حوارات هامة

كاتبة الأطفال “صباح سعيد”:

((الأم التي لا تكتشف موهبة أطفالها، هي أم لا تراهم ))!!

حاورها: محمد المطارقى

هى واحدة من المبدعات القلائل اللائى آثرن السكينة، بعيدا عن جعجعة المدن الصاخبة، المولعة بالزيف والدجل ..لم تعبأ ببقع الضوء المبهرة.. ولا بتلك المساحيق البلاستيكية التى يرتديها أدعياء الفن والأدب.. هى ـ بلا شك ـ صاحبة رسالة نبيلة.. استطاعت أن توظف ملكاتها من أجل توصيلها بالصورة التى ترتضيها.. تشبعت منذ طفولتها المبكرة بجدتها التى كان لها الأثر الأعمق على شخصيتها.والتى أسهمت الى حد كبير فى تكوينها الأول.. لتكتشف الحياة من خلال سلوك هذه السيدة الرائعة، وتنغمس فى نهر حكاياتها العذب، الرائق..المتدفق، وتنساب فى نعومة محببة لتستخلص منه الأبهى، والأجمل.. والأروع من الحكايات المبهجة، الملونة كقوس قزح ، الساحرة كابتسامة طفل يحاكى وجه القمر، لتهرع ـ هى الصغيرة ـ الى صويحباتها تحكى لهن بطريقتها الماهرة حكايات من نسج خيالها ، لتكتشف قدرتها على الحكى. لتتحول حكاياتها المعجونة بالطزاجة إلى سلاسل من الذهب الخالص يتم نشرها فى مجلات الأطفال بمصر والعالم العريى ، ومجموعة من الكتب الماتعة، المدهشة والتى حازت فى البعض منها على جوائز. ضيفتنا كاتبة الأطفال الرائعة ” صباح سعيد” صاحبة أجمل الحكايات.. والى آثرت أن تنأى بنفسها عن المهاترات.. وألاعيب الحواة التى لا تحسنها، ولا تمتلك مهاراتها.. فهى تكتب فى صمت، وتطرز صفحات المجلات بأروع القصص والألحان.. وهاكم الحوار:

مالذى يمكن أن تحكيه لنا كاتبة الأطفال “صباح سعيد” عن زمن الطفولة والبراءة، والنظرة المدهشة للعالم.. والأحلام المبهجة.والبيئة المحيطة؟
الطفولة عالم أصبحنا ننتمي له ككبار الآن ولكن بشكل مختلف، نحكي عنه، ونحكي له.. أما طفولتنا الحقيقية فكانت دفء المشاعر والعائلة، والأرض، كانت اختلاف علاقتنا وتلقينا للمدينة بكتلها الخراسانية، والريف بحنان بيوته الطينية، كنت كطفلة أعيش بشكل مختلف عن إخوتي ومن حولي بعد أن أصرت جدتي لأمي، أن تأخذني من أسرتي التي تعيش في المدينة لأقضي طفولتي معها، وكانت جدتي تلك المرأة التركية ذات الشخصية الحديدية والقلب الذي يفيض بالحنان، التي تحدت أهلها أصحاب الأملاك والأوقاف المذهلة، وأحبت فلاح بسيط لأنها رأت فيه الإنسان النقي، وعاشت معه في قرية صغيرة وبيت طيني على مفترق الطرق بين الحقول الخضراء، والنخيل المثمر على جانبي الأراضي.. كنت أراها كل صباح ومساء وهى تنظر إلى الأفق الواسع تتابع الشروق والغروب، وكأن بينها وبينهم أسرارا..! كانت حقًا مختلفة، وأضافت إلى طفولتي عالمًا سحريًا.. وتميزًا بين صديقاتي، لأنها ببساطتها تحولت من ” بازادا هانم” إلى الخالة بازادا.. تلك السيدة العجيبة بين نساء القرية اتي تحرص جدًا على نظافة بيتها، وعلى أن تكون سلالمه الطينية معطرة بماء الورود، وأن تفوح رائحة النعناع البلدي من مزهريات طينية حوله، وأن تنبت بجانبه ريحانة، وشجرة فل.. وأن تكون لحفيدتها حكائة ماهرة لايضاهيها أحد في عالم الخيال اللطيف، وكنت بدوري أحكي لزميلات دراستي وأصدقائي وبنات الجيران عن “سنوايت” والثلج الأبيض العجيب الذي لا ينبت في أرضنا ولكنه يتساقط من سماء نقية أكثر منه بياضًا في ليالي الشتاء، ولا ينتج عن تساقطه طين أو وحل..! بل يتحول إلى عالم من الألعاب والتزحلق اللذيذ، و تحك لي عن ذات الرداء الأحمر وثوبها الحريري المذهل، وحقيبتها التي بها عشاء جدتها المريضة والذئب الذي يخترع الحيل لتكون هي عشاءه، وعن قصور عثمانية شاهقة جدرانها مطعمة بفسيفساء دمشقية تحيا على شاطيء بحر البوسفور الشفاف الماء ، وأسماء لأشجار لا يعرفنها كأشجار النارنج، والصنوبر، والكيوي، وعن شاطر أسمه حسن تصلني له كل يوم حكاية سحرية مختلفة نسجت معظمها من خيالها.. تعلمت منها الكثير من العادات، والسلوكيات الراقية، والكثير من الأشغال اليدوية التي كانت تصنعها بيديها لتجمل بيتها البسيط..
تلك الجدة التي لم يصالحها أهلها إلا بعد موت زوجها الذي أحبته، ورغم ذلك رفضت أن تترك عالمها الذي صنعته بنفسها، وجيرانها الذين أحبتهم، ووضعت بكل ما كان يأتيها من خير طبلية كبيرة مملؤة دائمًا بالطعام لكل من يمر ببيتها من البسطاء في طريقه إلى حقله، وموقد لا ينطفيء عليه براد الشاي بالنعناع يغلي ويفور بلا انقطاع..
كنت لا أنام إلا في حضنها الدافيء ذو الرائحة الطيبة.. و أنا أشعر بروحها.. تلك الروح التي فارقتها في ليلة القدر وهي صائمة.. رحم الله جدتي فقد كانت معلمتي الأولى وعالمي السحري الذي كان ينمو بخيالي كل يوم؟؟

أهم الكتب والشخصيات التى كان لها أثر بالغ على تكوينك الإنساني والإبداعي؟
في طفولتنا كانت مكتبة المدرسة تحتوي على كتب كامل كيلاني وهي في حد ذاتها ثروة لأنها جمعت في ترجماتها المبسطة بين الكثير من ألوان الأدب، أدب الرحلات، والقصص الفكاهي والحكايات الشعبية، والتاريخ، وأهم ما كان يميزها هو التشكيل، وكانت حكايات مكتبة مصر ذات السعر البسيط والألوان المبهجة كالمكتبة الزرقاء، ومكتبة الطفل، والمكتبة الخضراء التي مازالت تصدر من دار المعارف حتى وقتنا هذا.. ولا أنكر أنني كنت أتطلع دائمًا لأقرأ ما يقرأه الكبار رغم طفولتي.. فقد كنت أقرأ الجرائد التي يحضرها أبي رغم أني لم أكن أفهم الكثير مما بها لكن حتى القصاصات التي كنا نلف بها الساندويتشات كنت أسرح معها وأصر على قراءتها..
وأيضًا كنت محظوظة لأن زوجي الفنان “عبد الرحمن بكر” كان أول ما وضعه في بيتنا هو مكتبته الضخمة، قبل أن يسمح لبقية أثاث البيت بالدخول، وكانت هذه المكتبة عالمًا كبيرًا أشبع فضولي، وكان اهتمامه بأعمالي خير مشجع لي.

ثمة أديبات اكتشفن مهارتهن فى الحكى وقدرتهن الساحرة على نسج حكايات لأطفالهن.. أو لأحفادهن.. متى اكتشفت الكاتبة صباح سعيد قدرتها على الحكى، والكتابة للطفل؟

بدأت كما أخبرت في بداية الحوار بالحكي لزميلات المدرسة.. لكن كان المجال أوسع عندما قررت أن أكون لأطفالي كما كانت جدتي لي.. وكنت أعيش معهم طفولتهم وأستمتع معهم بالرسوم المتحركة، وفي المساء يطلبون مني أن أحكي لهم حكايات مختلفة لتوم وجيري، أو نقار الخشب، أو بطوط.. تلك كانت شخصياتهم المفضلة في البداية، وكنت أستخدم نفس طريقة الكارتون في الحكي لهم، وأضيف للحكاية ما أريد أن أوصله لهم من سلوكيات بشرط أن تكون نهاية الحكاية ضاحكة، وفي النهاية أنام أنا ولا ينامون.. بل يوقظونني مرات كثيرة لكي أكمل الحكاية التي نجحت في تشويقهم، فطار النوم من أعينهم، وذهب إلى جفوني.

لكم أعمال كثيرة تم نشرها فى مجلات عديدة مابين قصص سردية ، وأخرى مصورة.. أيهما أصعب فى الكتابة من وجهة نظرك؟

لا أستطيع أن أحدد.. فكل ما أعرفه هو أن الفكرة عندما تسيطر على عقلي، أسرع بتسجيلها على الأوراق قبل أن تطير، بأقرب وأسرع شكل.. لآن الطبيخ على النار، ولأن العمل في المجلات الأسبوعية، وخصوصًا إذا كنت تمتلك شخصيات ثابتة يستلزم ذهن حاضر وفكر متجدد، وصيد جيد للفكرة قبل أن تطير في الهواء.. وفي المساء يأتي دور التنقيح، وخاصة أنني كنت تحت اختبار كبير عندما ابتكر الأديب السعودي فرج الظفيري شخصية لطيفة الظريفة وكانت على اسم ابنته، ونشر منها حوالي عشرين قصة أسبوعية في مجلة باسم، ثم طلب مني أن أكمل الشخصية مكانه بشكل أسبوعي.. وبفضل الله نجحت في الاستمرار أسبوعيا في كتابتها لأربع سنوات متتالية حتى تم تغيير الإدارة بالمجلة وتكوينها بشكل مختلف مع اصطف آخر.. لكنني عملت مع نفس الرسامة الرائعة هدى المرشدي والتي عشنا تلك السنوات معًا في “عالم لطيفة”، لذلك ابتكرت لها شخصية أخرى بمجلة سمير وهي شخصية “شربات” تلك الفتاة البسيطة في الحارة المصرية، التي تتعامل مع عربة الفول، وبائع الكنافة، والمعطيات الشعبية المصرية. وكانت لي شخصية أخرى شهرية استمرت لسنوات بمجلة مكي السعودية وهي شخصية سارة، لكن الأفكار فيها كانت تخرج بصعوبة لتقيد الشخصية بالمجتمع السعودي الذي كان أكثر انغلاقًا عما هو الآن.. وكانت الموافقة على الفكرة تأتي بعد تعديلات أحيان تكبلها، وتطفيء بهجتها..
لكن أهم ما كان يميز تلك الشخصيات هو أنها عدلت سلوك أولادي أني كنت كلما رأيت خطأ منهم أحكيه في قصة من تلك القصص واظهر نتائجه السلبية بشكل طريف، وهم يتابعونها ويناقشونني بعدها.. مثال ذلك عندما أرادت ابنتي أن تغسل فستان عروستها الأحمر في الغسالة مع ملابسنا البيضاء، كان لابد أن تأتي الفكرة للطيفة الظريفة، وتفعلها دون أن تستأذن أمها فيفسد الغسيل الأبيض.

ماهى أهم الأعمال القريبة الى نفسك، وتشعرين أنها حققت حلمك فى الكتابة للطفل..؟

كان كتاب “نوسة لازم تتعلم ” والذي فاز بجائزة “سوزان مبارك” لأدب الطفل من أهم الكتب، رغم انه كان بالعامية البسيطة، لكنه كان يناقش قضية تعليم البنات، فالبنت حزينة تبكي لان اخوتها ذهبوا إلى المدرسة بدونها، لان والدها يقول ان البنات لا يجب ان تتعلم، وانها عملها هو ان تكنس وتطبخ، وعندما وجدت قلم احمر جميل أرادت ان تشخبط به على الحائط لكن القلم حذرها من ذلك واستمع إلى حكايتها، وطلب منها أن تكتب معنا على سطح الكرة الأرضية كلها “نوسة لازم تتعلم”..

لمن تكتب صباح سعيد.. بمعنى.. أى طفل هذا الذى تضعينه أمام مخيلتك لحظة التجلى الابداعى.. وماهى المرحلة العمرية التى تجتذبك أكثر للكتابة عنها ؟
أستمتع أكثر حين أكتب للمرحة الأولى، رغم صعوبتها وقلة عدد الكلمات بها، ورغم ذلك فهي مرحلة تحتاج إلى الحكي المباشر أكثر من الكتابة، فكم كنت أعشق في طفولتي صوت أبلة فضيلة وطريقتها المثالية في الحكي، وابتسامة عفاف الهلاوي، وكنت ادعي المرض لأغيب من المدرسة وأشاهد برنامجها، ولا أنسى بساطة بابا ماجد، وعندما رجعت إلى مجلات الإذاعة المصرية القديمة وجدت بابا بابا شارو، وعرفت قدرته الفائقة على فهم المرحلة السنية التي يكتب لها.
لانفرض عليه أن يكبر بسرعة دون أن يعيش طفولته الحقيقية، أن يلعب ويستمتع ويفكر، ويخطيء، ونصحح له برفق، ليخطيء مرة اخرى ويتعلم من الخطأ.

رأيك فى المناهج الدراسية.. والنصوص الأدبية التى تتضمنها .. وقدرات المعلم التى تمكنه من الوصول الى التلميذ تاركة أثرا سلبيا ..أو ايجابيا يظل ملاصقا له طوال حياته؟
لا أريد أن أقول مع الأسف، ومع الأسف وووو.. لكن حقًا التعليم يتحرك بشكل غريب في الاتجاه الخطأ.. رغم محاولات الإصلاح الكثيرة فالنصوص غريبة، وكلها تتحول إلى نقاط يجب أن يحفظها الطفل.. كل شيء قائم على التلقين لا الفهم.. خالي من المتعة.. انا اعتدت أن أشرح لأطفالي كل دروسهم، وأصبحت اجد صعوبة في أن افهم ماذا يريد ان يفعل واضع المنهج.. كانت لي صديقة في طفولتي كلما انتهت من امتحان مادة من المواد ” تتشقلب لتكون رأسها في الأسفل وقدميها في الأعلى لكي تُفرغ المادة حتى تجد مكانًا للمادة التالية!.. هذا بالفعل ما هو عليه التعليم الان، لأنه المطلوب هو ان ينجح الطفل فقط ويحصل على شهادة،لأن ما سيجده في في عمله في المستقبل شيء مختلف تمامًا عما تعلمه شيء يحتاج إلى كورسات وتدريب لا إلى الشهادة فقط.

ألا تعتقدين أن الطفل فى مجتمعنا مهمش.. وكذلك المبدع، ولايتم النظر اليهما بالقدر الذى يليق بهما ؟
بالعكس الطفل ليس مهمشًا وما تضعه الدولة له من خطط وبرامج وجهد شيء كبير وعظيم.. لكن المشكلة التي نعاني منها دائمًا هو وضع الشخص الغير مناسب في المكان الذي يحتاج إلى متخصص، أدباء الأطفال يصارعون الحياة فهم رغم ارتضائهم بأن يعملوا عند طفل لا يهمه أن يعرف أسمائهم.. لكنه يسعدهم وجودهم في عالمه.. إلا أن العالم المتاح لهم محدود ومرتبط بمجال النشر، ومجلات الأطفال تتوقف عن الصدور واحدة تلو الأخرى، ورغم ان ساحات العمل المباشر مع الطفل وله كثيرة وواسعة لكن مكتفية بدرجات وظيفية، حتى وان كانت لدارسين في المجال، ومتخرجين من كليات رياض أطفال لكن لا يوجد خبرات إبداعية تشرف عليهم وتضيف إلى خيالهم

من واقع خبرتك كأم ، وكاتبة فى مجال الطفل..كيف يمكن للأم أن تكتشف موهبة طفلها.. ومالذى يتوجب عليها فعله؟
الأم التي لا تكتشف موهبة أطفالها، هي أم لا تراهم.. لان الطفل لا يتوقف عن التجربة والمحاولة والمتابعة.. فهي كل يوم ترى يده وتحكمها في الأشياء وأذنه، وتمتعها بالأصوات، وحركة جسمه، وعينيه ومتابعتها للحركة، والأضواء.. ترى قدرته على الفك والتركيب، على استعمال القلم و الألوان.. ترى ذوقه واهتماماته، ترى انطواءه، أو حبه للظهور، وحينها يجب أن تعرف وتسأل وتحاول حتى لا تترك كنزه الذي بداخله يضيع سدى.

وأخيرا رسالة تودين تقديمها فى نهاية هذا الحوار؟

عالم الطفولة عالم سحري ومن حق أطفالنا ان يحظوا بما يحظى به أطفال العالم المتقدم.. من حقهم أن ينالوا الرعاية الكافية، وان يستمتعوا بالخيال الجامح.. بالخطأ والتصويب، لكي يستطيعوا ان يكملوا البناء دون تشوهات في الفكر وخيال مريض، وعنف لا مبرر له.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “كاتبة الأطفال “صباح سعيد”:”

  1. شكرا المحاور والمحاورة علي هذا الفيض الطيب من الفيض الإبداعي ودائما ايها المبدع المتألق حواراتك متنوعة حسب ميول واتجاهات وعوالم كل ضيف …وصباح سعيد كاتبه ذو لون ابداعي له القه وبريقه الخاص في عالم أدب الطفل والناشئين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق