ثقافة النثر والقصيد

أسطول الدُوري المراسِل

ميشرافي عبد الودود

أفسحوا

يا شعراء الرثاء

للدُوري الذي يخترق صفوفكم

ليصافحني

بأجنحته الممدودة

بأمل لا رجعة فيه

أفسحوا لمبعوث العصافير

ليعلّمني

درس النجاة المجنّحة

دائما بإرادة الحياة

هبطتَ من استعارات الطير

من فرارٍ ممعنٍ في الريش

من فطامٍ في الريح

يكفيك

من الأفق ثقوبُ الآجُرّ

يكفيك من الألق

أن تظل غيمةً من الغبار

تطاردها الأحذية

من رصيف إلى رصيف

واثقا من شغبك الصباحي

من صليل الأجراس

واثقا ترمي بنفسك نردا

في مهبّ أقدارنا

الفصولُ دكانك المفتوح

دوما للمعاش

***.

حريّ بك أيها الدُوري

أن تغادر ثقوبك الملاصقة

لشجوننا

بخيوط متدلية تغزل الثرثرات

مؤجّرا الشقق المفروشة الفاخرة

للسنونو المسافر

عبر البحار البعيدة

طابعا بريديا أكيدا

فيما لا تفكر سوى في شؤون المارة

رافعا سياج الصباح كل صباح

مكتبا للإبلاغ عن مفقوداتنا

حرِيٌّ بك أن تمطر أشجار الفصول

بمناقير الفرح تشقّ في كل ثمرة

ابتسامة الأمل الصغيرة

حرِيٌّ بك التمسك بالغصن المترجّح للدالية

بعيون ثملة تجتهد في حصر الصور

متقافزةً من الإطار المرتبك في تهافت العناقيد

في النسيان الذي يفرغ الحوصلة

من الأبدية المقضومة على الغصون

زيتونة زيتونة بعضّة واحدة

حرِيٌ –

***

ها قد أطبقتِ الحرب بقبضتها

على طيرانك السكري

لكنك جسارة الجناح الطائر

ضاحكا في الفخاخ

من قناصة يلمعون بأكمامهم

بلورا غائمَ التصويب

مؤخِرا هطول الرصاص

بجناحٍ واحد من نجاة الضحية

في تشويشكَ على البثِّ الحي للدم

***

الأطفال الذين يتكاثرون شواهدَ

على قارعة الحرب الأكذوبة

بشقاوةٍ محرِّضةٍ تهشُّ

لهطول الرصاص الاعتيادي

في الغرف المنبطحة بنزلائها

يهلّلون فرحا

بصحوِ الدوري المشمس فورا

شتيتَ شمسٍ منفرطة العناقيد

حتى يسع أناملهم الصغيرة

استجماع ذاكرة

رشاشاتٍ أصيبت بالرعاش

خراطيشَ رصاص فااارغة

في ارتخاء القبضة الخائفة

***

المدن الهائمة

تفرُّ مذعورةً من زحام الجثث

في عربات كلاب ضالة تعاف أنوفها

رائحة القديد الآدمي الشنيع

على أرصفة القتل العشوائي

اليد المقطوعة تستغيث

ملوِّحةً من بين الأنقاض

لاستيقافِ

حذاءٍ يواصل السير قُدما

في ساقيه المبتورين

متعجِّلا تجميع قطعِ غيّارِ

الجسد العنقودي

من جديد

في مشتل الأشلاء

بتحول حفار القبور إلى بستاني

حارس على سهر حدائق الموت

حيث تزهر الأيادي عبادَ شمسٍ

لا يكفّ عن الدوّار في أصص السهاد

تتطاول الآذان شجراتِ صُبّار

تعتلي مئذنة البكاء

تتفتح جراح الرؤوس المضمدة

كرمبا هلوعا بالغ التلفيف

فيما تشتعل الأصابع بتُويج

من الدمع أبيضَ عند الأطراف

ألهذا أيها الدوري المتهور

تتقدم مواكبنا بمتاريس هرْجك

مفتتِحا سِفْر الخروج الأول

بهرطقة صلواتك الصاخبة المنشقة

عن خروج الآلهة من الصلوات

ألهذا أيها الدُوري المتهور

يسير الأطفال والعجائز

مدحرجين حقائبهم على الفقدان

تحت مظلات الريش المرافقة

بأسطول الأجنحة دائمة الخفقان

خطا دفاعيا جويا أخيرا

من مسالخ آكلي قلوب البشر

حتى تخوم مخيمنا الشتوي

على حافة السماء السورية الأخيرة

تاركا للصبية دمية شهواء

تغمز بعيونها ساخرةَ

من مجزرة

تستظل في قيلولة الضجر القصيرة

بأعضاء نسائنا التناسلية

ألهذا أيها الدُوري المتهور

تهمي مطارقَ على حبال التهجير

كي تصفِّق الريح المفجوعة عاليا

على القماش المشدود

طبولا متقرِّحة

في خيمة الشتات الأولى

حيث تركع الشموع المريمات

في محراب عيون الطفولة

مفزوعة

من انعكاس القيامة على شفوف اليتامى

***

لا ليست الحرب صيدلية المرضى

بل كذبة الصيدلي العذبة

في إيهام سِلمٍ يتهاوى

في آخر الطابور

بانتشار عدوى

أنفلونزا الربيع العربي

ربما نحتاج إلى تنظيف الهواء

من لُقاحِ الدم بالمبيدات

حتى تتعافى طبائعنا

المتوجسة من رحيق الأزهار

من وعكة حساسية عالية الدوار

آنَ خرجنا على عجلٍ للنزهة

في عيد شمّ النسيم الأول

بلا بشارة سوى فوضى صغارك

المفقوسة للتوّ في أجراس السنونو

المعلّقة على انتظار جدراننا

بإضاعة

الطابع البريدي الأكيد

طريقه المعتاد إلى صندوق الربيع

***.

هيّا أشعل نهاراتنا

نهاراتِ الغضب المعدني

شرارة شرارة

مقامرا مواقيت الدم بطيشك

وبشغف إطفائي جسور

أنشُر حرائقك العذبة

قبل أن تباشر إخمادها

***

مساء الحبّ أيتها الحرب

هيا أعدّي فجور السهر

لامتهانٍ يطول حتى الصباح

أعدّي مؤخرتك الجائعة

لركوب عجول للكمرة

البنادق التي بالغت في مديح فحيحها

أفاعٍ منزوعة السم تستريح على الأكتاف

الأحذية البطيئة خطىً رتيبة إلى المواخير

أهرقتْ ما يكفي من المروءة

فهي في أمسّ حاجة إلى فسحة جنس

صغارك أيها الدوري التي نبتتْ ذقون ذكورها

تحت إحداثيات القصف فوضى أجراس

تمعن في الاقتراب من خوَرِ السيقان

تمعن في التحرش من استقالة الرشّاش

مؤقتا

من دم طريدٍ في توكيد الضحية المتفردة

من انسلاخ نسغ الشجرة عن فؤوس الغصون

مستبيحة الأرض الفضاء

شبرا شبرا

بزردٍ منثور على بداهة الحماقة

بصخبِ أبواقٍ مرحةٍ تستحث الحياة

بأطفالها الملاعين

على عبورِ ممرٍ فادحِ النحول

بين الرصاص

أيها الدوري المنهمر سيولا غزيرة

تكنس غبار المعارك

في استيلائك

في أصغرِ مساحة زمنية شاغرة

في رفّة الجزء الحائر من الثانية

بمراسلين مُجنَّحِين بشغب الحياة

حصريا على حقوق البثّ المباشر

بخروج آخر حذاء عسكري من المشهد.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق