ثقافة السرد

سديم الجبّار

أمينة الحامدي*

في اليوم الأوّل انفجار عظيم، انفجار يخرق الصّمت مُعلنا انبثاق السّديم. سديم الجبّار قُماشة بهيّة الألوان وعناقيد نجميّة تبرق من بعيد. عشتار، إلهة من زمن قديم، نجمة الصّباح، ربّة للخصب وبوّابة للحياة. أمّا يمّ فهو الماء الدافق، وبه كان كلّ شيء حيّ. الإنسان خلق بديع يهوى التعالي، ولأنّه كذلك فقد قفز عن تلك القُماشة بحثا عن مملكته المُشتهاة. خلف السّديم فتاة تجلس لشجرة تين كثيفة الأغصان. طير بُوم يحُوم حول الشّجرة. رياح خفيفة تداعب شعرها المنسدل على كتفيها. تنظر الفتاة بهدوء ناحية الأفق، كمن ينتظر وحيا سماويا أو ضمّة ملاك على هيئة طير بألف جناح.

يمّ: “أنا لا أراك يا عشتار، دخان كثيف حجبك عنّي”.

عشتار: “هذه أنا من خلف السّديم، يقال إنّه أبعد مدى من أن يدركه البصر، وأعظم من أن تطاله قبضتي. فيه كواكب سيّارة ونجوم تولد وتنفجر في كلّ مرّة ضاق فيها الكون وهمّ أن يكون. وكالة “الناسا” الأميركيّة تقول إنّ نيزكا يهوي بسرعة وسيصطدم قريبا بكوكبنا الأزرق الجميل. أترانا ننجو يا “يمّ”؟.

يجيبها في أناته المعهودة: “إذا نجونا من النيزك، ربما لن ننجو من الإيبولا، ربّما سيحصد السلّ المقاوم للمضادات الحيوية أرواحنا في الأخير، ربّما تفسد خلايانا وتستحيل قاتلة، أو ربّما تفتّتنا قذيفة إلى أشلاء ويصعب التعرف علينا بعدها، أشلاء متفحّمة تُترك للكلاب الضّالة وقطط الشوارع لتتغذّى عليها، فينتهي بنا الأمر برازاً نتناً في إحدى الزوايا القذرة المظلمة، وأظنّ الكلاب والقطط ستنفر من لحمنا المحروق ونُترك هكذا للعراء، لنصير بعدها نهبا للذّباب والدّود. وإذا كنّا محظوظين سنبعث غبارا كوّنيّا يبرق كالذّهب. هو احتمال من بين احتمالات كثيرة، لكن لنأمل الأفضل”.

عشتار: “إنّك ميّت ومن زمان، أميتة لشيطان وميتة لرحمان يا يمّ؟”

يمّ: “أنتم من الأبرار يا عشتار، وحقيق بكم الموت لشيطان مرّة والموت لرحمان ألف مرّة. ألا تجهدون لأجل الرغيف في الحقول والمزارع، ألا تلهب الشمس ظهوركم المنحنية، حتّى اسودّت وجوهكم. ترضون بأجر زهيد، وحين تضجّون يقولون إنّكم لا تصلحون لشيء، صلّوا للسّماء التي جعلتنا على بؤسكم نؤويكم. آخرون بذقون حمراء وطويلة، كثّة وناعمة، يلبسون العمامة ويتكلّمون بصوت رخيم، يستغفرون كثيرا ويحمدلون ويحوقلون، يدعونكم باسم السّماء إلى الصّبر على شظف العيش، فذلك امتحان من ربّكم لنيل جنّات النّعيم.

“فأنتم الشهداء، موتكم فضيلة وبعثكم كبعث الأنبياء. أمّا أنا فمن الموتى الإراديين. استدنيت الموت منّي فدنا جاثيا على ركبتيه، طالبا أن أرحمه غضب السّماء، قال إنّ حمل الرّوح المُنخنقة ثقيل، ولن يُفتح لي البرزخ قبل أن يحين الوقت. لكنّي فعلتها وقُضي الأمر. يومها خُلّدت لو تعلمين.

“فمتى ترجعين إلى أصلك المقدّس يا عشتار وتكفّي عن ممارسة لعبة الاختباء؟ هل ماتت البذرة السماوية التي حملتها في جوفك يوم غادرت السّديم؟ أم طاب لك المقام بين اللّصوص والأفّاقين، من أزهقوا الأرواح وطاب لهم لعق الدماء وهي تفور؟

“من شربوا الذلّ المعتّق، أولئك المهانون، بلغني أنينهم لمّا غادرت البرزخ ذاك النّهار. لكنّهم جُبناء ينتظرون الخلاص وما هم ببالغيه. يُسارعون إلى ملء بطونهم التي لا تشبع، وإمتاع كتل الغُرلة المُنتفخة كجيفة نتنة. كفروا بالثورة وآمنوا بالعبوديّة، سمعتهم يهتفون بحياة جلاّديهم، ورأيتهم يلعقون أحذية الأسياد ليحصلوا على اللّقمة، يلعقونها كما يلعقون فروج العاهرات في المواخير الرّخيصة بحثا عن اللّذة. كانوا ضِباعا عطشى لا ترتوي، ونفوسا بائسة لا ترعوي”.

“رأيتهم يا عشتار يُغنّون ويرقصون، رأيتهم يفجّرون أضرحة الموتى، يحزّون الرؤوس ويوقدون بها نارا في الصحراء. رأيتهم يرجمون النّساء في السّاحات العامّة، ويتقرّبون بها إلى السّماء زُلفى. رأيتهم يا عشتار فعجبت منك”.

“فأنت نجمة الصباح الحلوة، سقطت من السّديم، فالتقفتها الأرض بخضرة أحضانها وشذى ورودها وزرقة بحورها وصفاء أنهارها. أنت يا عشتار نور سماوي أطلقه رامٍ مُقدّس ناحية جنّة يبتغيها كلّ مُريد. قبل أن يستردّ الرّامي رمْيه، رُدّي الفرع إلى الأصل واكسري القوس من بعدك. وارحمي النّاس من ذاك الجحيم”.

عشتار: “أنا عاجزة يا يمّ، وهذا الجسد يشتدّ ويثقل كلّ يوم. الألم صار كعجوز شمطاء تدقّ مسامير صدئة في الصدر. رأيتها تفتل حبالا غليظة، كلّما أنهت حبلا أنبت أشواكا حادّة بنهايات دقيقة شديدة اللّمعان. صوتها الأجشّ يتردّد في رأسي مُخبرا أن حبالا ثلاثة سيثبّتن في الخاصرة اليمنى، وثلاثة مثلهنّ في اليُسرى، وآخر ستقيّد به عُنقي لرجلي.

“كنت أبتلع خوفي وأمضي ناحية شجرة تين برّية مُنفردة، أجلس تحتها في هيئة المتأمّل، وأظلّ لساعات مغمضة العينين أدوّر عن نور يُقذف في صدري، سكينة تنقذ رأسي من الضجيج، حاولت أن أفصل بيني وبين ضوضاء الوجود، لكن في كلّ مرّة يحُطّ بُوم على فرع من فروع شجرة التّين ويبدأ في النعيق، وكأنّي به يطردني عن مملكته. أستدير ناحية الشجرة فأكتشف أنّ للبوم عشّا به فراخ حديثة الولادة، كان يحضر لها الطعام، ويدخلها بين ريشه الكثّ ويطبق عليها جناحيه إذا جنّ الليل. عجبت لصنيعه، فالبوم في الغالب يصطاد ليلا، والأنثى هي التي تحضن الفراخ. فتّشت تحت الشجرة فرأيت جسم طير مُلقى قد بدأ في التحلّل، بدا لي أنّه مات حديثا. كان مشهدا فظيعا خلعني عن نفسي”.

يغيب الصّوت القادم من بعيد لبرهة من الزّمن.

عشتار: “يمّ فيم صمتك؟ هل ضاق صدرك بكلّ هذا الهذر؟”.

يمّ: “تعلمين أنّ صدر يمّ لا يضيق. ومذ غادر هذا الجسد المقبرة صرت أعشق الهذر والثرثرة. بالأمس سمعت حديثا بين كوكب غلب سواده بياضه، ناره حامية وبراكينه تأبى الفتور. كوكب أسود جاورته نجمة بهيّة تسرّ الناظرين. تشعّ وتتبسّم لكلّ المارين، الأبيض كما الأسود، الأصفر كما الأحمر. ترشدهم في تيههم وتؤنس وحدتهم في الليالي الطويلة التي هجرها القمر.

“دمدم الكوكب وانتفض، فصار الفضاء مغبّشا أسود، تجشّأ في وجه النجمة فغاب لونها. فتح فمه الكبير وابتلع المُزن في جوفه، تطلّعت النجمة ناحية غيمة بعيدة وهمّت بها لتغتسل، تفطن الكوكب إلى ذلك وتقدّم ناحية الغيمة، فجزعت الغيمة وتوارت في السديم.

“ظلّت النجمة حزينة ترقب بعض الماء لتغتسل وتُزيل عنها اللّون الكئيب.

“كان الكوكب يجوس بين شمس وقمر يحدّثهما عن ضعف النّجمة، فقد خبا لونها وخفت بريقها لمّا تجشَّأ وأغرقها بغبار بركانيّ أسود.

“ضحكت الشمس، مدّت لسانها وأذرعها وقالت له: “هيّا اقترب سأبتلعك وتُصبح نسيا منسيّا في تاريخ السّديم”.

“إذا مزجت براكيني الهادرة بألسنة نارك سننشطر شظايا ونضيع أنا وأنت في هذا السّديم. لا تفكّر بالأمر، أعلم أنّه لن يعجبك”، يردّ الكوكب.

“اغرب عنّي ولا تباهي أمامي بحبس الماء عن النجمة، أنا النجم الأكبر ويوم أبتلعك لن أهتمّ لحكايا التشظّي والذوبان في هذا السّديم، أمقت التباهي الأخرق، وأوهام البطولة، إليك عنّي أيّها الدّعي”، تنهره الشمس وتغْرب.

“كان القمر يرقبهما من بعيد، وبدا أنّه سمع ما دار بينهما من حديث، اقترب بعزّة وبهاء، واستوى على عرش السّديم، تطلّع في كلّ الاتجاهات كمن يطمئن على جيرانه الأوفياء. لاحظ من بعيد نجمة خجلى، كانت مسودّة مغبرّة، لا تقدر على استعادة توهّجها دون ماء. وغير بعيد كانت فرقعات الكوكب لا تكنّ ولا تهدأ. حدجه القمر وأردف قائلا: “قوانين السّديم لا ينبغي لأيّ منّا خرقها، أحذّرك من نفسك يا جاري المتكبّر، أنت تفتح بابا يطلّ على العدم لن تقدر على غلقه. قريبا سيبتلعك السّديم ويلفظك هباءات لا تكاد ترى”.

“خفت هدير الكوكب، وقد وقع حديث القمر في نفسه. غير أنّه مضى يبتلع المُزن ويُزمجر في وجه الغيوم البعيدة.

“في اليوم السّادس زفر السّديم زفرات متتابعات، انكدرت النجوم، اتخذت الشمس مكانا قصيّا، لازمت الكواكب أمكنتها، كانت خاشعة تُؤدّي الصلوات، وتلعن في سرّها الكوكب الأسود الذي كفر بالنواميس. ظلّ القمر هادئا في مكانه، زفرات السّديم أزالت بعضا من غبشه وساقت مُزنا رطبة نديّة ناحية النجمة. هطل الماء مدرارا، اغتسلت النّجمة وعادت إلى رُكنها تُشعّ كمصباح مُعلّق لا حدّ لتَوَهُجِه.

“في اليوم السابع تساءلت الكواكب والشمس والنجمة عن مصير الكوكب الضّال، ردّ القمر: “لقد حذّرته نفسه، حذّرته القوانين، لكنّه كان أصمّ وقاسيا لا يلين، لقد ابتلعه السّديم وصار غُبارا كونيّا. كلّ شيء يجري بحسبان، ويوم نُفكّر في هدم هذا التناسق البهيّ، سننتهي إلى ما انتهى إليه الكوكب الأسود”.

عشتار: “طُوبى لكَ يا يمّ، بتَّ جارا للشّمس والقمر”.

يمّ: “فقط لو ترهفي السمع يا عشتار لسمعت ضحكات النجمات الصغيرات وهنّ يتغامزن فيما بينهنّ كالمراهقات. لو أنصتّ جيّدا لوصلتك زفرات الشمس الحامية، إنّها تَلْهَجُ من القِدم. القمر يئِنّ من ثِقل الرّماد في جوفه، ودّ لو لفظه وأبدله مياها حُلوة تروي جفاف أوصاله. ربّما أنبت حينها زرعا واخضرّ لونه بدل كلّ ذلك الرّماد الكثيف، رماد نراه لؤلؤة تتوهّج ونبعا من النّور الذي يُؤنس ليل المهاجرين، من طلّقتهم الحياة ورُدّوا عن بابها، لكنّه جنين فاسد علق في جوف القمر، فاستحال رمادا أسود أبى أن يُزحزح عنه.

“القمر هو حكيم هذا السديم. كراهب متّق يحتجب في خلوته البعيدة، فلا نراه إلّا وقد بُعث هلالا يُغري النجمات ويحرّضهن على اكتشاف دُروب قصيّة، خَبرها أيّام احتجابه، دروب يُقال إنّها أعيت السّالكين، لكن من أفلح في العبور سيخلّد. ينتهي شابا يافعا نوراني المحيّا، ويولد طفلا غرّا يبتسم فينشر الضياء في قلب السّديم. هكذا حدّث القمر النّجمات يوم اكتماله.

“فارجعي إلى صويحباتك يا عشتار، فقد سمعتهنّ يتذاكرن أيّاما كنت فيها وصيفة للقمر تلمع في أشدّ الليالي ظلمة. هنا يا عشتار لن يمسّك خوف ولا نصب، فأنت إلهة ومسكنك السّماء”.

تعود عشتار إلى شجرة التّين وقد أسقطت كلّ أوراقها، تجلس رافعة رأسها ناحية الأفق، نُور كثيف يخرج من صدرها يُمهّد لها طريقا ناحية السّديم. تُرفع عشتار، تلج السّديم وتُغلق البوّابة من بعدها. يَيْبَسُ كلّ رطب، تجفّ الأنهار والأودية، يتساقط الطّير ويكفّ عن الطيران، تعوي الذئاب في الجبال البعيدة، ثمّ يهدأ كلّ شيء. في اليوم الثامن كان انفجار عظيم.

* كاتبة من تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق