ثقافة السرد

فاتورة بثمن حياة

كتبها: احمد علي صدقي

جلس “خويا قدور” فوق عربته وقال لزوجته:
– مَحْتاج لْشِي دُعاء من عندك أزوجتي لَعْزيزة. ادْعِي مْعَايَا الله اسَهَّلْ عْلِيا. ثم ربط حصانه بعربته ذات العجلتين الكبيرتين والتفت الى الوراء ثم لطم الحصان لطمة خفيفة قرب ذيله ليتحرك، وخرج.
“خويا قدور” شاب في الأربعين من عمره. يكتب ويقرأ. لقب بهذا اللقب لحسن معاملته مع الشبان امثاله. اعتزل مقاعد الدراسة قبل اجتياز الباكالوريا بسنتين. والسبب هو احد اساتذته الذي كثيرا ما كان يسخر منه لجحاظ في عينه اليسرى. كان يلقبه بالجاحظ الناقص. كره “خويا قدور” هذا اللقب فترك المدرسة بكاملها لهذا الاستاذ الذي كانت تنقصه ميزة من ميزات الاستاذية وهي حسن التعامل مع تلاميذه.
“خويا قدور” يعبر الزمان بعفوية ليس لها مثيل. كان يواجه صعوبات الحياة بحزم وعزيمة لا يضارعان. ولكل شيء اعترضه في طريقه كان يعرف كيف يسدد له مقاومة تحصنه منه في الحال.
عربة “خويا قدور” بحصانها وهبتهما له زوجة جاره عندما فارق الحياة. لم يكن لهذا الجار اولاد. عرضت زوجته هذه العربة على “خويا قدور” ليستعملها في اشيائه لأنها لا تقدر هي على استعمالهما. قدمتهما “لخويا قدور” مقابل ان يمنحها دريهمات حسب ما يربحه في كل شهر. قَبِلَ “خويا قدور” العرض، وأصبحت العربة بعد هذا هي وسيلته التي بها يشق طريقه لمحاربة الفقر و الضياع. هي عربة قديمة جدا. عربة ليس لها من العربات الا الاسم. عجلتان كبيرتان وهيكل حديدي ولوحات خشبية واعواد مختلفة غير متساوية التقطيع، جمعت من هنا وهناك وشدت بينها بحبال وبعض المسامير على هذا الهيكل الحديدي. تمكن “خويا قدور” من ادخال بعض الاصلاحات عليها حتى تتماسك اخشابها واعوادها ليستقر فوقها ما يحمله عليها. كان الاطفال يسمونها مدفع “خويا قدور” لأنها حين تكون واقفة امام الباب بلا حصان تمد دراعيها الى السماء كأنهما مدفعان بالمرصاد يترقبان بروز اي عدوي ليحطماه. اما الحصان فكان خَامِصُ البَطْنِ ، مُتَقارِبُ الضُّلوعِ طويلا هزيلا تكاد جنباه تتلاقى لرهافته. أصبح هو الآخر بجلده وعظامه ورقته شيئا متحدا مع اللوحات الخشبية التي تُكَوِّنُ العربة. انها آلة “خويا قدور” التي يقاوم بها صعوبات هذا الزمان الذي لا يرحم. أصبحت اذاة تعينه على محاربة فقر عائلته ويحاول بها ان يوفر ما يطعم به العائلة ويعطي منه لجارته الارملة ويُدَرِّسُ منه ابنه أحمد في العاشر من عمره وابنته عائشة ذات السبع سنوات. لم يتزوج “خويا قدور” صغيرا لأنه كان يحلم بالذهاب الى ايطاليا ليجمع الليرات ويشتري منزلا وسيارة ثم يتزوج بابنة عمه فطومة التي ظلت تنتظره حتى سن الثلاثين. وعندما يئسا الاثنين من ايطاليا وليراتها استسلما لقهر البلد واهله و تزوجا بعد ان اخذ الزمان منهما ريعان شبابهما. وهذا التأخير في الزواج انجب لهما أحمد وعائشة في هذا العمر المتأخر.
كان “خويا قدور” راضيا بما قسمه الله له. يقوم مبكرا ويربط حصانه الهزيل مع عربته المنهكة مودعا بيته ومن به فلا يرجع حتى المساء. يرجع ومعه من قليل الطعام ما به يسكت أطيط بطن احمد وعائشة وامهما فطومة. كان عند رجوعه في المساء يأخذ أبنائه ومعهم جميع اطفال الحي من مدرسة بالطريق كان بها قسم واحد ومرحاض واحد. قسم قديم مهترئ لا قفل لبابه قد اطلق عليه خويا قدور اسم “وزارة التعليم” ولا احد يعرف الدافع لهذه التسمية. كل مساء كان يمر بنفس الطريق وعندما يقترب “بوزارة التعليم” يسمع صيحات الاطفال وهم يقفزون ويرددون:
– “خويا قدور” مقبل يا من تحب الركوب معه عَجِّلْ. اسرع واستعد للراحة و سماع قصص فوق عربته المرتاحة. المفروشة بحصير وتسهل المسير. خويا قدور مقبل…الخ
كان يحب الاطفال كثيرا. ويعطف عليهم ويأتي لهم معه بالحلوى. يمنح لكل واحد منه حبة بلون مخصص. حتى اصبح يضع هذه الحبوب في كفيه وترى الاطفال كل واحد يأخذ الحبة التي باللون المخصص له. كان خلال نقلهم معه الى ديارهم يقص عليهم اثناء الرحلة التي تدوم الربع ساعة قصة “عزة ومعزوزة” والبنت والغول و غيرهما. كان يبدأ سرده بما يعجب الاطفال فيرددون معه جماعة: كانْ يا ما كان، والكونْ مَا لْكُو الرّحمان، حتى كان لحبق والسّوسان، ونصلـّيوْ على نبينا العدنان… ثم يسرد حكايته.
كان “خويا قدور” يقضي يومه في السوق، يحمل قفة هذا، وخضر ذاك وكبش هذا ومعزة ذاك، حتى يقترب وقت خروج الاطفال ويتجه نحو و”زارة التعليم” ليلتقي بأصحابه الاطفال يحكي لهم حكاياته ويوصلهم لمساكنهم.
كان يعيش باليسير. مرة يجمع القليل ومرة اكثر منه بقليل. كان المبلغ الذي يجمعه، يصرف منه للعائلة ويختزن منه ما يدفعه لجارته الأرملة، كما كان يلم منه ما هو ملزم بدفعه شهريا كثمن كراء لرخصة من الجماعة القروية يزاول بها عمله كنقال، وهو 300 درهم.
قل دخل “خويا قدور” و تكاثرت عليه المصارف حين ظهرت “سيارات الهندات” فقضت على العربات. كان المسكين في بداية كل سنة دراسية يذوق الامرين، فما يتطلبه الدخول المدرسي من ادوات ومن لباس ومن نقل يقلقه ويمرضه. كاتب رئيس المجلس القروي ليعفيه من ثمن الرخصة ولكن لا حياة لمن تنادي. لم يجد الا ان يقلع المسكين عن تأدية ثمن الرخصة للجماعة لمدة خمسة اشهر فأثقلوا كاهله بمخالفة قدرها 1500 درهم ومعها اعلان بانه اذا لم يدفع في مدة اسبوع ستحجز عربته. وكان من البديهي أنه لن يستطيع الدفع فحجزوا له الحصان. توسل لرئيس الجماعة وطلب منه مهله لجلب القدر، أو على الاقل يأخذ العربة ويترك له الحصان يركبه الى السوق ويجمع به بعضا من الدراهم ليسدد هذا الدين. لكن كان الرفض هو الجواب النهائي لطلبه. وكأنهم تضامنوا مع الزمان ليزيدوا من همه. بحث “خويا قدور” عمن يقرضه المال لكن بدون جدوى.
ماتت جارته التي اهدته العربة فأصبحت ملكا له لوحده ففكر في بيعها لسداد دينه. باع العربة ب 1000 درهم وقبل نهاية الأجل استطاع ان يجمع 1500 درهم لاستخلاص المخالفة.
بعد ليلة مؤرقة لم يدق فيها طعم النوم استفاق صباحا واتجه الى مكتب الجماعة. ذهب ليؤدي ما عليه ويسترد حصانه لكن بعد الاداء نزل عليه خبر كالصاعقة. ذهب ليخرج الحصان من الحضيرة فاخبروه بانه ملزم قبل إخراج الحصان بدفع فاتورة ب 3000 درهم ثمن اقامة وأكل الحصان خلال شهر.
خرج “خويا قدور” من مكتب الجماعة وقد اظلمت الدنيا في عينيه وكره الجماعة والحي والناس اجمعين. اشار بلجام حصانه الى الرئيس ثم وضعه فوق كتفه وخرج.
انتظره الاطفال، لا ليركبوا عربته، ولكن فقط ليمشي معهم في الطريق ويحكي لهم حكاياته الجميلة. و انتظرت زوجته واولاده عودته لكنه لم يرجع لهم وفي الغد وبعد غياب نوم ذهبت الزوجة الى مكتب الجماعة تبحث عنه فأخبروها بأنه ترك حصانه وغادر الجماعة بعد ان رفض ان يؤدي ثمن اقامة الحصان في حضيرة الجماعة.
همت الزوجة بالرجوع الى منزلها لكي ترى ماذا هي فاعلته. لكن قبل الخروج رن هاتف الرئيس ليعلن ان هناك خبر عن “خويا قدور” فنادى المرأة بأن تنتظر. اخبر الاستاذ الذي يدرس بالقسم المسمى ب”وزارة التعليم” انه وجد بداخل القسم لجام حصان ورسالة مكتوبة على سبورة القسم تقول:
الى السيد رئيس الجماعة القروية
لقد بلغ الضجر في نفسي حداً فقدت معه الرغبة في الكلام .. بل وفي كل شيء .. واليوم أكثر ، وأنا ارغم على تأدية فاتورة لحصان أكل 3000 درهم في شهر. فهل كنتم تطعمونه اللوز والموز وكعب الغزال؟ لقد جعلني هذا القرار اكره الفرس ومن سهر على اكله ومن أعطى الاوامر لذلك. لقد تعبت من حمل أوجاعي .. وضقت من طول حرماني ..ومن سخافاتكم !! أصرخ اليوم عاليا في وجه كل من تسلم مواقع المسؤولية في قريتي.. وكل من رفعوا الشعارات والتصريحات والدعايات الانتخابية واوهمونا باننا قادمون في قريتنا على مستقبل واعد وحياة افضل لنا ولأجيالنا القادمة .. أصرخ في وجه كل من باع واشترى وتاجر بشعارات الشفافية والنزاهة.. والعمل لمصلحة القرية… فلا سلام عليكم يا من همكم جيوبكم وأف من تدبيركم والى اللقاء عند من لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها.
سمعت الزوجة الرسالة وخرجت تبكي متيقنة ان زوجها اما غادر القرية واما غادر الحياة.

كتنها احمد علي صدقي في 6 فبراير 2019
طالب بالكلية المتعددة التخصصات بخريبكة المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق