قراءات ودراسات

سيرة البطل أم حكاية السارد؟

قراءة في "سباعية العابر"

بقلم / أحمد محمد عبده

الكاتب يرسم أبعاد شخصية بطل روايته؛ بما يتناسب مع طبيعة دور هذا البطل, وطبيعة الأحداث والمواقف التي سيصنعها هو, أو” تُصنع عليه “, بواسطة شخصيات العالم الذي يتحرك فيه, وثقافته التي ستبرر طرحه وتعاملاته داخل العمل الروائي, وهذا هو ما تحرك من خلاله القاص والناقد الشاب حسام المقدم, في روايته ” سباعية العابر”, الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب عام 2017. فنجد ” فهمي السيد عبد البر”, بطل الرواية , هذه الشخصية الطبيعية جدًا, والذي يظهر لنا شخصًا غريب الأطوار منذ اللحظة الأولى , إلا أننا لا نعتبره كذلك, لأنه ” بطبيعيته ” تلك , عبَّرَ بها ؛ طفلاً عن بساطة وبراءة الأطفال, وشابًا عن نزق الشباب وميوله للتأمل والتجريب وممارسة طقوس, ساهمت في خروجه عن المألوف, ورجلاً ينظر في حقائق شخصيات, صارت في حياة الناس ” أيقونات “, محمد علي وأحمد عرابي وسعد زغلول ومصطفى كامل وجمال عبد الناصر, وغيرهم من تاريخ عربي أبعد , لكل منهم شـأنه وملامحه , سوف يتتبعها, وقد ساهم هذا أيضًا في الظن بغرابة أطوار فهمي هذا, هذه الغرابة التي جعلته يطلب من زوجته أن تترك له البيت سبعة أيام كي يمارس طقوسه في خلوته !

هذه الحالات الغريبة التي انخرط فيها فهمي ” جاءت بعد أن عاش سنة كاملة؛ مع أم دامعة حزينة, يركبها الهم والإرهاق الدائم ”
فهمي عبد البر, الطفل الذي يعيش حالة ” شد النفْس ” حين يمشي في الحارات والشوارع , تلك الحالة التي تتلبس ” طفل القرية ” تحديدًا, فعيون الناس تعبثُ في مخيلته نقدًا وانتقادًا, وكثيرًا ما يتفحص الإنسان نفسه, بقدر حساسيته بنظرات الناس إليه, وخاصة في مرحلة الصبا والمراهقة, وهو لا يرضى بأقل من أن يكون ولدًا متأنقًا أو ربما رشيقًا, تجري الرجولة في عروقه, فكلام الكبار وحكاياتهم مرآة يرى فيها شخصيته, كان ” يشد نفْسه ” بناءً على ما يرى فيها من اعوجاجات, لعله يحاول إصلاح نفسه بنفسه, لا ينتظر أن تأتيه من الغير, أو هي حالة نفسية , أو لازمة من لوازم طفولته !
يخرج من تلك الحالة, والتي تمثل عنده قمة الاعتزاز بالنفس, ليدخل منها إلى حالة ارتخاء نفسي!, حين ينبهر بصورة ” الولد الحلو ” على صفحة بكتاب الدين , والجالس أمام المقرأة يتلو في المصحف, لدرجة أن يتلبسه بهاء وجمال وحُسن هذا الولد, والغلمان غالبًا ما ينبهرون بالنماذج الجميلة من أقرانهم, بنين وبنات, فيطلب فهمي من أبيه جلبابًا أبيضًا وطاقيةً بيضاء ومصحفًا له مقرأة, فيتمايل أمام المصحف, غواية التمثل بالآخرين , ليصل به الأمر أن يعيش في وهم هذا الولد الحلو, والذي قال عنه زميله محمد سعد أنه ” سيدنا محمد “, يمتنع عن الذهاب إلى المدرسة , فلابد أن يتفوق على مثاله الذي انبهر ببهائه, وحين يرى الأب ملاكه الصغير, يهتف ” الله أكبر ” , ” ويطوف عليهم ولدان مخلدون “, فهمي يتمثل نموذجه المادي الجميل , ووالده يحلم بالنموذج الغيبي الأجمل في الجنة . ثم يدخل في طور كوميدي , أكثر حيوية , وهو ” لعبة التبديل ” , تبديل الأسماء بينه وبين زميله في الفصل الدراسي ” محمد سعد .. صاحب الوجه الناشف ” , ” يتمنى أن يكون مثله “, يعوم في النهر على بطنه وعلى جنبه وعلى ظهره كالميت , اللعبة التي جلبت عليه وعلى زميله المشاكل في فصل الدراسة كما في البيت , لم يمانع محمد ” عادي جدًا, من الآن أنت محمد .. وأنا فهمي ..فاهم يا محمد ؟ ”
بالتأكيد مرت علينا أطفالاً وصبية ؛ مثل تلك الحالات , بصورة أو بأخرى, فكل منا عنده بعدًا أو أكثر من أبعاد شخصية فهمي في رواية حسام المقدم, علاوة على ذلك ؛ ففي كل عمل أدبي خيطًا رفيعًا من سيرة حياة كاتبه, ولو بصورة جزئية , هذا الخيط الرفيع هو أحد دوافع الكاتب لكتابة عمله.
بل لا أكون متطفلاً , أو مغاليًا , إذا قلت أن في كل عمل روائي , صور جزئية أيضًا من سِيَر حياة قراءه !
الإنسان حالات وأحوال, يؤثر ويتأثر. والكاتب هنا يحاول تصوير التغيرات والتحولات والطموحات النفسية, التي تطرأ على الإنسان وتصاحبه فترة بعد أخرى . ينتقل فهمي بطل الرواية من حالة إلى أخرى, بطريقة ناعمة, مثلما تنتقل الشجرة في نموها من طور لآخر .

حسام المقدم

“سباعية العابر “, رواية المواقف المسلسلة, المبنية على بعضها , موقف وراء آخر, يتم هندستها مسبقًا, لتقوم التلقائية بخلق الأحداث داخل المواقف وربطها ببعضها , تقنية جيدة تبنتها رواية حسام المقدم , أفصح عن ذلك كونها ” سباعية “, ليترك المهمة بعد ذلك للسارد والبطل , أفكار بسيطة لكنها تخلق عوالم شيقة ومحفزة للنفس, سيطر الكاتب على منظور روايته منذ اللحظة الأولى, فعرف راويه خط سير حياته, وكيف يكون . وكأن العالم الخارجي ” الغرائبي” الذي عالجه الكاتب, لن تبدعه سوى نفس تمر بحالات مثل حالة فهمي, الذي خطط لنفسه محطات حياته ” البطل هو الذي خطط “, فجاء بناء الرواية بهذه التلقائية الفنية والتسلسل المشوق للقارئ .
” فهمي عبد البر”, صار شخصية جدلية, عند مجتمعه الذي يعيش فيه, هذه الجدلية قائمة على الفجوة بين ظاهره وباطنه, ” فهو يمارس العادة السرية مثل أي شاب , ويضحك على نكات أغلبها على واحد واحدة … ولن ينسي النساء اللاتي مررن في حياته .. سيبادر بطعنهن في المكان المقدس … “, يقابل ذلك صورته عند أهل قريته بأنه ” رجل محترم “, فيضيف هو من عنده ” رجل محترم وروح عاصية “, يقول عن روحه أنها لو خرجت قبل أوانها فسوف تحط في جسد حصان جبلي , يعالج الكاتب الصراع الداخلي والثنائية, وربما حالة الانفصام عند الإنسان .
يفتش حسام المقدم عن خبايا الإنسان , ذلك الكائن المعقد, المتقاطع مع نفسه , تقاطعات لا تلتقي أبدًا, بعكس الحيوان.. أحادي الاتجاه, راح الكاتب يستنطق الأحوال العجيبة لفهمي عبد البر, في لغة فنية وتراكيب لغوية بسيطة, وتجذبنا الصورة الشعرية في تعبيراته ” شاهدَ خط الموسيقى الحلزوني الملون “, والوصف الحساس لمطابقة الحال ” اجتهد أن يأتي بنبرة محمد منير التي تتكور في البطن, ثم تخرج من الحلق تاركةً نكهة التمر هندي “, الكاتب يشعر باللغة ويحسها, فهو ينتقي تراكيبه اللغوية بعناية كبيرة, وخبرة حياتية يمزجها بواقع أحداث الرواية, يعالجها بالتخييل والفانتازيا , فهمي المفتون بلعبة خطوط الحياة والتواريخ , يخلط العام بالخاص, والسياسي بالاجتماعي, في أسلوب ساخر, سخرية اجتماعية في الشأن السياسي, وليس العكس . فعفاف زوجته تتأمل حينما يحضر جلسة صلح بين رجل وامرأته, فيقول لهما متوسلاً ” يا جماعة : إذا لم يكن من أجل خاطر العيال, فمن أجل خاطر كارتر”, فاتفاقية كامب ديفيد ما تمت مع السادات إلا من أجل خاطر جيمي كارتر الرئيس الأمريكي في وقتها .
يسجل الكاتب وجهة نظره في القضايا الوطنية المختلفة, من خلال فهمي مدرس الدراسات الاجتماعية, والتي توقفت عنده التواريخ عند اتفاقية كامب ديفيد في ” سبتمبر 1978 ” , ومعاهدة السلام مع إسرائيل في ” مارس 1979 “, ” عفاف زوجته لا تعرف عذابه الخاص مع تاريخ ميلاده, فهو مولود في منتصف أيام البرزخ “, لنعرف أن هذا البرزخ هو الفترة الواقعة بين هذين التاريخين !
وفي إشارة سياسية أخرى, تحمل الكثير من الأسئلة, ففي حين توقف التاريخ عند فهمي عند هذا الحد , تتساءل عفاف زوجته قائلة ” وثورة يناير ..بالتأكيد هي تاريخ ؟ ” , ولعل الكابت ينعي الانتكاسة القاتمة التي وصلت إليها ثورة 25 يناير, والتي راحوا يسمونها نكسة ومرة نكبة, تجاهُل وشيطنة وتجريم, يضعونها بين قوسين, حسب تعبير الشاعر المصري سمير درويش, أي على استحياء فكأنها نكرة !, والمفارقة أن تمتلك عفاف هذا الوعي بثورتها, فكارتر ليس في اهتماماتها, مثلما الثورة التي تمثل حلمها الضائع , يرد فهمي على زوجته قائلاً ” تاريخنا يا عفاف كائن ضخم عملاق يمشي في غابة , في طريقه يدوس العُشب والنمل والجرذان الهاربة , لكن عينيه مثل البشر , لا تستطيعان أن تريا شيئًا أبعد من ضباب الأغصان العالية ” .
بطل الرواية هنا يعاني من اضطرابات نفسية , ربما لا تقل عن تلك التي أودت بشقيقه هاني إلى سراديب مستشفى العباسية, تلك التي صارت رمزًا للخلل العقلي, يرسم خطوطًا متعرجة وأخرى متقاطعة, أول خط رسمه كان في الليلة التالية لغياب شقيقه , خطًا متعرجًا يشبه الموجات الهادئة في ترعة القرية , ثم ينحدر هذا الخط في حفرة غويطة , ثم يعود ماشيًا بشبه استقامة متموجة , لعله يصور حالة شقيقه ومستقبله, وقد جاء بها من وحي ما يعاني هو .
ثم يستدعي شخصيات أثيرة له من التاريخ, الجديد هنا أن تشترك معه العامة, أصحاب الوعي الفطري, في تقييم هذه الشخصيات, أو بعضها , تمثل ذلك في والدة فهمي , حين رسم صورة أحمد عرابي على حصانه فتعرفه, ثم يرسمه عجوزًا بذقن بيضاء , فتنكره قائلة إنه ليس هو, يرسم صور محمد علي وأحمد عرابي وسعد زغلول ومصطفى كامل, فتقول له أمه ” رسمت كل هؤلاء ونسيت الغالي ؟! “
هذا الغالي ” عبد الناصر ” صورته على الحائط فوق رأس فهمي , وملامحه محفورة في خياله .
يصنع الكاتب أسطورته الخاصة , وقد جعل من بطله مؤرخًا, فيفسح له المجال ليصبح هو السارد من داخل كونه مؤرخًا, ومن قلب الجنازة الأسطورية, وقد احتشدت كل مخلوقات الله , كي تشيع ” الغالي ” الذي تقصده أمه , وكأنه يوم الحشر, كلاب وقطط وأرانب وجواميس وخرفان وخيول… , ” هذا ” البعث الحيواني, هذه أرواح من سبقونا “, وكأنها أرواح البشر الذين ماتوا وقد حلت في أجساد الحيوانات, ينادي فهمي على مولاه الجبرتي, فيتهادى إليه في صورة حصان ملوكي أشهب, يطلب منه عهد التاريخ واللغة , فيعطيه ” عهد اللغة “, ” لغة تُكتب ولا تُنطق “, فهى لغة الصمت والخرس, ولعلها مستوحاة من صمت الجنازات وخرس الحيوانات , ” والتاريخ يا مولانا ؟.. أما التاريخ فأنت حر فيما تكتب “, وكان مطلب فهمي لو أن التاريخ كتبه المؤرخون من تحت صاعدًا لأعلى, وليس كما يبدءونه دائمًا من القمة, سيأخذ فهمي فرصته في التأريخ , وبعهد اللغة؛ متأثرًا بكتابات ابن إياس, داخلاً في عوالم تحمل من الرمزية والإسقاطات, أكثر من تلك التي مارسها ” السارد ” عليه في سياق الرواية , فيروي لنا ” فهمي المؤرخ ” فصلاً مما كان من أخبار ” الجبالي “, وتجاربه مع الملوك والسلاطين , مجربًا نفسه في كتابة التاريخ كما يريد, لتنتقل الرواية بعد هذا الفصل ” العارض “, استكمال باقي محطات ” فهمي عبد البر” السبعة .
******

*كاتب روائي مصري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق