ثقافة السرد

سبعة نصوص قصيرة أدبية فِكْرِيَّة

تأمُّلات ـ

ابراهيم مالك*

ـ 1 ـ
شعرتُ في مثل هذا اليوم 12 شباط ـ فبراير قبل سنين أن ذِهني المُشتعل موجَعًا ومُتسائُلًا التزمَ الصَّمْتَ الأخرَسَ لا الموحي ، التزم الصَّمتَ مفاجأةً ، توقَّفَ عن مُصارحة عتمة أحاسيسي وكف عن الهمس الناطق ، وعلى غير عادتي بعد الوعكة الموجِعة المُتْعِبَة الَّتي أصابتني في 12 شباط 2013 .
بعدها بدأتُ التململ والتحرُّكَ الجُزْئِيَّ والبَطيء في سريرِ وَعْكَتي ، فبِتُّ أشعر بالنعاس يتَسَلَّلُ إلى عينيَّ المتعبتين ، لكثرة ما رأيْتُ ، خبرْتُ وَتَعثَّرْتُ في مسارِ حَياتي أو الأصح تجربتي الحياتية وما عرفتُ من تجارب آخرين .
أدرك الذِّهنُ حاجته للنعاس قليلا ، فأيقظني ، بَعدها ، بهمسه الصارخ ، سمعته يسألُ :
ما عِنْدَكَ لتقولَهُ لغيري وغيركَ ،
فربَّما نزدادُ معرفةً وتزدادُها !
فركَتُ عينيَّ بيَسارِ يدي ، التي لم تخنّْي ، فتكفُّ عن الحراك الجسدي وإنْ كانت الوعكة أصابتها بألم شديد ، قلْتُ يا صاحِبي :
سأسِرُّ لَكَ حقيقة ما تجمَّع فيك وفِيَّ من حكاياتٍ عِبَرِها وما يُرادُ بهذه الحكايات أن تقول ، يقلقني ويفرِحُني كثيرًا ما فيها من عِبَرٍ ، وما سأقوله لك هو ما توصَّلْتُ إليه ، هو وجهة نظري ، وكم سأصير سعيدا لو بدأ كثيرون يتطلَّعون مثلي ومثلك إلى ما في تلك الحكايات من عبر ، يتحسَّسُون فهمها كما أتحسَّسه ويتحَسٍّسُ كثيرون من أبْناءِ أمّي .
عاجَلْتُ مُقاطِعًا :
المعذرة يا ناسي !
أمّي هي الحياة ،
فمنهم من سبقني
ومنهم من جايلني ويُجايلني
ومنهم من يرى النور بعد لحظة أو في غدٍ سيأتي لا محالة ما دامت هناك حياة .
قلتُ :
تلك الحكايات أسطورية المنطلق والأصول ، حكايات قديمة ،
لا أعرف أين كُتِبَتْ وما أصلها .
حَدَّثْتُ ذِهْني وكان شديد الإصْغاءِ كما بدا لي :
هذه الحكايات هي في الأصل خرافات قديمة وهي أساطير، غاية في الاختزال والقصر ، كثيرة الدلالات ، شديدة الإيحاء وشبيهة بالشعر – كما أفهمه ، أو ما اصطلح عليه بعض المفكِّرين .
وهي أجوِبة على أسئلة حياة ، بعضها حكايات شعبية وبدايات قصصٍ قصيرة وبعضُها كِتابة شِبْه تاريخية عن أحداث وقعت. وقد بَدَّلَ كَتَبَتُها ( كُتّابُها ) نُصوصَها وأضاف إليها الرّواةُ أشياءَ كثيرة ، يصعُبُ حصرها ومعرفتها وما نعرفها عنها هو ما وصل إلينا وحفظته العقول من الضياع .
قلت يا ابن أمي ، يا أخي :
لا أكتمك سر رأيي ، الذي هو رأيُ آخرين كثيرين ممن جاءوا قبلي وتعلَّمْتُ منهم الكثير ، ولا زلت أحلم بزيادة ما أعرف يوجهني قولٌ أعظم :
قل وما أوتيتُ من المعرفة إلاّ قليلا .
وأحسب أن من كتب معظم تلك الأساطير كتبة قصر وَكهنته ، فكانت في غالبيتها قصص آلهة أو مُلوكِ أرضٍ ومُجْتَمَعات ، هم شبه آلهة . وقد كشف أكثر ما كُتِبَ أنَّ الكتبة كانوا رِجالا ذكورا أو نساء ذكورا ، ككتبة هذا الزمن .
فهذه الأساطير ظهرت مع تعزُّزِ هيمنة الرجال في مجتمعاتهم وبعد أن باتَ أكثر النسوة شبه نعجات ، يتحكم بها راع ،
فانتشر المثل القائل لكل راعٍ رعية
وانتشر القول : الرجال قوّامون على النساء .
وكان أكثر ما يهم معظم أولئك الكتبة هو الترويج لفكرة الراعي والنعاج وأن المملكة ، مملكة أنزلتها آلهة تجلس على عروش فوق النجوم وتبقي للملوك ومن هو على شاكلتهم أن يبقوا رعاة كل النعاج وحق التصرف بهم كيفَ ، متى وأين شاءوا .
الحكاية العراقية الأولى أشغلت عقلي كثيرا وقرأتها بأكثر من ذِهْن ونظرت إلى ما تخفيه طي سطورها بأكثر من عين فاحصة. هذه الحكاية الأسطورة المكتوبة على لوحات حفظها الزمن طويلا فغالبت ريحه، برده وجفافه، وإن كان هشَّمَ بعضها ، تتحدَّثُ عن حلم ملك كان من ملوك العراق ذات يوم قديمٍ ، رحل منذ زمنٍ بعيد . وقد قيل عن الملك ، هذا ما رواه كتبته ، أنه كان يجمعُ بين ذاتين ، ابن آلهة وابن حياة أرضية ، وكان كل مَرامِهِ في هذه الحياة أن يصبح خالدا كالآلِهة ، فلا يموت ويبقى في عرشه ما بقي حيًّا ، يحكم الناس ويعبدون صولجانه .
لكن الكتبة لم يستطيعوا منحه فرصة تحقيق حلمٍ ما كان ممكنا أن يتحقق ولن يتحقَّق ، فالحياة عجلة مسار ، لا يُعْرَفُ متى ابتدأتْ أو متى ستنتهي وكيف !
هذا المسار هو وليد موت وولادة ، يتجدَّدُ دائما .
فالموت ، هذا السر المجهول المرعب والجميل ، هو شرط حياة .
هذا ما علمت تجربة الحياة بعض ناسنا القدماء ، خاصة في العراق القديم ، فكان العراقيون قديمًا وطويلاً منشغلين كثيرا بتداول الفصول . فشُبِّهَ لهم أن دوموزي ، من حسبوه إلهًا فكان أحد آلِهَتهم القديمة ، أيْ تموز، يتجدَّدُ كلَّ عام كمن يقوم من بين الأموات ، فيولد في كانون الثاني مع بدء سقوط المطر وبدء إطلالات ربيع ويموت في نهاية الشهر السادس مع بدء الجفاف وانتهاء الحصاد ، أي في خاتمة كل سنة ، فالسنة السومرية العراقية القديمة كان طولها ستة أشهر فقط ، لا غير .
وما لفت انتباهي في هذه الأسطورة القديمة أن ملوك زمان هم في الحقيقة كحكام اليوم الأشبه بالملوك الآلهة أو أكثر قليلا ، وإن تبدَّلت أسماؤهم ، اختلفت مخارج الحروف في نطقهم الآمر وتغيرت أمكنة عروشهم الذهبية .
والأمر الثاني الذي لفت انتباهي في هذه الأسطورة أنَّ الحياة بدأت تفقد جمالياتها البدئية ، كالعيش الجماعي واللغة المشتركة وانعدام الخوف ، حين سقط أنكيدو في شبكة الشهوانية المُغرِيَة وقبل بالانتقال إلى الحياة حيثُ يعيش ملوك ، كهنة معابد ، كتبة مَلِكٍ وجُندُهُ حُرّاسُ قصره ، أي في المدينة ،
التي هي في نظري أوَّل سطو على الأرض
وأوَّلُ قفص حدودي ، نُسمّيه اليوم الدَّوْلة ، وأوَّل مَعْلمٍ من مَعالِمِ الحضارة الوهمِيَّة ، يسكنه حَمامٌ غير قادر على تجاوز حدوده الحديدية .
وكان سقوط أنكيدو ، ابن الغابة البكر ، سقوطه في شباك امرأة بعث الملك بها إليه ليسقط في شباك شهوانيتها الجسدية الخادعة ، فيأمن شره وينجو من احتمالات نصرته لكل من يعاني من عسف الملك وطغيانه ، امرأة تمارس البغاء ، إرضاءً للآلهة والملك ، في معبد ربانيٍّ وكان كهنة ذاك المعبد يرون فيها واحدة من مليحاتٍ قدَّمتهن لهن إلهة الخصب والعطاء .
أما ما يُحزنني كثيرا ، يوجِعُني أشدَّ وجع ، فهو سؤال من أعطى الملك الحق في أن يقتُلَ خامبابا ، الثور الوحشي وحارس الغابة ، ليسهل أمْرُ وصوله إلى جنة عدن القديمة ، فيجد فيها عبق الخلود ليهنأ به .
من يومها باتت الغاية تبرر الواسطة وقد طغى هذا العمل ، الذي بات من تعاليم الأمير ميكيافيلي ، وانتشر في مراحِ عالمنا منذ مذبحة طروادة اليونانية التي كان فيها الحصان الخشبي الوسيلة التي مكنت الغزاة اختراق أسوارها وحرق بيوتها وتدمير شوارعها وقتل أكثر ناسها وسبيَ شُبّانها.
حينها توقّفْتُ عن الكلام إذ داهم عقلي شعور حزين ، فتذكرت ما أصاب طبيعة عالمي الكبير والصغير ، من تشويه وتدمير .

ـ 2 ـ
تأمَّلَتُ طويلا ما فعله الإنسانُ بنفسه وبغيره .
ما فعله بأمِّه الطبيعة وما هو مدفون في باطنها وما هو مُحَلِّقُ في فضائها من خيرات حياة ، ما فعله بشتى تجَلِّياتها الحياتية كالبحار والأنهار والجبال والليل ، ما حاول الإفادة منه في غير ضروراته وكان كل همُّ البعض أن يجعلوا ناسهم الآخرين ، في زمننا خاصَّة ، عبيد شهوات ، عبيدَ بَذخٍ زائف وعبيد عنفٍ وخُضوعٍ وانعدامِ تفكيرٍ وديمومة سباتٍ عقلي ، فجعلوا الحياة نقيض ما هي .
تأملت تاريخ إنسانيتي طويلا ومتسائلا ، تأمَّلْتُ الأسطورة السومرية العراقية :
أسطورة الطوفان كثيرة الإيحاء والأجوبة على أسئلة حياة .
حَدّثتُ نفسي ، قلْتُ :
الطوفان كان منذ البدء أسطورة آلهة وكان رَدَّا على تساؤلات حياة ، إلاّ أنها كانت أسطورة موحية . تقول هذه الأسطورة إنَّ إنسان العراق السومري القديم أغضب الآلهة ، فقررت معاقبته على ما بلغه من تشويه معالم حياة ، فظهرت فكرة الطوفان الأول ، الذي لم ينجُ منه إلا بعض ما ومن كان ضروريا لاستمرارية الحياة المُتَخَيِّلة .
حضرتني حالا أسطورة ” القرية الضّائعة ” لأفلاطون الفيلسوف اليوناني ، قلْتُ بعدها :
حقا تلك أسطورة أيضا ، في حقيقتها هي أسطورة غضب آلِهِة ، مثلَ أسطورة الطوفان العراقية السومرية القديمة ، لكنها تتضمَّنُ سِرَّ غضب الآلِهة . المُحَصِّلة كانت واحدة : ” التدمير الذاتي ” تدمير الإنسان لذاته .
أحسَّسْتُ بنقيض ما أفكِّرُ ، قُلتُ مُحَدِّثًا نفسي :
كأنْ لا جديد تحتَ الشمس ،
فما هو حاصلٌ اليوم ، حصل أمس ، حدث طوفان وضاعت قرية .
هززْتُ لحظتها رأسي قليلا ، بات عالمنا بفعل الحواسيب ، التليفزيونات والأيفونات المُتكلِّمة والمُصوِّرة وما فيها من بريد إلكتروني ، باتَ عالمُنا قرية صغيرة ، يتهدَّدُها جشعٌ شرسٌ وما يترتَّبُ عنه من تغوُّل عُنْفٍ ، طَمَعٍ وَجوعٍ وانعِدامِ بوصَلَةِ حَياةٍ إنْسانِيَّة .
وكَمْ وَدَدْتُ لحظتها لو أستطيعُ رؤية ما يمكن أن يُشيرَ إلى خلاص الذات الإنسانية اليوم مما هي فيه .
تأمَّلَتُ مسار حياتي تلك الليلة ، فازدَدْتُ يقينا أن مسارَ هذه الحياة هو وَليد موروثٍ شخصيٍّ وجمعيّ ووليدُ بيئة موروثة من بيئاتِ عُبوديّة قديمة ، تغيّرت بَعْضُ تجلِّياتِها ، أبعاد قفصها الحياتي ، لكن القفص ما زال قفصا ، لم يتغيَّرْ جوهره ولم يتبدَّلْ .
تَخَوَّفْتُ قليلا من تأمُلاتي المُتَسائِلَة ، قُلْتُ مُطَمْئنا نفسي :
الإنسان في نظري ووفق فهمي وما علَّمتْني الحياة وُلِدَ حُرًّا ، و كما قال صاحبٌ قديم مُتسائلاً ، طارحا سؤالاً ، هو سؤال أكثر من زمن وأكثر من مكان ، كم وددت لو أنه يصير سؤال أكثر إنسانيتي :
لِمَ ” …اسْتَعْبَدْتُمُ الناسَ وَقَدْ ولدتهم أمهاتهم أحرارا ” ،
استدركْتُ حالاً في صمت ناطق :
لكن ثمة من جعلهم عبيدا وأبقاهم عبيدا ، فبات الإنسان مُرْغَما بمختلف الوسائل يُحافظ على هذه العبودية . وهذا النفر ” الثمة ” حرص على الغالب على تبرير تلك العبودية وتزيين أمرها بالحديث الموهِمِ وكأن هذه العبودية نتاج حياة .

– 3 ـ
استعدْتُ من الذاكرة ما قرأتُهُ ذات يوم في كتابِ ديوان الشعر السومري .
يَحْكون قصَّةَ الخليقة :
في ذلك الحين لم يكن الإنسان قد وُلِدَ .
وكان مجتمع ذاك الزَّمِن الحياتي مُنْقَسِما بين آلِهَةٍ كبيرَةٍ وآلهة صغيرة .
الآلِهَةُ الصغيرة تعمل في حقول المعابد على الأرض خِدْمَةَ للآلهة الكبيرة .
أصاب التعب والغضب الآلهة الصغيرة ذات يوم ، فلجأتْ إلى الاحتجاج والتمرُّد على ما هِيَ فيه .
انعقد مجلس الآلهة ، الكبيرة والصغيرة ، معا للتشاور فيما يمكن فعله . تفتق عقل كبير الآلهة عن ضرورة خلق بديل لتلك الآلهة الصغيرة ، فأمر زوجته بان تجبِلَ دمًا أخذه من أحد الآلهة ( تبرعا من ذاك الإله ) ، أن تجبله بحفنة تراب وبثَّ فيه بعض أنفاسه . عندها ولد الإنسان ، كما وُلِدَ آدم ، فهبط إلى الأرضِ ، مِثْلَ آدم أيضًا ، وبدأ يعمل عبدا في أرض الآلهة . وكان اسمه العبد أي العامل باللغتين السومرية والأكَّدِيَّة، عبد الآلهة وخادمها ، وبات اسمه بعد زمنٍ عبد اللات وفيما بعد عبد الله .
تَأمَّلْتُ تلك القصة الأسطورة ، قلْتُ لنفسي مُجَدَّدا :
حين تأملتُ مسار حياتي ، ازدَدْتُ إدراكا أني لم أختر مساري ، وإن كانت أمِّيَ الحياة وَلَدتني حُرًّا !
فعبوديتي هي وليد بيئة مجتمعية ، بيئة مجتمعي . ولن أصير حُرًّا حَقّا ، إلاّ حين أبدأ في التمَرُّد العقلي على ما أنا فيه .
فالحُرِّيَّة الحقيقية هي شرط حياة وهي حاجة ضرورية ولن يصبح المرء حرًا ، إلاّ إذا صارَ سَيِّدَ ذاته ويُحْسِنُ قَوْلَةَ :
” لا ” ، عند الضرورة وعند الحاجة وحين السّؤال .
قلْتُ لنفسي مُشَدِّدًا :
” التمرد العقلي ، التمَرُّد العاقل الواعي ، لا العنيف هو ما أعنيه وأتمَنّاه ، فما أحوجنا لأن نعيد النظر في عقليتنا المجتمعية ، ذات الإرث القبلي ، وفي إرثنا العقلي” , فالعنف هو عكس العقل المُجَرِّبِ ، الْواعي والسَّليم وعكس السعي بحثا عن معرفة ولا يُحقِّقُ تغييرا منشودًا .
شعرْتُ للمرّة الثانية بتعبٍ جسديٍّ ، ألَمَّ بكُلِّ أطراف جسدي ، بدأتُ أتحرَّكُ هامِسًا :
” الحركة بركة ” ، وهو ما علَّمَتْهُ الحياة .
تركْتُ كرسِيَّ الخشبي ورُحْتُ أتَّوَكأ على عصايَ عائِدا إلى سريرِي المَرَضِي ، لأبدأ نومي اليقظ تلك الليلة ، تأمَّلْتُ ما قرأتُهُ في ذلك ” الديوان الشعري العراقي القديم ” ، الغني بإيحاءاته الفريدة ، كما يجمل بالشعر حقا أن يكون ، ليكتسب هذا النص الشعري وهج حياة ، تأمَّلْتُ ما يوحي به ذاك النص قبل نومي ، فازدَدْتُ قناعة أن الأساطير كتبها كتبة قصر ، أكثرهم ، من كانوا ينعمون بفتات خبزه ويقاتلون بسيفه الموجع والجارح ، تذكرْتُ ، وكُنْتُ أهمُّ باكتساب الراحة الجسدية ، ولو لبعض حين ، تذكَّرْتُ ” خمبابا ” ، وحش الغابة وحارسها ، قتله الملك ، كلكامِشْ ، لا بحثا عن خلود لم يكن ولن يكون ، إنما رغبة بتوسيع حاكورة قصره وما يحيط بها من قفصٍ حدودي ، أسماه مدينة ، أنزلتها الآلِهة ، كما كان يقول كَتَبَةُ الأساطير ، ليجلسَ الملك فوق عرشها الأرضي والسماوي .

– 4 ـ

عِندَها تذكرتُ ما أصاب أكثر وطني ، الذي كان أشبه بالتحفة الطبيعية بما فيها من مشاهد هضاب جبلية ، منحنيات وديان ومنخفضات مدهشة كانت في القديم القديم وفي القديم الجديد كانتْ مراعي رِعاية وأعشاش طيور ملوَّنة وغردة وأخرى جارحة .
لحظتها تأكدت مما بدأ من سنين طويلة يراود عقلي ، إذ أشغلني سؤال ، ربما سأله كثيرون من قبلي :
ما الذي يفعله المرء ، أو الأصح نفر من الناس ، بالطبيعة التي هي أمهم ، أمنا وأم كل حياة وهي مهد ولادة ، ملاعب طفولة وبساط وسادتنا الأخيرة ، حين ننام نومتنا الأبدية.
أتأمل ما يفعله هذا النفر من الناس الجارين وراء ثروة متوهمة ، خصوصا حين يحلـّون غزاة في مكان ما من هذه الأرض ، في أرض لم يكن نورها أوَّلَ ما رأوا ولم تكن هذه الأرض لهم .
فأكثر ما يعنيهم ، يعني ذلك النفر ، هو جمع تلك الثروة ، مراكمتها في جيوبهم وكروشهم المتخمة .
أتأملهم .. لم يسرقوا وطني فحسب ، وفرَّقوا ناسه أيدي شتات ، بل سمحوا لأنفسهم تبديل معالمه وأسماء مراحه وقتل شروط الحياة الأصيلة في ذاك المراح !
أية نكبة هي هذه ؟ حين تتجاوز الإنسان ، فلا يكون وحده ضحيتها، إنما كل ما في الوطن من مُروج ، مُنحَدَرات جبال ووديان ، أعشاش طيور برٍّ وكثبان رَمْل شط !
أتأمَّلُ ذاك النفر من الناس ، فَأخلُصَ إلى حقيقة موجعة ، هنا وفي أكثر من مكان في عالمنا الواسع ، رحب المدى :
انقلب ذاك النفر من الناس على ما كانه الإنسان منذ البدء .
فالإنسان كان ولدَ الطبيعة وقد تعلم منها الكثير ، صاغ حياته في انسجام مع ما كان يرى . فما كان ليشق بطن الأرض ليقيم طريقا ، بل كان يتخذ مساره انسجاما مع مُرتفعات الصُّخور، منحنيات الوديان والحقول .
فكرت طويلا ، هذه التلال ، التي جرى تدمير طبيعتها بكل قسوة تقنية وتخريب ما كان فيها من تجليات حياة ، كانت وليد حياة دائمة التجدد من زمن بعيد وبعيد . وكانت طبيعة بيئتها البدئية هي التي أوجدت شروط نشأة الحياة وانطلاقتها .
دققت النظر في ذاك النفر:
حسبوا أنفسهم سادة الطبيعة ، فأباحوا لأنفسهم صنع ما شاءوا بها . أزاحوا التلال من أماكنها وقضوا على كل ما كان فيها من معالم ، فعلوا ذلك ليسهل تنقل عسكرهم وتنقل من اعتادوا إعادة إنتاج شروط عبوديتهم الموروثة ، ليظلوا عبيدا كما ولدتهم أمهاتهم .
حضر ذاكرتي لحظتها ما رواه لي صديق عمر ، الزَّميل الكاتب الفنان اسامة ملحم ، حكى ذات يوم ، حكى :
قبل سنين كنت أهوى جمع حِجارَة صَغيرة ، أصْغـَرَ من كمشة يد ، مُنتشرة بكثرة عند حوافي الوديان وفوق مرتفعات الجبل ، أحفظها في حاكورتي ، والأصح فيما تبقى لي من حاكورة أبي ، لأحيط بها أحواض ورد صغيرة ، أجمِّل بها فضاء الحاكورة ، فيطيب معها عيش ، فـَقـَدَ من زمن كل بواعث الطيبة والمتعة الحقيقية الساذجة . وحَدَثَ صدفة أنَّ حجارة صغيرة ، كثيرَة الشقوق كالحياة ، بقيتْ سِنينَ مُلقاة في الحاكورة ، حتى كان يوم قمت فيه بتنظيف جرْن مَحْفور في صخرة ، نظفته من بعض التراب والحجارة الصغيرة وملأتـُه ماء .
حكى الصديق :
بعد بضعة أيام تأملت ماء الجرن لأبدِّله ، أكسبـُه حَياة ، قبل أن أزرَع فيه أعشابا ، تنبت في الماء ، داهمتني مفاجأة ما رَأيـْت ! رأيتُ حيوانات بر – مائية ، غايَة في الصِّغر ، تلعبطُ في الماء .
سألْتُ نفسي من أين جاءتْ ؟ .
وبعد طولِ تأمُّل مُفكـِّر ، تذكـَّرْتُ ما عَلـَّمتْ بعضنا حِكـْمـَة الحياة :
وجعلنا من الماء كلَّ شيءٍ حَي !
اكتشفت السرَّ المعروف ، قال الصَّديق :
كانت الحجارةُ التي كانت في الجُرْنِ مَملوءة بالشقوق ، ولا شكَّ أنَّها احتوت بيضا صغيرًا لحيوانات بر مائِيـَّة، انتظرتْ طويلا ، طيَّ الشقوقِ ، وحين لامَسَها الماءُ ، مَصْدَرُ كلِّ حَياة ، نشأتْ شُروطُ فقسها ، فخرجت للحياة !
صَمَتَ صَديقي ، فـَجـْأة ، وَكأنـَّه قالَ لي كلَّ ما ابتغى أنْ يَقول .
بعدها ، حدَّثـْتُ نفسي :
لسنين طويلة حفظت صخور هذا الوطن ما كان فيها من نقوش صخر ، أثر من كانوا هنا ذات زمن مضى ، وحفريّات متحجرة ، أجران ماء ونبيذ ، قناطر وسناسل حجر ، هي تاريخ إنسان بكل ما فيه من حكايا شظف حياة ، مراراتها وأفراحها ، وما كان من عشب بر ، شجره ووروده ، وكانت الصخور والمنحنيات فيه ملاذ ناس ، بسطاء ، أكسبتهم صخور الوعرة خشونة حياة وخُشونة بيئة اجتماعية ، ومنحتهم الشمس لون التراب ولون البرقوق الوعري ، كثير التلون ، كان هذا الوطن وطن كل من عاش فيه ، وقـَبـِل أن يعيش مع أهله ، صخوره وشجره .
وها هو هذا النفر الآتي من بعيد ، بقوّة عصا ، سحر أسطورة تقول إنَّ الله اختاره وحدَه ليكون عبده دون خلقه الكثيرين الأخرين وأعطاه هذه الأرض ، التي هي صُدْفَةً حياتية وزمنية باتت وطني ، فسرقه منّي ، و أكسبه عقلية مسكونة بالعنف ، وقد جاء هذا النفر مُمتطِيا تلك الأسطورة وما عنده من مال وطمع حياة ، فراح يبدل ما كانه هذا الوطن من معالم ومراحات وناس ويتنكـَّرَ لكل ما ومن كان هنا .

ـ 5 ـ
كنت أصْغي ، مَحْزونا وبانتباه ملحوظ ، لما حدثني به زميلُ دراسة وابن فَلاّحٍ مِنْ وعرة المحوز الجليلية اسمه رائف ذباح ورحت أرقب متأمِّلا ما حدث ويحدث في هذه الوعـْرَة الصَّغيرة من عالمنا .
عِندَها تذكرتُ ما أصاب أكثر وطني ، وخصوصًا الطريق الوعرية الممتدة بين الناصرة وشفاعمرو ، طريق حيفا الناصرة مقابل عسفيا والدالية ، طريق بدأت تدمِّر ما كان يربط بين الكرمل الشرقي عند دير المحرقة وبلدة طبعون الواقعة عند مدخل مرج ابن عامر ، طريق عكا صفد وغيرها ، وما يراد كذلك بوادي عارة في المثلَّث ، شماله وجنوبه ، وبهضبة الجبل في الطريق الجديدة القديمة قبالة وادي عامود القريب من بلدة صفد وبحيرة طبريا ، فكلُّ هذه الطرق ، وما حولها ، وطرق وطني الأخرى كانت أشبه بتحفة طبيعية ، بما فيها من مشاهد هضاب جبلية ، منحنيات وديان ومنخفضات مدهشة كانت في القديم القديم وفي القديم الجديد مراعي رعاية وأعشاش طيور جارحة .
دققت النظر في ذاك النفر .
بعدها ، حدَّثـْتُ نفسي ثانِيَةً :
لسنين طويلة حفظت صخور هذا الوطن ما كان فيها من نقوش صخر ، أثرِ من كانوا هنا ذات زمن مضى ، وأحفورات متحجرة ، أجران ماء ونبيذ ، قناطر وسناسل حجر ، هي تاريخ إنسان بكل ما فيه من حكايا شظف حياة ، مراراتها وأفراحها ، وما كان من عشب بر ، شجره ووروده ، وكانت الصخور والمنحنيات فيه ملاذ ناس ، بسطاء ، أكسبتهم صخور الوعرة خشونة حياة وخُشونة بيئة اجتماعية ، ومنحتهم الشمس لون التراب ولون البرقوق الوعري كان هذا الوطن ، كثير التلوّن والمشاهد الجمالية ، وطن كل من عاش فيه وقـَبـِل أن يعيش مع أهله ، صخوره وشجره .

ـ 6 ـ
وكان صديقي رائف ذباح حَدَّثني ذاتَ يَوْم :
قال جَدّي ، بَعْدَ أنْ أطْفأ سيجارَتَهُ ، ما هُوَ حاصِلٌ وفي عِزِّ الظهيرَة يكاد يُفقِدُني عقلي ! فقد بدأوا في غفلة مِنْ ناس كثيرين ، بدأوا يحْجِبونَ عَنِ الجديانِ السّود مَراعي الصَّخر وما بينَها مِن شَجَرِ بَلّوطٍ ، عُشْبِ برٍّ وَأجرانِ ماء . ويَسْرِقونَ حتّى فَرَح القفزِ بَحْثا عَنْ قِمَم وَعنَ مَراحِ نسيم .
بَدَّلوا مَعالمَ المَكان والإنسان وكُلَّ ما كان شاهِدا أنَّ هنا كانَ مَلاذَ ومُسْتَقر ، هُوَ وَطن ، عاش فيهِ ناسٌ آخَرون ، أحبّوا الحياة ، مُرَّها وحُلْوَها ، ما فيها من بساطة ، غباءٍ وحلم وفي لَيْلَة عِتِمْ رُحِّل ناسها ! اقتلِعَ تينها و زيتونها ، ” فـَتـْفـَت ” حتى القِمَم ، سَمَّم الغزاة فيها هَبّاتِ النَسيم ، بدَّلوا مسارات دُروب لِيَسْهُلَ تنقل جُنود غازين ، دَمَّروا مَسيلّ غُدْران ، جَرَّفوا حَتّى عُشْبَ البر فجَفَّ ضِرْعُ جِدْيان سمر.
قالَ ، يُفزِعُني ما أرى وكُنْتُ طُفتُ الأوْدِيَة ، تسَلَّقتُ أعلى القِمَم ، سامَرْتُ النيِّرَيْن وَما بينَهُما مِنْ قَناديل نور.
لكِنْ ، رُغْمَ ما رَأيْتُ ، كَمْ أفرَحَني حين رَأيْت أنَّ صَلْبَ الصَّخرِ ليْسَ كَما بعْضُ إنسانِهِم صانَ في رحْمِه حَتى أحْفورات تشكُّل الحَياةِ وما نَقشهُ الأقدَمون عليهِ مِنْ رُموزٍ وَصُوَر وما خَلَّفوه مِنْ أكوامِ حَجَر لِمَعْبَدٍ شُيِّد في قديم القَديم ، قصر عاشق أوْ حُطام بيوت.
حَدَّثَ الجِدُّ ، وَكانَ يُشير بعصاه إلى كوْمَة صُخور ، هذا واحِدٌ مِنْ أجْمَل الأمْكِنة في وَطَن أحالوه سِجْنا ومَشرَحَة مَوْت، فاستحالَ هذا الوطن قصْرَ عِشق ومَنارَةَ شوْق ، تَرْحَل إلَيْها عُيون ، وباتَ نَشيد أمَل وأهزوجَة حَياة. عَرفتُ فيه كُلَّ موقِع وَكُلَّ مَوْضِع ، أين يتسلَّل فيه ضَوْء وأيْنَ يَنْحَسِرُ نور ، أيْنَ ينسَكِبُ مَطَرٌ وأين يسِحُّ ندى ، أيْنَ يَطْلُعُ عُشْبٌ وأيْنَ يَنْبُتُ شَجَر .
وَقدْ عَرَفتُ في شِعابه كُلَّ أشكالِ الطُّعون ، حَتى باتَ يَصْدُقُ في خاصِرَتي ما تَوجَّع به صَديق ذات يوْم
” تَكسَّرَتِ النِّصالُ عَلى النِّصالِ ” .
لكنَّ أكْثَرَ ما هدَّني ما قيل في راحِل زَمَن
” وَظُلْمُ ذوي القُرْبى أشَدُّ مَضاضَة ” ،
قالَها وَمَسَحَ دَمْعَة عَلى غَفلَةٍ مِنّي، كادتْ تَفِرّ مِنْ عينيه . واصَلَ حَديَثَهُ فأسَرَّ لي ما عَرِفتُه زَمانا : ً
وَلدُ المَحوز أنا ، ففيهِ وُلِدتُ وَفيه وُلِدَ أبي وماتَ جدّي ، بين صُخورِه مُنايَ أنْ أعيشَ وَأن أموت ، لِيَبْقى لكَ مِنْ بَعْدي . وبينَ رْباعاتِه عَرَفتُ شَقوَنَة الوَلْدَنة بَحْثا عن أكواز تين ، قُطوف عِنَب ، أعْشاش عَصافيرَ برٍّ وَأجران ماء . وقد طُفتُ فيه فَعَرَفتُ موقِعَ القصْريْن وما كانَ بينهما مِنْ مَعْبَد باتَ كنيسة .
وقبل أن يُغيَّب في صَمْتِه ، حدَّثَ حفيدُ وَلَدِ المحوز وَزَميلُ الدِّراسة :
شَعَرْتُ أنَّ جدّي دَخلَ في نَشوَة عابِد لحْظة راحَ يستعيدُ في ذاكِرَتِه أسْماءَ المَواقِع وَأيّام الصبا في وَطَن انتُزِع مِنْهُ عِنْوَة ، خِدْعَة ورشوَة !
اسْتعاد في ذاكِرَتِه الممَزَّقة مراح عرب الدَّقليز ، عرب الشمَّه ، عرب حْسينْ ، تذكَّرَ بِرْكَة جُمْعَة ، قَبَو العم صالِح ، رْباع الجار أبو حَمّود وزتونات محْمود الخليل !
صاحَ الجَدُّ مِنْ قحْفِ رأسه
” يا حَيْفَكِ يا حياة إن لم نَعْرِفْ كَيْفَ نصون صّخْرا ، ارْتَوى ما بينهُ مِنْ ثرى بِقطرات ندى هِيَ نزفُ ما سَكَب ناسي مِنْ عرقٍ ، دَمٍ وَدَمْع “.
أخافتني صرْخَتُهُ ، لَحْظتها ، قالَ راعي المَحوز ، والتزمَ الصَّمْتَ فكان صَمْتُهُ أبْلَغ كلام
…..
حَدَّثَ راعي المَحوز ، بعْدَ أنْ كسَرَ وَحْشة صَمْتِه وعادَ إلى ما بدَاَ من كلام ، قال جدي :
تسْالُ يا وَلدي عن قصْرِ العاشِق وَما يَكون ؟
حَقيقة لا أدري ، ليسَ عِنْدِيَ خبَرٌ يقين ، لكِنَّ ما أعْلمُه أني وُلِدْتُ هنا وهنا كَبُرْتُ وفي هذا المدى وُلِدَ أبي وناسي الأقدَمون وفيهِ بَقيتُ لأبقى أخوضُ صِراع البَقاءِ ، لأحيا فنحيا ، أغالِبُ الزَّمَن وما يَحْمِلُ مِنْ مِحن !
لكِنْ ، قالَ يا وَلدي ! سأجهد عقلي وَأنْبشُ ما عَلِق بذاكِرَة لا تَشيخ ولا تَمْحوها تقلبات سِنين !
يْحْكونَ ، يا ولدي ، يَحْكون !

ـ 7 ـ
تأملتُ أكثر سني حياتي وما فيها من قلقٍ وحُلْمٍ ، تأمَّلْتُ ما قاله اثنان من صَحْبٍ وقد باتا اثنين من مُعَلِّمي أكثر من زمَنٍ ، لكنَّ مدرستهما صارت نادرة الطلبة ، قالَ الأوَّلُ :
” نَحْنُ ناسٌ لا نأكلُ حتّى نجوع ، وإنْ أكلنا لا نَشْبَع “
وقالَ الثّاني , وهو الأكثر طفولة حياة ، قالَ :
” ليسَ بالخُبْزِ وَحْدَهُ يحيا الإنسان ” .
وتأمَّلْتُ ما كتب أبو بكر ابن الطفيل مُغَنّي سمفونِيَّة الحياة :
حي بن يقظان ،
فسريعا ازددتُ قناعة أنِ لا سببَ ينشَأ ، إلاّ إذا انوجد ما كان قبله من سبب ، وازدَدْتُ معرِفَةً أن الحياة الأرضية لا تكون إلاّ إذا انوجدت شروطها ، ما كان قبلها ، فلا يمكن معرفة البداية ولن تجئ نهاية ما بقيت شروط حياة .
واستوقفني كثيرا وطويلا ما كتبه الشافعي ذات زمن :
” إنّي رأيْتُ وقوفَ الماءِ يفسِدهُ إنْ سَحَّ طابَ و إنْ لم يَجْرِ لمْ يَطِبِ “
فأشعلتني الذاكِرَة ، حضرني قولُ هيراقليطوس ، أخونا الأكبر زَمَنًا ، كان قال :
لو هبط أحدُنا إلى ماء النهرِ ، فلن يسْبَحَ في الماء ذاته مَرَّتَيْن ،
فالماء ، أيُّ ماءٍ دائمُ الجَرَيان ، وهو الحياة .
تَأمَّلتُ عِنْدَها عالمنا الصغير والكبير ، أحزنني ما بات عالمُنا ، باتَ عالمًا بلا جريان أو تَجَدُّدٍ عقلي مُؤنسِن ، فغمرني قلقٌ موجعٌ وحُزن ….

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق