قراءات ودراسات

جمالِيَّة التَّخَيُّلِ الشِّعْرِي

قراءة للمجموعة الشعرية " مجالس العشق والإدراك " للشاعر المرحوم من دالية الكرمل مُعين حاطوم طاب ذكره

ابراهيم مالك*

وجدتُني، قبل أعوام، أتناول، قراءة وتأمُّلًا مرّات عدَّة المجموعة اشعرية ” مجالس العشق والإدراك ” للشاعر الكرملي ، ابن دالية الكرمل، مُعين حاطوم.
أقرأها قراءةً فاحصة ومُتأمِّلة. وكان عند قِراءَتِها الأولى أثارت فيَّ أسئلة كثيرة، أهمها سؤال الجمالية، الجمالية المفترضة أو الجمالية الفنية والمُتخيلة .
ولا شكّ في أن الانطباع الأول الذي خلّفته هو أنّ معين يتمتَّع بلغة طيِّعَةٍ، شديدة الشفافية والتنوّع ، ويتناول مضامين غير مسبوقةٍ في أدبنا وفكرنا المحليين، من حيث النوعية والاستمرارية، فخيط رهيف يربط بين كل ما يكتب، يحسبه المرء لأوّلِ وهلة تكرار الشيء ذاته، لكنها، أي كتاباته، هي شكل من التنويع الذي يقوده بحثا عمّا ينشِدُ ويتوخّى. انّه كالباحث الجاد في بحثه عن ذاته فيما يكتب ليجد ذاته الانسانية الجميلة.
من الأمور اللافتة للانتباه، سألت نفسي، من أين تأتي هذه الجماليّة المُتخيلة والخلاقة وما يستتر وراءها؟ وقد لاحظت في قِراءاتي المتعدِّدة والمتنوعة أن مصدر هذه الجمالية يعود أساسا الى ما سأسميه: خلق الوهم المُتَخيَّل.

من اليسار الشاعر الراحل معين حاطوم ، طاب ذكره ، الوسط الفنان التشكيلي جمال حسن وعلى اليمين ابراهيم مالك

فحين يخلق الإنسان وهما مُتخيَّلا ، يسبغ عليه صفات متخيلة كذلك، يستدعيها في ذهنه من عالم اللامعقول في لحظة لا وعي. أي ان تلك الحالة، الموحِيَة، هي في الواقع خلق تماس وانسجام ذهني بين الوعي واللاوعي . وهو ما يميِّزُ الشاعِرَ المُجيد عن غيره.
كذلك هو شاعرنا معين .
فالإنسان خلق ذاته الالهية في لحظة لا وعي ورهبة من المجهول المبهَم ولحظة رغبة في الوصول الى المعرِفة. وكان “يدرك” في لا وعيه لا منطقية ما يتصوّر، فصار دائم السؤال والبحث. لكنَّه رغبة في الانسجام والتعايش المستسلم مع وهمه، ان صح هذا القول ، زيَّن لنفسه مخلوقه وأسبغ عليه صفات تعكس نقيض واقعه هو، كالخلود، أي التواجد خارج المكان والزمان (نقيض واقعه المحكوم بجدلية الموت والولادة، فكلا هذين النقيضيْن هو الحيا)، وكلّية القدرة (نقيض العجز) هي واحدة من سمات الآلِهة منذ القديم، وسمة أخرى هي أنّ الإله واسع الرحمة (وهذه السمة هي نقيض واقعِنا الإنساني المّعاش والخالي من الرحمة الانسانية في حالاتٍ كثيرة) وغير ذلك. وهذه الحالة، حالة الوهم، نشأت في الواقع في أعقاب مرحلة انسانية، تميزت بهيمنة السحر على العقل الانساني. والسحر هو خلق حالة من الوهم، تزيِّن للمرء الانسان أنه يشهد شيئا من الخوارق المخيفة او المهدِّئة والمحبَّبة، يصدِّق في لا وعيه أمر حدوثها وان كان تصديقها من الأمور العصية. فهي مما لا يُصَدَّقُ حينَ تنكشِفُ حقيقتها بالتساؤل العقلي وتتعرض لمجرد التشكيك بها والامتحان.
ولو أخذت مثالا على ذلك كبار شعراء الصوفية العرب : كابن العرب، الحلاج، ابن الفارض وغيرهم، فإن جميل شعرهم نابع من خلق التماهي بين مخلوقين والانسجام الكلي بينهما حتى التماثل، الذات الالهية والذات الانسانية، التي تتمثل بالمحبوبة والمعشوقة. ومن الملاحظ في مثل هذه الحالة أنَّ الشاعر المعني يستخدم مواصفات انسانية، مستمدَّة من واقعنا الأرضي والمجتمعيِّ المعاش، حين يتحدَّث عن ذاته الالهية الما-وراء أرضية.
اقرأوا معي جميل ما يكتب معين في مستهل ديوانه المذكور سابقا:
وحين هللتِ على مشارف النظر
بدعة ضوء يتراكض أمامها الليل ذعراً
وحين ابتسمتِ وهمستِ ، أيقنتُ :
لأن الشمسَ ما كانت
أشرقتِ أنتِ !!
أشرقتِ انتِ !!
فأضأتِ صومعة الألمِ
وأحييتِ اللهفة في لحدِها
ورحلتِ !

شعر رقيق وجميل لا شكّ في ذلك.

لكن ما لفت انتباهي هو أنَ شعراء كثيرين مُبدِعين، وبينهم معين ،حين تطرّقوا إلى الذات الالهية، التي ينسب اليها خلق الكون من العدم ، ينظرون اليها ذاتا أنثوِيَّة، تخاطب (بأنتِ). وان كنت لا أستغرب ان تسبغ كل هذه المواصفات الجمالية الإنسانيَّة على الذات الأنثوية، فالمرأة هي أم الحياة وأصلها وهي تكثيف للجمال الإنساني المتصوَّر. ومصطلحات اللغة المستخدمة في مثل هذا الشعر ، وهو الأمر الطبيعي، هي مصطلحات مُستمدَّةٌ ومنحوتة من عالمنا الأرضي ومن واقعنا المعاش، من مثل :
أشرقتِ، هللتِ، أضأتِ ورحلتِ .
ولا يغيّر في هذه الملاحظة واقع استعمال لهجة ذكورية في المخاطبة الشعرية في مواقع أخرى. وحتى في هذه الحالات تكون حالة من التحبّب:
كأن تقول يا حبيبي،
ففي ذلك المصطلح تصلح مخاطبة المرأة أيضا.
أسوق مثالاً آخر من الصفحة 41 عن الكمال الغارق في لا شكله، فهو كمال أنثوي:

في البدءِ لم تكن الشمسُ
لم يكن القمر
لم تكن النجوم
كان الكمال
الغارق في لا شكلِهِ
وكانت عيناكِ …
صحيح أنّ معين يعني في الظاهرِ كمال الذات الإلهية ” الكمال الغارق في لا شكله “، لكنه من حيث لا يقصد وربما يعني في لا وعيه كمال معشوقته المتخيّلة ، كمال المرأة كذات انسانية، أو كما يتمناها في لا وعيه أن تكون.
أحسب أنَّ شاعرنا معين وهو يتحدَّث عن ” الكمال الغارق في لا شكله “، فإنَّه وللحقيقة لا يبرح “جلده الفلسفي” ولا يخرج منه. فمعين هنا يتحدث عن الذاتين المتخيلتين، ألذّات الألوهية والذات الإنسانية ( المرأة المعشوقة )، ويخلص إلى أنَّهما فريدتان ، لا مثيل لهما، إذ لا شكل لهما، ومن لا شكل له لا شبيه له .
وهذه قمَّة العشق ، في نظري ، أو أعلى مدارجه وتجلِّياته .
لنقرأه في الصفحة ذاتِها :
منذُها …
يتورَّط الورد
كلّما مرَّ عطرُكِ في بساتينه
ويتلبَّكُ البُلبُل
كلما لمسَ همسَكِ
أغاريد الحساسين ….
وما أرق ما يكتب في الصفحة 91 :
سكب المساء بين شفتيكِ
خَمرَةَ الضوء
وفي خُضرَة عينيكِ
مَزَج الشفقُ مفاتن العشق
حرَّةٌ أنتِ يا صديقتي كالطيرِ
وجارِحٌ صدُّكِ
كمخلب النسر ..
ويكتب في مكان آخر ، في صفحة 118 ، مخاطبا معشوقته المتخيلة:
فحُسنكِ لحنٌ
ثغركِ رخيمٌ
الجسد خبزٌ
وشوقي جائع …
خيِّمي يا راحلة
في صحراء الصد
فوق حلمي وعرِّشي
كدوالي الكرمل
فما تحلَّبَ من طيفك : خّمرٌ
وما نزَّ مِن شهدِكِ : شِعرٌ
في هذه العجالة السريعة والقصيرة لن أستطيع تقديم أمثلة أخرى عن هذه الجمالية المتخيلة المبحرة خلف المنطق الى عوالم شفافة الجمال:
سماوية وما وراء أرضية،
هي في حقيقتها نتاج خيال شاعري عاشق ومبدع ، يتولَّد في حالة لاوعي حالم ، كالخمر الذي يتحلَّبُ من طيف المعشوقة وينزُّ من شهده.
ومثل هذا الشعر الجميل لا يكون الا حين يغمر الشاعر دفق شعور، يتماهى فيه مع من يحب :
الذات الإلهية والأخرى الإنسانية .
وقبل الختام أحب أن أؤكد أن الديوان زادني قناعة أن من أجمل الشعر وأبلغه شعورا هو ما كان مختزلا وموحيا . فلنقرأه في صفحة 135 يخاطب الكرمل :
المكان الذي عشقه ، فكان الضلع الثالث الجميل في مثلث عشقه ( الذات المتخيلة ، الكرمل وإنسانيته ) ، يخاطبه فيقول :

قال الكرمل :
ويحك أيّتها الوِحدةُ
قالها وبكى
قرأت هذا المقطع أكثر من مرّة، مسائلا نفسي عن أيَّة وِحدة يتحدَّث معين ؟ ووِحدة من يعني ؟ أوِحدته ؟ وهو المحبوب في بلده وبين ناسه ، صحبه ومعارفه ! أم هي وحدة الشاعر في حلمه المستديم ، الوحدة التي تمليها ذاته العاشقة والمتأمِّلة.
فالشاعر الحق لا يمكن أن يشعر إلاّ بوحدته، التي هي من ضرورات معايشته حالة اللاوعي ،التي تسبق ولادة الإيحاء الشعري الذي يعيشه و يتنفسُّه. هل رأى مُعينُ الشاعِرُ تماثلا بينه وبين الكرمل ، فتحدث عن وحدته ،أيّ تماهىٍ جميل هو هذا التماهي بين العاشق والمعشوق ؟
وإذا كان يعني هذه الوحدة ، فما سرُّ هذه الصرخة الدامعة؟
ويحك أيتها الوِحْدَة
قالها وبكى
أهو الاغتراب عن مجتمعه الصغير والكبير، المجتمع الداليوي والإسرائيلي الأوسع بشِقّيه العربي واليهودي؟ وهو الاغتراب الذي يعيشه الشاعر خاصة في أكثر المجتمعات الإنسانية!
أم أنه ألم ولادة القصيدة ؟ أم الوجع الذي يعيشه كل من يتأمَّلُ حالة عالمنا وإنسانه اليوم ولا يمتلك عجز الثور ليدير ظهره للألم الإنساني المتعاظم؟
وما أروع هذه المفارقة المُختزلة والموحية ، حين يقول في صفحة 197:
تشرِقُ شمسي
ويبدأُ كلّ يوم صباحي
في المساءِ …
في المساء يبدأ صباحي
حين أراكِ !
وكم تبهرني هذه الرقة الموحية والمُختزلة الطالعة من ثنايا صوت:
أيُّها الزورق شراعُكَ يرفرف
كأهداب حبيبي
أيها الزورق تنقصك الأمواه كي تبحر
أيُّها الزورق ينقصك حبيبي
أعترف أن العجالة القصيرة والسريعة هذه لن تستطيع شمل أكثر ما في الديوان من نصوص جميلة وباعثة على الدهشة المفرحة. وسأكتفي بأن أجدني منساقا ومردّدا مع معين(صفحة 77):
أتوني بحبٍّ
أنصهر فيه حتى التماهي
وينصهر فيَّ حتى التوحُّد
دون أن نتشوه
دون أن نتغيرَ
ودون أن تذوي فينا
أحلامنا الوردية ..
وكأني بمعين يبحث بذلك عن حبه الأسمى ، حب ذاته الإنسانية الحالمة والعاشقة . والحبُّ هنا لا يعني حبّ المعشوقة المتخيلة ، بل ما هو أبعد من ذلك .
ديوان معين ” العشق والإدراك ” أكَّد مجددا أن الشاعر الحق يجمل به أن يكون عاشقا ، ذا نزعة فلسفية وذا خيال محلق ومتمكِّنٍ من اللغة.

*ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني جزائري الأصول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق