ثقافة المقال

مكتبة في كتاب

حمزة الذهبي
1
نافذة على الداخل ، هو عنوان كتاب قصصي للكاتب المغربي أحمد بوزفور ، كتاب يعد من الكتب الأساسية عندي التي لا تفارقني ، فمنذ أن تحصلت عليه قبل بضع سنوات خلت وأنا أضعه موضع العين فوق التلفاز أو على السرير المفرد أو فوق مقعد خشبي بدون ظهر أو بين رفوف مكتبتي المتواضعة الموجودة في غرفتي الضيقة والتي زادتها الكتب ضيقا على ضيق ، وذلك من أجل أن أعود إليه بين الفينة والأخرى ، مقلبا إياه بين يدي ، و نافضا عنه الغبار الذي أخذ يتشكل شيئا فشيئا فوقه . إذ أنه حيثما كانت هناك كتب يوجد هناك غبار ،، إنها فريسته السهلة ، وإذا قمت بطرده من الباب سرعان ما يعود من النافذة
وأصحاب الكتب والمكتابات يعلمون هذا جيدا .
عموما ، إقتنيت هذا الكتاب القصصي الموسوم ب نافذة على الداخل من جوطية سوق ساعة المحاذية لسوق الكلب ، ذاك السوق الذي يذكرني بأشياء عديدة ، يفتح شرخا في الذاكرة تتسرب منه الذكريات ، أبرزها أنه كان هناك كلب ، كلب أسود بلا أسنان ، مضحك إلى أبعد حد ، يظل اليوم كله وهو ينبح على رواد السوق ، بل يخيل إليهم أنه يرغي ويزبد ، ولكن ، لأنه بلا أسنان فهو لا يثير فيهم رعبا بل يكون ، أي الكلب ، موضع سخرية ، لحظة تأمل ، لحظة تخفيف السرعة – في زمن لا يتوقف فيه المرء عن المشي حتى لأخذ نفسه – لحظة إستغراب إذ لا نصادف دائما كلب بلا أسنان !
2
ما أثارني في هذه المجموعة القصصية ـ أي أن ما جذبني إليها طوال هذه السنوات وجعلني أعود إليها المرة تلو الأخرى هي فاتحة الكتاب ، القصة الأولى المعنونة ب المكتبة ، وهي قصة تلميذ يعثر على كتاب عنوانه المكتبة في المكتبة المتواجدة في الثانوية التي يدرس فيها ، وهذا الكتاب الذي يعثر عليه ، الموسوم بالمكتبة ، كتاب غريب ، عجيب ، مدهش ومبهر إلى أبعد حد . إذ أنه يحتوي في داخله على مكتبة ، كل يوم يقرأ فيه قصة جديدة مغايرة عن القصة التي قرأها يوم أمس..
في هذا السياق يقول التلميذ عن الكتاب أنه :
” كتاب غريب، حين قرأته لأول مرة، كان يحكي قصة السندباد ، و أعدت قراءته في الغد فوجدته يتحدث عن قصص الأنبياء ، ثم وجدته في اليوم التالي يستعرض سيرة الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور . كتاب سحري يتجدد كل صباح ”
ثم يضيف :
” لم أكن أرتاح إلا وأنا أفتح كتاب المكتبة فأجد كل مرة عالما جديدا”
يا لها من قصة أكاد أقول أنها رائعة ، لكن هذا لا يعني بتاتا أن القصص الأخرى في الكتاب تقل عنها روعة ، الأمر ليس كذلك ، كل ما هنالك أن الأمر مرتبط بي ، فأنا لأني إنسان مسكون ، فيما أقرأ ، بحب الكتب التي تتحدث عن الكتب ، مولع بها إلى حد ما ، فإن فكرة العثور على مكتبة في كتاب لامستني وجرتني إليها جرا مثلما تجرتي كتب أخرى تتحدث في نفس الموضوع . وهنا لا بد من الإقرار بشيء ما وهو أن فكرة كتاب مليئ بالكتب ، كتاب يحمل في داخله مكتبة ، قد تطرق إليها العديد من مؤلفي الكتب بالإضاقة إلى القاص المغربي أحمد بوزفور من بينهم نذكر الروائي الصربي زوران جيفكوفيتش على سبيل المثال لا الحصر ، إذ أن بطل روايته ، يشتري ثلاثة كتب من أماكن بيع الكتب المستعملة تم يكتشف بعد عودته إلى المنزل أن هناك كتاب إضافي قد دسه بائع الكتب في الكيس البلاستيكي يحمل عنوان أصغر مكتبة و المميز في هذا الكتاب أنه كلما أغلقه وبعد ذلك فتحه ، تظهر قصص مغايرة عن القصص السابقة التي كانت في الكتاب وهي قصص غير منشورة بتاتا ، قصص لا وجود لها إلا في هذا الكتاب.
3
في الختام نتساءل مثلما تساءل بطل رواية جيفكوفيتش – وهو السؤال الذي لم يطرحه بطل قصة بوزفور – إذا كانت القصص حينما نغلق الكتاب تتلاشى بدون رجعة فكيف نحافظ عليها ـ بمعنى آخر كيف نحفظ شيئا قصير العمر ، كعمل أدبي لا يعيش إلا إذا كان الكتاب مفتوحا ؟ من بين أجوبة عديدة هناك جوابين أو بالأحرى طريقتين لهما ما لهما وعليهما ما عليهما :
أولهما وهي طريقة صعبة إن لم أقل مستحيلة تتجلى في حفظ كل قصة عن ظهر قلب ، وحكيها للآخرين ، لكن هنا شيء آخر يتجاوز صعوبة الحفظ وهو بما ان الإنسان يريد دائما أن يكون له أثر، أن يضع بصمته فيما يحكيه ، سيذهب به الأمر إلى تحريف هذه القصص وهو ينقلها شفويا إلى الآخر لتصبح مغايرة عما كانت عليه .
وثانيهما – وهي الطريقة التي قام بطل جيفكوفيتش – وهي قيامه بنسخ قصص الكتاب عبر تدوينها ثم يقول في النهاية بأنه لن يلومه أحد إذا ما أضاف إسمه فوق العنوان . أي أن يوهم القراء الكرام أن ما ثم نسخه من الكتاب فهو من بنات أفكاره .
وهذين الطريقتين سواء الحفظ أو النسخ ، تكشف لنا شيء مهم وهو أن المرء غالبا ما يريد ترك بصمته فيما يقوم به ، نوع من الإمضاء ـ ولهذا يمكن أن أجازف بالقول أن الإنسان إذا كانت تعاريفه العديدة التي تميزه عن سائر المخلوقات تتجلى باعتباره كائن إجتماعي ـ سياسي بطبعه ، ناطق ، يطبخ ما يأكله ، له أرداف – أنظر كتاب تاريخ الأرداف – فيمكننا أن نضيف أنه المخلوق الوحيد الذي يريد ترك أثر على مروره من هذا المكان ، ربما تحقيقا لخلود معنوي بعد أن عرف أنه لن يخلد ماديا…

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق