ثقافة المقال

إلى أبي الروحي د عبد الكريم الأشتر

د.ماجدة حمود

حين رحلت إلى دار البقاء يا أستاذي أحسست باليتم للمرة الثانية في حياتي، فقدت قلباً أبوياً،يحيطني برعايته وعلمه! أبحث الآن عن سند روحي فلا أجد! أفتقد عقلاً ينبض بالحساسية يقف إلى جانبي في مواجهة هموم الحياة فلا أجد! أفتقد نبرتك الأبوية تنصحني وتشجعني على العمل رغم كل الإحباطات! كلما واجهتني مشكلة في الحياة أو العمل كنت أسرع إليك، فتصغي إلي بقلبك وعقلك، فخيالي كثيرا ما يكبّر المشكلة، فتأتي بحكمتك لتعطيها حجمها الطبيعي! فأحس روعة اجتماع الأبوة والمعلم معاً! لم تكن أستاذا عاديا، فقد جعلت التعليم رسالتك في الحياة، لهذا كنت تلقي المحاضرة بقلبك وعقلك معا، كي تربي النفوس والعقول! كنت تهجس بهموم اللغة العربية مثلما تهجس بالخوف على ضياع القيم والأخلاق!

لم ترَ في المناصب وزخرف الحياة سكينة لروحك، كانت الكتابة، التي لم تفصل فيها بين البحث العلمي والنفس الإنسانية هي متعتك ورسالتك! لم تفصل الباحث يوما عن الإنسان، كنت عزيز النفس، اكتفيت بحب طلابك وزملائك، كنت تنشر عطر المودة حيثما حللت، لهذا لم أجد إنسانا تحوطه القلوب، وتجلّه النفوس حيثما حلّ سواك! فقد اجتمع حولك الطلاب من جميع الطوائف والأديان، حتى إنني كنت أتساءل: كيف التقى في حبك الماركسي بالمتدين…

قلة مثلك من يدرك معنى الحياة في القيم والعلم لا في المال والمناصب، أحسست بأزمة الوطن، وأمرضك همه، لا أنسى صوتك المتهدج (أثناء تكريمك في اتحاد الكتاب) وأنت تتحدث عن خيبتك في استرجاع فلسطين وفي تحقيق الوحدة العربية!

أحسست بالمسؤولية تجاه المال العام، لهذا كنت تضحي براحتك لتوفر على خزينة الدولة دفع أجرة يوم زائد في الفندق، لهذا كنت تنتظر ساعات طويلة في بهو الفندق، حتى يحين موعد سفرك!

لم تشتكِ يوما من سوء المعاملة مع أنني لحظتها ذات مرة، حين كنت مدعوا إلى أحد المؤتمرات في دمشق، ووقفت سيارة فارهة أمامك، هممت بركوبها، فاعتذر لك السائق بأنها ليست مخصصة لك، فقد خصصوا له (ميكروباص) أحسست بخيبته، وهو يجر أعوامه الثمانين، ليصعد درجات )الميكرو) وهو ينـزف قهراً! قلت في نفسي وأنا أراقبه أثناء نزوله بصعوبة: هكذا يكرمون العلماء! عذرته وهو يقول لن آتي إلى دمشق مرة أخرى، فالسفر بات يتعبني، لم يحدثني في هذا الأمر، لم يشتكِ أو ينقد، كان يترفع عن الصغائر!

آلمتك الحياة، لم تبخل عليك بمصائبها، فواجهتها بالإيمان والعمل، والكثير من الصبر! حتى حين اجتمعت الآلام عليك في أيامك الأخيرة لم تشتكِ، كنت تتحملها بصمت، كي لا تحزن أحباءك!

لقد رافقتك الحكمة والحساسية حتى آخر لحظة من حياتك!

لهذا لم تكتفِ بمهنة التدريس، بل كانت الكتابة شغلك الشاغل،  وقد أتاحت لك فترة التقاعد فسحة من الوقت، فأنتجت، على صعيد التأليف، ما يعجز عنه الكثير من الباحثين!

أعرف أنه كان يحزّ في نفسك أنك لم تنصرف للأدب، فالدراسات الأكاديمية أخذت وقتك، ومنعتك من تحقيق حلمك الأدبي! لهذا أسعدني كثيرا أن تنصرف إلى كتابة سيرتك الذاتية، أدهشتني رهافتك وحيويتك الأدبية في وصف حياتك الغنية في كفاحها من أجل العلم ورفعة الإنسان والوطن!

آه كم أفتقد الإنسان والمعلم اليوم! لكن ما يعزّيني أن أفكارك وروحك تعيش بيننا بفضل ما تركته لنا من كنـز معرفي، آمل أن يجد صداه بين الأجيال!

 

 

 

 

 

* الدكتورة ماجدة حمود، أستاذة النقد المقارن في جامعة دمشق (الصورة للراحل الكبير الدكتور عبد الكريم الأشتر رحمه الله)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق