد يشبهه . التّواطؤ أفضل من الوقوع في متاهة متشعّبة كهذه المتاهة الماثلة أمامك . احترز من توهّج مشاعرك قبل أن تقع في المحظور . ذلك ماض فات . مجرّد ليلة خائبة قوّضتها كلّ هذه السّنين البادية على وجهي ووجهك ولا أظنّ الأمر يحتاج لكلّ هذه التّوقّعات المبتذلة .
– أنت وقح جدّا . أتسخر منّي ؟
– أنا لا أسخر منك . فقط أتهكّم من ردّة السّنين الماضيّة .
– ماذا قالت لك أمّك بالضّبط وهي تذكر اسمي أمامك ؟ هل باحت لك بأمر ما ؟
– دعك من هذا وساعدني للعثور عليها .
خطا نحو مكتبه وغاب فيه للحظة ثمّ ظهر يحمل كارت فيزيت . قدّمها لي بأصابع مرتجفة . كانت عيناه أيضا ترتعشان وراء زجاج سميك :
– اطلبني متى شئت .
وأنا أخطو نحو الباب سمّرني :
– يمكنك أن تلج هذا البيت في كلّ وقت . لن يمنعك أحد .
بدا متوسّلا يلاحق غصّة لم تكتمل بعد . كما لو أنّه يتقصّى حتّى يبلغ لهفة ما .
( ص )
( ها أنا الآن كالصّدفة في نزوة تصرخ وتستغيث كي أكون حبّة القمح في أرض بوار . التّوقّع صار شبيها بالمطر حتّى تنمو سنبلة وتكون لها جذور ضاربة في الطّين الّذي استعر إلى أوجه من لحظات طويلة جدّا . التّربة تئنّ وتبلغ منتهاها وتجتذبني إليها كأمّ حنون والقلب المفعم بالخيبة ينبض ويستلب يأسه من طحين كلّ ماضيه ويحاول أن يخضرّ رغم الشّحّ واليبس ويبلغ الفضاء نضرا مليئا بصباحه الآتي واللّيلة ظلّت طويلة وأنا بعد حبيس شهوة قد تخيب … ) .

تركت الفيلا ومضيت مع ممرّ الحديقة إلى أن بلغت الباب الخارجي . التفتّ فرأيته يتعقّبني من عليته ويدفع عينيه في إجهاد نحوي . وشيجة ما كانت تتبدّى كالحلم خلف نظّارتيه . كانت تتشكّل في خطاي وأنا أغيب عنه وأمضي مع نفس الرّصيف لكن في امتلاء بالغ هذه المرّة . أحسست أنّني أصرخ هذه المرّة وأشير إلى الفيلا خلفي في حميميّة لا عهد لي بها : ” – مصطفى الضّاوي أبي . ذلك الرّجل المهمّ في عاصمتكم هذه هو وجهي الّذي تعقّبته حتّى نلت منه . أنا ابنه أخيرا . لن ينكر وشيجته بي . صرت الآن قاسم مصطفى الضّاوي . كلّ ما فات لا أكثر من أكاذيب قاسيّة . ها هو يعترف بي أخيرا ويسعى نحوي في رجاء ولهفة . إنّه يكتشفني بعد كلّ البين الموجع ويريدني . ها أنا أرفع هامتي في كبرياء وأتركه خلفي دون أن أرتمي في حضنه كطفل وأغرق في البكاء والنّشيج . لقد أذلّني ومثّل بي ولن أدفع نحوه يدي حتّى يقبل بي ويراني نزوته التّافهة مرّة أخرى . لن يخذلني قلبي ويقودني إليه . سأكون أشدّ قساوة منه وسأكتفي بهذا . فقط أريد أن أعثر على أمّي . ما تبقّى صراخ في قفر لا معنى له . مجرّد كذبة . تماما كنزوته العابرة .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق