الموقع

[فرويد والديكتاتور]

بقلــم: سعيـد بوخليـط*

في الوقت، الذي كان بشار الأسد، يطمئن نبيل العربي، بضرورة القيام بإصلاحات، اعتقل أفراد من جلاديه، الدكتورة رفاه ناشد، المحللة النفسية السورية البالغة من العمر 66 سنة، يوم السبت 10 شتنبر على الساعة الواحدة والنصف بمطار دمشق الدولي، وهي تستعد للمغادرة نحو فرنسا كي تحضر ولادة حفيدها الأول : ((امرأة قصيرة القامة، صاحبة عيون براقة، وطنية، وطباخة ماهرة))، درست في جامعة السوربون، وتمارس التحليل النفسي منذ 26 عاما، تعاني من متاعب صحية كالكولسترول والضغط الدموي، مع ذلك لم يرحمها النظام، وألقى  بها في إحدى زنازن سجن النساء بضاحية دمشق.خبر، أثار موجة سخط عارمة في الوسط السيكولوجي الباريسي، حيث درست سنوات السبعينات، ولها العديد من الأصدقاء. هكذا، سيبادر على الفور الموقع الإخباري “ميديا بار”، إلى طرح عريضة للتوقيعات، تطالب بإطلاق سراحها على وجه السرعة، وجدت إقبالا واستجابة من طرف نخبة المهتمين بالتحليل النفسي، سواء كانوا فرويديين أو لاكانيين.

أهم ماجاء في البيان التوضيحي، لزوجها فيصل عبد الله، أستاذ التاريخ القديم بجامعة دمشق، والمؤرخ  اللامع، الذي يستدعى بانتظام إلى المحراب المعرفي كوليج دوفرانس : ((كانت زوجتي المحللة النفسية د. رفاه توفيق ناشد، قد وصلت إلى نقطة تفتيش الحقائب في مطار دمشق الدولي، بنية السفر  إلى باريس لأسباب عائلية، حيث اتصلت بي في تلك اللحظة، وقالت : “إنهم يفتشونني بعصبية، ولديهم قائمة … أخذ الباسبور وذهب”، وتوقفت عن الكلام عندها، ولكن هاتفها المحمول ظل مفتوحا فسمعت قرقعة و تحريكا… وكلمات مدام … ارفع… هذا …”، وانقطع الخط نهائيا …)). أسرع إلى المطار، استفسر مكتب الخطوط الجوية الفرنسية، فتأكد له بأن رفاه لم تغادر بعد، هنا، ابتدأت دوامة انتقاله السيزيفي من درج إلى آخر، ساعيا وراء أبسط معلومة، ترشده ناحية مكان زوجته، من الأمن أو نقطة التفتيش الأولى ثم الأمن العام والجمارك  الأولى والأمن الجوي. استمر، بحثه المضني حتى بوادر اليوم  الموالي، كي يتيقن من حقيقة  لا غبار عليها : لقد اختطفت من طرف المخابرات، والتي لا تترك أثرا. لذلك، قرر أن يباشر إجراءات قانونية في وزارة العدل قصد الحصول على جواب بخصوص الاختفاء.

رفاه ناشد، مثقفة ذات سمعة كبيرة، تعتبر أول محللة نفسية في سوريا سنوات 1980، ظل طموحها إنسانيا وعلميا، لا علاقة لها بأمور الصراعات السايسية، ولم يعرف عنها انتماؤها لأي حركة معارضة، لذا يتساءل محيطها القريب، ما هو الملف السري الذي يشهره نظام الأسد، في وجه هذه السيدة،؟ واتهامه لها بمزاولة أنشطة “يمكنها تهديد استقرار  البلد”. حينما أنهت مراحلها الدراسية، عادت ثانية إلى دمشق سنة 1985، وكان مناخ الحقبة ضاغطا ومشحونا بسبب الحرب الأهلية اللبنانية، والرئيس حافظ الأسد هائجا، يخنق أنفاس السوريين فملأ السجون عن آخرها، باليساريين والإسلاميين. فتحت ناشد عيادة في شقتها الصغيرة بحي تجاري من أحياء دمشق، ثم بدأ مسار دورها الإكلينيكي، بالنسبة لمجتمع مقموع بشدة، مكمم الأفواه، حيث اتجهت معركتها الأساسية نحو مساعدة الناس على إيجاد منافذ ممكنة للعيش، فأرست في بلدها سياق المنظومة العلمية للنظريات الفرويدية، التي ستثير ارتياب بل اشمئزاز حكم استبدادي، هاجسه الجوهري، ضبط ومراقبة حالات الوعي.

التجأ إلى عيادتها، مختلف شرائح الشعب السوري، ومكوناته الطائفية والسياسية. بهذا الخصوص، تشرح إحدى صديقاتها الفرنسيات : ((يأتيها من أجل الاستشارة كبار موظفي النظام، الذين أضناهم جرم وحجم الكذب. وكذا مثقفين ينتقدون السلطة. لكنها، ستقف على مسافة بعيدة من الطرفين، مع أنها واعية جدا،بدرجة الشيزوفرينيا التي تسود هرم الدولة)). تطورت، محاضراتها سنة بعد سنة، وقد جذبت صوب المدرجات حشود الطلبة والمهتمين، بقدر خضوعها لمراقبة، آذان وأعين النظام، كي تنتهي أخيرا إلى تشكيل مدرسة للتحليل النفسي داخل سوريا.

عندما انطلقت الثورة، بادرت ناشد إلى تنظيم لقاءات كلامية مفتوحة أمام المواطنين، بغية تفريغ شحنة الأحزان والآلام، بسبب عنف السلطة الدموي ، وفي نفس الوقت الإبقاء على خيط رابط للحوار بين مختلف الطوائف.بيد أن الكلام، في مجتمع يحكمه قانون الصمت المطلق، يعتبر جريمة بكل المقاييس.

هو، إذن فرويد، يرهب بشار، كما يقض مضجع ، جميع الأتوقراطيين.

*باحث أكاديمي ومترجم مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق