ثقافة المقال

ديسمبر .. ونساء السودان الجميلات غير الصمود ما عندهن

عبد المنعم همت*

عند المنعطفات الجليلة تنزلق الأفكار المحشوة بالترهات وتصاب العقول المنحرفة باهتزاز معرفي يجعلها ترى غروب الشمس مرات في اليوم الواحد , فشعارات ” هي لله ” صارت جيفة حطها السيل من علٍ وهكذا تم رفع اخر سجل للحركات التي تسمى اسلامية إلى محكمة العدل الإنسانية ومقرها العقول النقية المزدانة باللطافة والمتجردة من الكثافة .
الكثافة هي حالة التمسك بكل ما يحط قيمة الإنسان ويجرده من ادميته ليصبح مٌنساقاً إلى مراتب الحيوانية السلوكية بخيوط العنكبوت , والمصابون بحالة الكثافة العالية يعبرون عن وضعهم باستعلاء ذميم وربما هي حالة نفسية ترفض البقاء تحت أشجار الحرية الباسقة وتفضل أن تستظل بغمام في ” سجيل ” . وهي حالة ” تلبك معوي ” تأكل مما تزرع من ” حسكنيت ” وبعض لفافات الحقد لمكونات انسان السودان.

د. عبد المنعم همت

واللطافة سمو الروح على شهوات الجسد , والسير على طريق بناء منظومة الأخلاق السليمة . وهي التعفف النفسي والجسدي من الانحدار الى ” فلترق كل الدماء ” والانتماء العميق إلى “ولقد كرمنا بني آدم ” .
نشأت الحركة الاسلامية في السودان كامتداد للحركة الأم في مصر , وفي حركة سيرها لتحقيق أهدافها اختارت الحركة الإسلامية أن تغرس شجرتها في ارض الحضارات , وتجعل ثمرها السام غذاءً للعقول قبل البطون . وعندما كانت دوائر الوعي تثمن دور النساء في التغيير , كانت الحركة الإسلامية تنظر للمرأة بعدم القدرة والعجز واباحت خروجها من بطن امها إلى الدنيا , ومن بيت ابيها إلى بيت زوجها , ومن بيت زوجها الى القبر , وبعد حين استدركت وزن المرأة فعملت على الوصول إليها عبر بوابة الكسب الانتخابي لتكون ” سحابة صيف ” انتخابية سرعان ما ترحل إلى مخدعها الفكري المتمثل في التبعية المطلقة لأهواء التنظيم فبدأت كرصيد انتخابي وانتهت الى مظهر اجتماعي نراه في تعدد الزوجات كظاهرة مرضية أصابت الجهاز العصبي للمؤتمر الوطني . فمقياس الانتماء والولاء يتمظهر في الثراء الحرام , والكذب وتعدد الزوجات .
وجهت الحركة الاسلامية سياطها المنحرفة 180 % عن الحقيقة نحو النساء فاختزلت الانضباط في الزي وبحثوا عن الحور العين بالجلوس على الجماجم والشرب من محيطات الدماء , والصلاة في مراحيضهم الفكرية .ضٌرِبت النساء بالسياط تقرباً لله , وأٌحلِت للقطط السمان العيش حياة قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم . فتكونت جزيرة” إسلامية “بها شجرة واحدة لا يجوز الصلاة تحتها , ومسها يحتاج الى الغسل بالتراب سبعاً , وطلعها كطلع الشياطين .
وفي ديسمبر تجلى قمر النساء , وخرجن للطرقات كالأمواج يهتفن للوطن , يدافعن عن حقوق الوطن والمواطن بعد أن تخطين محطة الانغلاق في المطالبة بحقوق المرأة فقط بحقيقة أن الوطن محبوس في مغارات تدوس على كل مكونات الانسانية . ساهمت المرأة السودانية في الحراك منذ قرون , وبعد الانقاذ إبتدعن أجساماً مرنة للوقوف ضد القمع والانتصار للحق والخير والجمال . هذه الأجسام قابلة أن تتشكل في إطار سياسي و ثقافي , وقانوني , واجتماعي, وخدمي ..الخ , ومثل هذه الاجسام تستطيع احداث التغيير العميق والذي يبدأ من رياض الاطفال وينتهي عند فضاء الانسانية السودانية الرحب . في سبتمبر اشهرن مدارك التحدي , وهزمن الأصنام ودخلن السجون بأعداد كبيرة , فرقص منفذ قرارات الحبيس واكتفى بسؤال وداد عن الخضاب والزينة ولم يسأل عن اللاتي تزين بالهتاف وتعطرن بالغاز المسيل للدموع وهنا قال الكتيابي :
طالما ساجننهن
معناتا خايفين منهن
كأنما بيوتكم
خلا ما فيهن كائن زيهن
أمات و زوجات
والبنات فارسات
وفاهمات كلهن
جوه الزنازين يهتفن
تسقط بس
غير الصمود ما عندهن
يبقى ديسمبر عيداً للوطن ومقياس ريختر للقلوب الواجفة , ووشاحاً على هامات النساء الصامدات من اجل وطن نعطيه الحرية ويعطينا جينات التميز والذي قال عنه عاصم حنفي :

ضائعٌ وطني بين هذي العباءات بيضا وخضره
فأرباب بِيضِ العمائمِ منتفشين و منتفخين ..بجوف العباءاتِ
مثل الأباليسِِ يستكبرون..
و خُضر الطواويسِ خلف الكواليس ينتظرون..
و قد شمّروا للتوثُّب والانقضاض علي العرشِ رأد الضحي
عندما سنحت سانحه
أبيضٌ ..أخضرٌ .. أب..
و ما من جديدٍ سوي أن رائحة النتن فاشيةٌ فائحه
و العروش الجبانةُ تُزكمنا و تخنقُ أنفاسنا ..
بمراحيضِ خصيتها الطافحه
كلّ وغدٍ بذي الأرضِ ينعم بالعيشة الرغدِ و الترف المترهل
و الحر تدمي جراحاته القائحه
كل من يتشبثُ في أرضنا بالنهي و الضمير يُداس
و من يتسلقُ أو يتملّقُ أو يتعلقُ بالعرش
فهو من العُصبة الرابحه
لم أجد في جميع حكومات شعبي من يستحقُ
سوي الهجوِ والشتمِ و الذم ..فلتسقط الأحرف المادحه.

*كاتب وأكاديمي سوداني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

3 آراء على “ديسمبر .. ونساء السودان الجميلات غير الصمود ما عندهن”

  1. كنداكات السودان التحية والإجلال لهن ..
    الكنداكة للذين لايعرفون هذه المفردة لقب للملكة الكوشية في حضارة مروي السودانية الضاربة في القدم ..

  2. لك الله عزيزى عبد المنعم همت
    أيها المصلوب مثل شواهد الموتى بزاويه الطريق
    أيها النوبى الجميل سليل رماة الحدق

  3. مقال جميل وعميق وسلس يا منعم ليك التجلة والاحترام وعقبال تطلع شمس باكر ونتلاقى بعد قيد البلد ينفك ..
    شكرا ليك نيابة عن كنداكات السسودان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق