ثقافة السرد

الـدم

د. افنان القاسم

كانت الحرية في بدنه، في مخه، في دمه.

شارل بيغي

لا يوجد دم في أكثر روايات قطاع الطرق عنفًا أكثر مما هو عليه في أوريستي أو في الملك أوديب: لكن للدم فيهما غير الدلالة ذاتها.

أندريه مالرو

ليس مظهر الدم ناعمًا إلا في نظرة الأشرار.

فكتور هيغو

****

كانت برج بوعريريج تبدو كالخارجة من حلم مفزع: الأشجار محطمة، والسيارات منقلبة، والشوارع مهجورة. بعد ليلة من الأرياح العاصفة والأمطار العارمة، آثر الناس البقاء في بيوتهم. عاصفة كهذه، لم يروا في حياتهم أبدًا! ومع ذلك، كان الدخول في أبرد الفصول الأربعة لما يبدأ بعد.

وقوفًا من وراء النافذة، كانت صليحة ترمي نظرة خائفة وآسفة على الكارثة التي ألحقتها الطبيعة بالمدينة الصغيرة. كانت تنظر، وهي تتردد في الخروج: كانت مهمومة ومقدامة رغم كل شيء. في تلك اللحظة، كانت تحيط وجهها بضع خصلات من شعرها الشائب، وجهها المنحني قليلاً إلى الأمام. وكانت أنفاسها تشكل على الزجاج آثارًا من الغبش لا تلبث أن تمسحها. وأكثر ما كان يثير انتباهها – رغم الأماكن المحفرة هنا وهناك – ما يبدو عليه شارع البلدية من لون داكن. فالمطر الغزير قد غسل الغبار، وجعل سواد الإسفلت أكثر سوادًا. البرد والسواد مظهران مهمان لحياتها. فكرت صليحة: سيكون الشتاء قاسيًا هذا العام! وشدت وشاح الصوف حول عنقها. كان عليها أن تذهب بحفيدها مولود إلى المدرسة. ولكن مع كل هذه الأضرار! ألقت نظرة إلى الحجرة الضيقة، ورأت أنه لم يزل يغط في نومه. كان يشخر كالشيخ الأدرد، حتى عاصفة الليلة الفائتة لم تزعجه أقل إزعاج! ابتسمت. كان ذلك أقوى منها. قالت لنفسها: مولود لم يزل صغيرًا، العاصفة له ضربة ريح لا أكثر، لكنه سيكبر يومًا، وسيعرف ما هو غضب الآلهة! كان الصبي في العاشرة من عمره. تأملته، وهو ينام، دون أن تستشيط غيظًا من ذلك الكسل الطفولي الذي يسيطر عليه كل صباح، وقالت لنفسها: يجهد نفسه أكثر من اللازم في اللعب، مولودي الصغير! لهذا كان ينام ما أن يضع رأسه على المخدة، ولا ينهض إلا دقائق قليلة قبل الذهاب إلى المدرسة. كان على عكس أخيه محمد، مساعد الخباز، الذي كان ينهض باكرًا رغم سنيه الخامسة عشرة، قبل أن يغني الديك! ربما كان دافع ذلك الخوف من تهديدات معلمه العجوز الفرنسي واللسان السليط لزوجه. أعادت صليحة: على أي حال، لا نستطيع مقارنة صبي من معدنه بمولودي الصغير، حفيدي الصغير الغالي! لقد جرؤ محمد على الاستخفاف بالعاصفة، وذهب إلى العمل في ساعة مبكرة جدًا على عادته!

بدأ بعض المشاة بالمرور، وبعض السيارات بالعبور. أرادت صليحة أن توقظ مولود لتترك له الوقت الكافي لغسل وجهه وارتداء ثيابه وشرب كأس الحليب الذي تعده له كل صباح. كان يحتاج كل هذا إلى كثير الوقت، وإذا لم ينهض حالاً، وصل إلى مدرسته متأخرًا، هذا إذا ما كانت هناك مدرسة. لكنها أشفقت عليه، وتركته يرتاح قليلاً على كثير، حتى ينهض وحده.

ومن جديد، عادت إلى النافذة. توقفت سيارة رونو8 مقابل مقهى “الطلياني”. نزل منها شاب وشابة فرنسيان يرتديان معطفين من الفرو، ودخلا المقهى على عجلة. كانا يبتسمان لبعضهما رغم كل ما لحق بالمدينة الصغيرة ليلة البارحة. صعدت الشارع جرافة يتبعها رجال البلدية لفتحه وتنظيفه. كان جامع القمامة الجزائري الذي من العادة أن يكنس الأرصفة هناك. لم يتأخر شاب وشابة معطفي الفرو عن الخروج من المقهى متأبطي الذراعين، بينما جامع القمامة، الذي يمكن أن يكون في الخمسين أو الخامسة والخمسين من عمره، يلاحقهما بعينيه، ويتنهد، معتمدًا على عصا مكنسته الطويلة، ثم ما لبث أن باشر عمله، وهو يبدو غائبًا بعض الشيء، رغم الضجيج المحيط به. كان شارباه يهتزان بعصبية مع كل دفعة من عصا المكنسة، وكانت أنفاسه تتحول إلى بخار. حينما رفع رأسه باتجاه صليحة، لاح عليه الضياع، فأشفقت عليه: كم هو بائس، موسيو مكنسة! ظل ينظر إليها لبعض الوقت، ثم مسح ظاهر يده على مشمعه الأصفر، وقطع الشارع إلى الرصيف الآخر.

فكرت صليحة، وهي تتذكر كيف نظر إلى شاب وشابة معطفي الفرو: يتعذب! ربما قتلوا له ولدًا في الجبل، لديه من العمر مثلهما! عادت إليها الذكرى الأليمة لولدها القتيل: لكن ولدي لم يمت بالفعل، فهو قد ترك لي جزءًا منه، حفيديّ. رجعت قرب مولود، وضعت رأسها قرب رأس الطفل، وراحت تتأمله بروية محاولة حبس دمعها. لقد ترك لي ابني ثروة من ورائه! كانت تفكر في ولديه، كانت روابط الدم لديها أقوى من كل شيء. وبينما هي تنظر إلى مولود، وهو ينام نومًا عميقًا، كانت جراح قلبها تنفتح. لقد ترك لي ابني ثروة من ورائه، ثروة كبيرة! شرد بها الفكر، فقالت: هو طفل اليوم، وغدًا لسوف يكبر! لقد كبر أخوه قبل كل خلانه، وها هو يكسب رزقه بعرق جبينه! كل مساء، كان محمد يأتيها بحفنة من النقود وبرغيف ضخم من “خبز العرب”.

أطلقت صليحة نفسًا مديدًا، ورغبت في قرص خد الصغير مولود، في حصد القمح الأسود، لكنها منعت نفسها، رغم أنها اقتربت بأصابعها من رأس الصغير. هو في سابع سماء، يرتع مع الغزلان! قالت لنفسها قبل أن تنهض لتذهب إلى زاوية علقت فيها بعض أواني الألمنيوم. كذلك كان الدلو هناك. ملأته بالماء، وعقدت العزم على غسل درج البناية قبل أن تذهب بالولد إلى المدرسة. كان ذلك عملها. كانت تغسل كل صباح درج بنايتها، وفي المساء، تخرج القمامة مقابل مبلغ زهيد من النقود. من أجل أن أشتري حليب مولود، ولدي الصغير، همست صليحة. كان ذلك سعادتها، كأس الحليب الذي تستطيع شراءه لحفيدها. وعلى عكس محمد، لم تكن تشكو من شيء. كان ذلك من طبيعتها. هو، لم يكن راضيًا عن حاله، لكن جدته كانت تعرف كيف توقفه في الوقت المناسب. بالنسبة لها، المهنة، حتى ولو كانت مجبرة، تبقى مهنة مشرفة طالما تأتي بما يساعد على العيش. لهذا السبب، وافقت على عمل ما تعمله.

في اليوم الذي دمر فيه العسكر تخشيبتها في حي الجباس، جاءت تطلب مأوى من أصحاب هذه البناية ذات الطوابق الخمسة في شارع البلدية، فاقترح أحدهم – لم تكن تعلم إذا ما كان فرنسيًا أم جزائريًا – أن تسكن في الغرفة الضيقة المجاورة للسطح، فبعد أن مات الكلب بوبي، كانوا بحاجة إلى من يحرسهم. وبعد ذلك، اكتفوا بما تقوم به من تنظيف، فإجراءات العسكر أصبحت مشددة.

أفلت منها دلو الماء الذي كانت تحمله دون أن تفهم كيف أمكن لذلك أن يقع، فأيقظت الضجة مولود الذي هب من نومه مذعورًا صائحًا:

– صليحة، البمبة! البمبة، يا يما! البمبة!

جرت وأخذته بين ذراعيها مرددة:

– بسم الله… بسم الله… بسم الله…!

– البمبة، يا يما! البمبة!

مضت العاصفة دون أن توقظه أما دلو ماء سقط من يدي… أخذت على نفسها خُرْقَها، وأوضحت:

– سقط البيدون من يدي.

دفعها، وراح يحك عينيه. نظر إلى وجنتي جدته المتهدلتين، وانفجر ضاحكًا، وهو يشد نفسه إليها، فأخذت تدغدغه. انتفض، وأعاد ساخرًا:

– البمبة، يا يما! البمبة!

ألقت الجدة ضحكة هي أيضًا:

– يا لك من شيطان صغير! هذا يسليك، أيها الشادي!

فرقع قبلة على وجنتها، وقفز من السرير باتجاه “العين”، الحنفية. قالت صليحة من ورائه:

– اسمع! كانت هناك عاصفة الليلة الماضية.

استغرب مولود، وهو يستدير:

– عاصفة!

– إلى متى ستبقى هكذا، أيها الكسول؟

تثاءب الولد بفم واسع عن عمد، فتح عينًا، وأغلق أخرى.

– قل لي، إلى متى؟

همهم مولود:

– ما زال الحال، يا صليحة!

أعادت غير راضية:

– ما زال الحال، يا صليحة!

خضخضت رأسها يمنة ويسرة مذكرة بمد الماء وجزره في قارورة، وأضافت:

– كل الأولاد راحوا المسيد، إلاك!

ابتسم.

قالت الجدة وهي تتظاهر بالغضب:

– وتبتسم! ترقد مع الدجاج وتقوم متأخرًا كأبناء البورجوا! المسيد على وشك أن تغلق أبوابها.

ألصق الطفل وجهه على النافذة، ورأى ما فعلت العاصفة بشارعهم:

– لن تفتح المدرسة أبوابها بسبب العاصفة.

– العاصفة مضت في سبيلها، إلى العمل، أيها الكسول!

خللت بأصابعها شعره الأسود، وتأملت طويلاً جبينه الأسمر. لم تكن تتعب من النظر إليه. غرقت في عينيه السوداوين، وقالت لنفسها: لا، لا أريد أن أعرف! كانت تحدق في عيني الطفل، وفي الوقت ذاته لا تريد أن تحزر المستقبل الذي يختفي فيهما. كان أكثر ما يوجعها أن تعرف مصير حفيدها الدفين في الأعماق السوداء لعينيه. لقد بلبلتها مأساة ولدها، مأساة كِنّتها التي ماتت بعد أن وضعت مولود، المأساة اليومية للمقاتلين البسطاء ذوي الأفكار الجنونية عن الحرية. وعندما ابتسم لها من جديد، استضاءت بالأمل: سيكون الوطن قد تحرر.

غسل مولود وجهه، ثم فرك شعره. أحضرت صليحة منشفة نظيفة، وأخذت تجففه، وتنظف له الأذنين. سحب المنشفة صارخًا، فقد آذته جدته.

صاحت الجدة:

– يجب أن تكون نظيفًا، وإلا عشش الدود في أذنيك!

تذمر مولود قليلاً، فسألته صليحة:

– وواجباتك؟ لم أكن هنا قبل ذهابك إلى النوم لأسألك إذا ما قمت بواجباتك.

لم يجبها. صب لنفسه الحليب من البقراج، وراح يجرعه جرعات صغيرة، وهو يستمع إلى جدته على مضض.

– يجب أن تقوم بواجباتك كل يوم، يا مولود، فأنا أريدك متعلمًا لا جاهلاً كجدتك العجوز! هكذا فقط ستكون غنيًا وقويًا.

رد الولد:

– أنا قوي، يا جدتي!

– أعرف. لكن لا فائدة من هذا إذا كنت فقيرًا.

فتح الصبي صندوق الثياب، واختفى بنصفه فيه، ثم سقط في جوفه. رقصت قدمه الصغيرة في الهواء مضحكة الجدة من كل قلبها، ونجح أخيرًا في الخروج من الصندوق، بيد ثيابه النظيفة، وبالأخرى سلاح خشبي.

أمر مولود:

– ارفعي يديك!

فانصاعت صليحة، وهي تعود إلى القهقهة. ولأنها لم تقاومه أقل مقاومة، أخذ في إطلاق الرصاص عليها. لعبت الجدة الطيبة اللعبة، وتظاهرت بالإصابة منطرحة على الفراش. ظلت دون حراك، وصمت غريب جعل الجو ثقيلاً، فسارع الصبي نحو جدته مذعورًا، وبدأ يهزها:

– صليحة! هل أنت بخير، يا يما؟

جذبته بين ذراعيها، وأخذت تعضعضه من خديه، ومن أذنيه، بينما الولد يصرخ من الفرح إلى أن انقطعت أنفاسه.

قالت بنبرة معاتبة وهي تفلته:

– كيف تجرؤ على قتل جدتك العجوز والتي لا حيلة لها؟ لأنك قوي؟ القوة التي تلحق الأذى بالضعفاء لهي قوة جبانة، يا بني! إنها قوة الأنذال والأدنياء!

همهم الصغير مولود:

– أردت فقط اللعب معك.

ألحت صليحة:

– لا، أنت قتلت جدتك.

– كان ذلك لأجل اللعب، أقسم لك، ثم أنت ترين جيدًا أن هذا ليس بسلاح حقيقي.

– هل تعرف، يا مولود…

أصغى إليها بانتباه.

– كان العنيد أبوك قويًا هو أيضًا، كانت له قوة حصانين. هل تعرف كم تعادل قوة حصانين؟ أكثر من قوة عشرة من الرجال الأشداء. لهذا انضم إلى الفلاقة، وعلى كتفه بندقية، بندقية حقيقية لا كهذه، ليقتل هؤلاء…

وأشارت من النافذة إلى دورية عسكرية كانت تقطع الشارع.

– العسكر؟

– نعم، العسكر. لكنهم قتلوه. هل تعرف لماذا؟

حرك الطفل رأسه نافيًا.

– لأن لديهم مدافع وطائرات بفضل العلم وليس بندقية بسيطة وقوة جسدية لحصان أو حصانين، لأن لديهم نقود ليعملوا الحرب وليعملوا السلم. لو كان أبوك متعلمًا وغنيًا، لما صرنا إلى ما صرنا إليه.

بدأت تجدل شعرها بعصبية مضيفةً:

– ومع ذلك، هناك من العنيدين آخرون في الجبل، وهم كثيرون، كثيرون جدًا، بكثرة حبات الرمل. مائة بندقية تساوي رشاشة واحدة، لكنهم كثيرون هؤلاء العنيدين من المقاتلين، هؤلاء الشجعان، الأميين كما كانوا دومًا. لهذا ستطول الحرب، وسيسقط الشهداء بالآلاف. دومًا ما كانت هكذا حرب الفقراء ضد الأغنياء.

فكرت صليحة في العنيد ولدها، كما كانت تقول، وقالت لنفسها: لم يكن ذنبه، فهم كانوا يمنعون التعليم عن الجميع. فكرت في محمد. حقًا كان مضطرًا إلى العمل ليسد بعض حاجات العائلة، لكنه لم يضع القدم في المدرسة أبدًا. كان مولود الاستثناء كما كانه بعض أهالي البلد الآخرين. كان يمكنه النجاح، وكانت جدته على استعداد لتعمل كل شيء من أجل يذهب إلى أبعد ما يمكن في دروسه.

ساعدت صليحة الطفل على ارتداء ملابسه، وهي لم تزل تفكر بعد في محمد:

– اسمعني، يا مولود! أخوك، لم يكن الحظ حليفه، فادرس جيدًا، ولا تدع هذه الفرصة الثمينة تفلت منك!

وفي اللحظة التي وضع فيها ساقه الثانية في سرواله، صرخ الصبي، وانطرح أرضًا، وهو يقبض بعنف على فخذه، ويبكي بكاء قويًا.

سألت الجدة فزعة:

– ماذا جرى لك، يا مولودي الصغير؟

والصغير يتلوى، ويزعق:

– الموسى! الموسى!

انهمر الدم من بين أصابعه أمواجًا، وبحركة سريعة، خلعت صليحة سرواله، فظهر خط طويل أحمر متعرج يسطر فخذ الطفل.

صاحت، وهي تضغط الجرح بالقوة التي تستطيع عليها:

– يا ربي الرحيم!

سال الدم من بين أصابع الجدة. كان يشتعل، ويلطخ كل شيء. أخذ قلبها ينزف. لم يكن باستطاعتها أن تفعل شيئًا. يا ربي الرحيم! ابتهلت مذهلة أمام موج الدم، وصراخ حفيدها الذي لا يتوقف: يا ربي الرحيم! يا رب الرحمة! كانت كل الجزائر تبتهل، والصغير يصب الدم والدمع، إلى ما لا نهاية، لتواصل الجزائر الابتهال.

قالت صليحة فجأة، وقد عادت إليها ثقتها بنفسها:

– إنه لمن العبث!

كان من اللازم فعل شيء.

نهضت، بخفة فراشة، تناولت علبة القهوة عن رف، ورشت الجرح، ثم ربطته.

قالت صليحة للصغير مولود، وهي تشده بين ذراعيها:

– تعال، أيها الشقيّ! لا تبك! هذا من صنع إبليس! إبليس اللعين كان يريد هلاكك!

أخرجت من جيب البنطال شفرة حلاقة أعماها بريقها للحظة.

– تسير وفي جيبك موسى للحلاقة! هل رأيت ماذا فعلت بنفسك؟

قال الصبي زافرًا:

– وجدتها في الطريق، كنت تحتاجين إليها لقطع الخيوط.

– ولماذا لم تعطني إياها البارحة؟

– عدت متأخرة البارحة.

– هذا صحيح، عدت متأخرة البارحة. وهذا الصباح؟

– نسيتها تمامًا.

– إنه إبليس اللعين الذي جعلك تنساها لتقطع فخذك! انتبه في المرة القادمة، وإياك أن تمس الأدوات الحادة!

ذهبت بعينيها إلى البقعة الحمراء التي راحت تميع وتتراخى، كانت تتسلق نهدي صليحة، وعنقها، وكان الدم يسيل منذ أكثر من قرن وربع القرن في عينيها، لكن أبدًا لم تكن الأرض أكثر تخضبًا منها في تلك اللحظة. أحست بها تخنقها، تضغط على صدرها، وقد جرفها طوفان الدم. ولتنقذ نفسها، كان عليها أن تجذّف، لكنها كانت عجوزًا بما فيه الكفاية. ولتنجو بحياتها، لم تكن لديها سوى وسيلة، وسيلة واحدة: أن تلعق الدم. بدأت بالدم المتجلط على لحم الطفل، واجتاحتها عاصفة من النحيب. راح كلاهما يبكي، ولم يتوقفا قبل أن تيبس عيناهما.

طلبت صليحة من مولود وهما ينزلان الدرج:

– أنت متأكد أن باستطاعتك الذهاب إلى المسيد؟

هز الصبي رأسه بالإيجاب.

– أسمح لك بالقعود في البيت لو شئت. على هذه الساعة، للذهاب إلى المسيد، لقد فات الحال.

ترك مولود يدها لينزل الدرج بسرعة، وهو يظلع قليلاً، دون أن يبالي بما تقول. أوقفته جدته في الخارج، عقدت له برنسه حول عنقه، وغطت رأسه بالقلنسوة، فرفع مولود يده، وبحركة قوية كشف رأسه.

سألت الجدة:

– لماذا تخلعها؟

أجاب الحفيد:

– إنها خشنة بعض الشيء، هذه القلنسوة.

– عليك وضعها لتحتمي من البرد.

– لا أريد.

– بلى.

أعادت وضع القلنسوة موضحة:

– بعد عاصفة الليلة، برد الحال، كما ترى.

كانت الجرافة قد مهدت كل شيء في شارع البلدية، والتنظيف على وشك أن ينتهي. اقترب جامع القمامة دافعًا صندوق قمامته بيد وبالأخرى مكنسته. كان يرتعش من البرد. ألقت صليحة عليه نظرة سريعة، وقالت لنفسها، وهي ترفع رأسها إلى السماء: برد الحال! وفي السماء غيوم كثيفة واطئة، غيوم جامدة مشلولة، غطاء قطن أسود يلف الكون. قبل أن يصل “موسيو مكنسة” إلى جانبها، غطت نفسها جيدًا بحائكها، وحثت خطاها.

سوف تعد حتى الأربعين، وستسأل بعد ذلك إذا ما كان مولود قد بدل رأيه. لم يكن الذهاب إلى المدرسة اليوم من الأولويات. كان يبدو عليه الألم، كان يسحب قدميه، ولم يزل يظلع بعض الشيء. مرت أمامها دورية العسكر، فعدت أفرادها: سبعة. أمرها رئيسها بالاختفاء بسرعة مستعملاً نبرة كشفرة السكين حادة. تخيلت الجدة العجوز نفسها ذبيحة، مدماة. حثت خطواتها أكثر، لكن خطوات مولود القصيرة المتعثرة جعلتها تبطئ. كانت في رأسها تواصل العد للذهاب حتى الأربعين، وكانت تعد ببطء. وهي تحاذي المكتبة، رأت قبعة حمراء قانية على رأس امرأة تتقدم من الطرف الآخر للشارع، متحدية كل الرؤوس الأخرى، المغطاة منها والعارية. في الماضي، كانت صليحة تعبد كل ما هو أحمر، وعلى الخصوص الورد الأحمر الفاقع. في الوقت الحاضر، أصبح الأحمر يهيجها. كان يذكرها بالجراح التي تلتهمها. مضت القبعة الحمراء بيسارها، فأشاحت بوجهها عنها إلى الناحية الأخرى، متجاهلة جمال تلك المرأة الفرنسية ذات الشعر الأشقر. لم تصل في عدها بعد إلى الأربعين. أوقفها شرطي المرور بحركة آمرة من يده، فتأملت بزته الزرقاء وقفازه الأبيض، وسمعت حوارًا يدور بين اثنين:

– هل ستتم الصفقة أم ليس بعد؟

– ليس بعد.

– تقول ليس بعد!

– لنقل في طريق الإتمام.

– في طريق الإتمام!

– لنقل لم تبق سوى بعض التفاصيل التي يراد معالجتها.

استدارت صليحة عفويًا، ووقعت على الرجلين. كانا صغيرين وسمينين وبشعين. رمياها والصغير بنظرات شنيعة، فتجاهلتهما صليحة. انتظرت من الشرطي أن يسمح لها بالعبور كي تبتعد عنهما أكثر ما يكون الابتعاد. كانت تجدهما كريهين للغاية.

استمر الأول:

– هذا وقتها، وإلا سيضطر شركاؤنا إلى التعامل مع منافسينا.

تابع الثاني:

– لا تخش شيئًا! ستتم الصفقة اليوم لو يلزم.

أشار الشرطي إليهم بالعبور، فاستدارت صليحة للمرة الثانية، لكن الرجلين كانا قد اختفيا.

الصفقة!

لم تفهم الجدة الطيبة شيئًا. كانت قد نسيت الرقم الذي وصلت إليه بإصغائها إلى ما يقوله الغريبين. عادت إلى العد منذ البداية، وبضع لحظات فيما بعد، أوقفت العدو مع الأعداد. تابعت بعينيها قفة على رأس امرأة، كتاجٍ كانت القفة لمظهرها الملكي. ترددت صليحة: هذه من ميجانا أو ربما من برج الغدير. كانت نساء هاتين القريتين يعتبرن أنفسهن ملكات. أرادت الجدة أن تتأكد من حدسها، فحثت خطاها حتى وصلت قربها، وسارت مسافة لا بأس بها إلى جانبها، إلا أنها آثرت الصمت. ربما هذه المرأة الآتية لست أدري من أية مملكة تحمل في قفتها دجاجة مشوية وتحتها تخبئ قنبلة حِرَفية. في إحدى المرات، لتوصل بعض الوثائق إلى ولدها، حشت صليحة دجاجة بالرز وبهذه الوثائق الهامة، فطار الابن الثوري من الفرح. ضحك كالطفل، وشد أصابعها طويلاً بين أصابعه. في اليوم التالي، أخبروا صليحة أن فريقًا من العسكر هوجم من طرف المجاهدين، وعلى أثر ذلك، استطاعوا الحصول على كمية وافرة من الأسلحة والذخيرة.

نادت صليحة:

– يا عمي الصغير!

كان عساس المدرسة الخاصة بأهالي البلد الأصليين، المسيد، يتحدث مع الرجلين اللذين تكلما عن تلك “الصفقة” الغريبة. لم تقف صليحة على العلاقة بعمي الصغير. تخلص عمي الصغير من الغريبين بسرعة، وغاص برأسه في شاشيته ليغطي أذنيه متقدمًا من العجوز. كانت عيناه تقدحان شررًا، فعمي الصغير، لم يكن أبدًا مسرورًا، واليوم كان يومه الأسوأ. لكنه بدلاً من الذهاب ليرى ما كانت تريده صليحة، فتح بوابة المدرسة، دخل، وعاد يغلقها دون أن يترك مولود يمر من ورائه.

قالت الجدة وكلها دهشة:

– ولكن افتح، يا عمي الصغير!

وعلى العكس، تأكد من إغلاق المزلاج، ورمى الجدة الطيبة بنظرة تحد. لم تكن تُقرأ على وجهه المحروث بالتجاعيد أقل طيبة. كان له خدان غائران، وعينا صقر.

أعادت صليحة:

– ولكن افتح، يا عمي الصغير!

رد العساس:

– لن أفتح. الكل في الأقسام رغم العاصفة الضخمة التي خربت البلد. فات الحال على وليدك!

– افهم، يا عمي الصغير! ذبح وليدي بالموسى فخذه، وإلا حضر قبل الجميع.

أعاد العساس ساخرًا:

– قبل الجميع! الذهاب إلى المسيد واجب على أحفادنا، واجب مقدس عليهم القيام به حتى النهاية.

– وأنت تتحدث مع الشخصين البشعين والمجهولين في الوقت الذي يجب أن تكون فيه في مكانك كجندي، هل هو الواجب الذي تقوم به حتى النهاية؟

عالج عمي الصغير بيده المزلاج بسرعة، وانسابت البوابة على مصراعيها، وهي تصر. قال للطفل على مضض:

– فترة الاستراحة بعد قليل، ولكن أدخل.

ثم لصليحة:

– أنت من تريدين ذلك.

جذب مولود من ذراعه، وطرق البوابة في وجه صليحة دَهِشة بعض الشيء من التغير المفاجئ في سلوك العساس.

ألقت عليه:

– رد بالك على الولد، ربي يديمك!

أعطاها ظهره، وهو يدفع مولود أمامه بقسوة. زلقت الشاشية على جبهته، وسقطت على عينيه، بينما صليحة تصيح من ورائه:

– استحفط به، ربي يخليك!

أخفتهما الأعمدة عنها، فتمنت لو تنهار تلك الأعمدة، لو تكلفت العاصفة بها! انقبض قلبها، فالفكرة كانت رهيبة. غاب الصبي والعساس في ممر طويل. ترددت صليحة قليلاً، ثم بصقت: يا ابن الكلب، يا عمي الصغير! لم يكن يُقرأ على وجه الحارس سوى اللؤم. على الأقل هكذا كانت تراه. التفتت حولها وكأنها تبحث عن وجوه أقل عداءً وأكثر تسامحًا. كانت مجموعة من الأولاد الفرنسيين تلعب الكرة قرب بعض الأشجار المقتلعة من جذورها، وكان طفلان جزائريان رثا الثياب ينظران إلى الأولاد بوجل. فكرت صليحة: إنهم لا يلعبون كالآخرين، أطفالنا! فرك أحدهما يديه من فعل البرودة، وحطم الآخر بقدمه الطين المتجمد. عادت صليحة تفكر في العساس: يا ابن الكلب، يا عمي الصغير! ما أنت سوى حركي يختبئ تحت جلابتك! نقلت قدمها، والتفتت لتلقي نظرة أخيرة بين الأعمدة، ثم قررت في النهاية الذهاب إلى السوق.

غير بعيد من السوق، أبطأت صليحة: حلقة، عمائم بيضاء، شاشيات، عمائم حمراء، وأخرى سوداء، عمائم قذرة، برانس تتكدس بأصحابها كأكياس الدقيق.

أثارت انتباهها هذه الكلمات الخاصة بالسجل المقدس:

– الصلاة والسلام على سيدنا محمد!

غرقت صليحة في بحر من الهمهمات القادمة من قاع التاريخ، المعيدة لهذه الكلمات ذات العطر الطقسي. وبدورها، دخلت في الحلقة، وهي تدفع الآخرين لتجعل لها مكانًا. كانت للمشاهدين أكتاف عريضة، شديدة. عندما لم تتمكن من شق ممر لها ما بينها، عرفت أية قوة كانوا يقدرون عليها، لكنها قوة متوقفة على مدى ما يدور في وسط الحلقة. أرادت أن تفهم، أن تقترب أكثر ما يمكن من “صاحب الكلمات”، لتتابع كل ما يجري بوضوح، ولتتمكن من رؤية كل شيء بتفصيل.

سمعت هذه الكلمات:

– الإيمان، التوبة، الرحمة!

كانت تواصل اختراق جدار البشر عندما تجلى لها “صاحب الكلمات” فجأة. كان يردد من بين شفتين متوترتين:

– الرحمة، الرحمة، الرحمة!

صرفت صليحة بأسنانها، وهي تفكر: بالأحرى الشجاعة والمثابرة، أيها الغبي! عندما رأت الرجل الواعظ للناس والمتلاعب بالكلمات والأرواح، غدا لها مظهر من عاد إلى الصواب. لاحظت والخيبة سيدتها أنه كان بشعًا، بشعًا كما لم يكن أحد، لا علاقة له بالجمال الرباني، لا من قريب أو بعيد. كان طويل الشعر، أجعده، انطلق كالسهام في كل الاتجاهات، وكان عظمي الوجه، بلحية كثة، أسنانه مذهبة كلها. كان يرتدي سروال عرب فضفاضًا، وقميصًا مطرزًا، ملوثًا. بيد ينقل عمامة، وبالأخرى يستل سيفًا.

على حين غرة، أخذ الرجل يقفز، ويدور حول نفسه، وهو يلوح بسيفه، وشيخ قذر يضرب بعصا على طبل. جمد المشعبذ، وبدأ يحدق في الناس واحدًا واحدًا. كانت شفتاه تتوتران أكثر فأكثر، على إيقاع الطبل الذي هاج اهتياجًا. اجتاح الاهتزاز كل جسده، وأخذت عضلاته تتوتر واحدة واحدة، يداه، قدماه. دخل في حالة غريبة من الارتعاد، وأخذ المشاهدون يحسون بذلك الانخطاف، ففقدوا صورتهم، وضاعوا في صورته. كان كل واحد يبحث عن اختراق ما لا يخترق، عن كشف لغز المستقبل. وكان من طبيعة صليحة أن تتحاشى كل اتصال بلغز الحياة، ومنذ موت ابنها، بالمجهول. قالت لنفسها غير مصدقة: ما هو سوى دجال! ما هو سوى خداع! فإذا به يصرخ:

– الصبر!

وفي رأس صليحة كان الصدى: نفاد الصبر… نفاد الصبر… أوقف المشعبذ الطبل بحركة مباغتة من يده، وهو يبدو فريسة أقصى هذيان. كان الاستهلال قد انتهى، وكان المشاهدون جاهزين لما يلي. مزق قميصه ليروا كلهم عظام قفصه الناتئة. كان الرجل سجين جسده، وكان يريد التحرر، وفي الوقت ذاته تمزيق حجاب دهشتهم بإظهار أن كائنًا ضعيفًا مثله كان قادرًا على إنجاز فعل من أخطر الأفعال، من العادة ما يكون من شأن الجبابرة. لم يعد الأمر أمر قوة يراد امتلاكها أو ضعف يراد التخلي عنه، لا ولم يعد الأمر أمر الشَّطَح والافتتان، كان يرمي إلى أن يبرهن لكل أولئك الرعاع على أن لا شيء محال والإرادة بفضل السحر. وكان يرمي كذلك إلى إدهاش أولئك السوقة الذين لا يفكرون في تلك الأزمان إلا في ملء البطن والجماع. وليصل إلى عمق روحهم، كان يريد إثارة الدهشة، ذلك التعجب الطفولي الضائع مع مر الأيام. لم يكن الناس يدركون حتى تلك اللحظة هدف بطل الحلقة، كانوا ينظرون إليه وهم يفكرون أنه لن يدخر شيئًا في سبيل تسليتهم. كلهم عدا صليحة، التي فهمت عبث طموحه. كانت الوحيدة التي فكرت أن هذا المجنون سيقطع عروقه كي يفرض نفسه على أولئك المتشردين. رمى المشعبذ عمامته في الهواء، ثم ضرب بسيفه، بكل قواه، حجرًا ضخمًا كان موضوعًا هناك، دون أن يتوصل إلى شقه نصفين. تكسرت الشفرة، وابتسم المشاهدون بهبل. كان رجلهم لا يمكنه تسليتهم بالفعل. وهو يلاحظ فشله، أخذ الساحر نصل السيف بين يديه المرتجفتين. وضعه على أعلى صدره، وراح به ببطء، بكل بطء، إلى أسفل، حافرًا الطريق إلى الخلود.

تفجر الدم، وصاح الناس من المتعة. كان على المجنون أن يخفف الإيقاع على طريق الدم والسر الخفيّ تلك، فجرح نفسه بشكل أعمق جارحًا النظر إليه. ومع ذلك، لم يكن فعل مجنون كهذا ليدهش الحضور. كان يسليهم. والآن عزم المشعبذ عزم المريد على أن يكسب الجزء الثاني من تلك اللعبة الخطرة.

منذعرة وليست مندهشة، أخذت صليحة تصرخ:

– هذا المهبول، سيذبح لأجلكم نفسه!

لكن الناس بقوا سلبيين، كانوا يتابعون بعيونهم النصل الدموي برعب وسعادة معًا. هل كان ينتحر أم ينقذ روحه؟ لم يكن الأمر هامًا. في النهاية، كان ما يهم أكثر ما يهم روحهم وجسدهم. وكم كانوا أنانيين!

أعادت صليحة:

– هذه ليست لعبة، افعلوا شيئًا، يا أبناء الكلاب!

تدفق الدم برعونة، ولم يحرك أحدهم ساكنًا. انفجرت صليحة تبكي، فأمرها جارها:

– اخرسي، يا العجوز!

لم يكونوا يحتملون أن يزعج متعتهم القاتلة القتيلة أحد.

قال ثان:

– اذهبي إلى البكاء في مكان آخر، يا المضجرة!

وقال ثالث:

– هلا كففت عن التهمع، يا المتباكية!

– ها هو يذبح نفسه، المسكين، ليدهشكم، لا ليمتعكم، وأنتم لا تفعلون شيئًا!

– اتركيه وشأنه!

– اتركينا وشأننا!

– يا المضجرة!

– يا المضجرة!

لم تكن إلا بعض ردود فعل عابرة ضد احتجاج شخص كان يعتقد بكونه مختلفًا عنهم بينما كان في الحلقة هو أيضًا، الحلقة التي بنوها بأجسادهم، حلقتهم، وقيدهم. ترك المشاهدون رؤوسهم تنحني إلى الأمام، في حال من العبادة الكاذبة، لأن نصل السيف المنكسر يواصل طريقه بإصرار نحو سرة المجنون ليقبلها أو ليلهبها. غطس المشعبذ بنصله المتوتر في لطخة الدم، ومن أعماق حلقه، أطلق صرخة حرة، متحررة. عاد الشيخ القذر إلى الضرب على طبله، بأكثر فأكثر قوة. على سماعه، كان المرء يظن نفسه وسط قبيلة أفريقية تحتفل بانتصارها بعد معركة حاسمة. بدأ الرجل صاحب السر يتلوى، يتلوى ويتلوى، بينما كل أولئك التافهين يصرخون هورّاه، مرحى! وهم يبدون متعتهم الغبية وفرحهم العابث. راح “انتصار” الطبل في صدى. فشل الرجل للمرة الثانية. لم يعد باستطاعة صليحة متابعة العرض. خرجت من الحلقة كما دخلت، وهي تتدافع، وابتعدت متكردحة بينما يصيح الباعة كلهم بأعلى أصواتهم: ثلاثمائة فرنك التفاح، مائتا فرنك الطماطم، مائتا وخمسون فرنك البازيلاء، مائة فرنك البطاطا… تركت صليحة السوق بعيدًا من ورائها.

– صليحة! يما!

استدارت ناحية الصوت القريب إلى قلبها، وغضون فمها لم تزل ترتجف. كان حفيدها محمد يركب الدراجة الدافعة لصندوق الخبز. سأل صليحة:

– ما لك؟ ماذا جرى لك؟

– لا شيء. كنت أريد فقط الهرب من دم الدجال المصبوب هناك.

– دم من؟

– الدجال.

– هناك دجال قتيل الفرنسيين؟

– قتيل نفسه تريد القول.

– قتيل من؟

– قلت لك قتيل نفسه. ذبح نفسه من فوق إلى تحت!

– ذبح نفسه من فوق إلى…

– دعك من هذا، يا صغيري موح.

– كما تحبين.

– وأنت، إلى أين أنت ذاهب هكذا؟ لا عمل لك اليوم؟

– ماذا أنا فاعل برأيك؟ أنا أعمل! أسلم الخبز إلى من طلبه من الناس .

– هل ستمر بالسوق؟

– السوق وراءنا، لقد عبرته منذ قليل.

أدار محمد الدراجة، فتقدمت بصندوق الخبز عدة أمتار.

– إذن رأيت الدجال، الرجل المجنون الذي فتح صدره بنصل سيف مكسور إلى نصفه ولكنه كبير هكذا!

أجاب محمد وهو يتوقف ويستدير نحوها بابتسامة واسعة:

– لا، لم أره. كان ذلك ليسلي الناس؟

– لا، ليدهشهم.

– ولكن من المهول إدهاش الناس بالدم ثمنًا!

– ليس من المهول إلى هذا الحد عندما يكون دمًا دنسًا.

– على كل حال، ما كل هذا سوى وهم.

– وهم، الدم الذي أساله هذا المعتوه أمام الجميع؟

– لم تكن هناك قطرة دم واحدة. صناع الوهم يعرفون جيدًا كيف يتلاعبون بجمهورهم، ظمأى السحر والغرابة هؤلاء، مؤمنو كل المواخير الإلهية هؤلاء، وخاصة عندما تسوء الأمور، والأمور في هذه الأزمان الأخيرة أسوأ من كل شيء.

– أنت لا تتكلم عن عاصفة البارحة.

– هذه العاصفة لا شيء إلى جانب الأخرى الدائرة منذ سنين والمزلزلة للبلد من شرقه إلى غربه.

عاد إلى إدارة الدراجة لما نادته صليحة فجأة:

– محمد!

توقف، والابتسامة دومًا على شفتيه. كان يزعجها أن تراه مبتسمًا على الدوام، ويغيظها أن يستهين هكذا بكل الأضرار التي سببتها العاصفة، ومع ذلك لا يمكن للمرء أن يتجاهل وجودها، وكان أيضًا يحيرها أن يعتبر الدم الذي سكبه المجنون وهمًا. ومع ذلك، كان الدم الأحمر ذاته الذي أضاعه أبوه، وهو يموت من جراحه. انقبض قلب الجدة، واكتفت بقول:

– لا، لا شيء!

– روحي للدار، سأحضر خبزًا ساخنًا هذا المساء.

تابعته بعينيها حتى اختفى. فكرت الجدة الطيبة: سأعود إلى البيت، سأنظف درج العمارة، ولن أفكر في الرجل الفاسد في عقله الذي جذم نفسه ليدهش الناس! لكن عددًا لا يحصى من اللطخات كانت تواصل الطفو أمام عينيها. كانت ترى كل شيء أحمر، الأشياء كالعباد. كانت ترى في الناس الذين تلتقيهم خرافًا ذبيحة، وكان ذلك يضنيها. لم يكونوا الرعاع ذاتهم بما أنها تحاشت الرجوع من الطريق القاطعة للسوق، ومع ذلك، كان لبعض العابرين مظهر من يعيش في كوكب آخر، دون عاصفة طبيعية أو سياسية، دون بحر من الدم الصافي أو الملوث. كانوا مسرورين من أنفسهم! كانوا كلهم واحدًا في نهاية الأمر: قذرين! كان يمكنهم إيقاف هذا المجنون منذ اللحظة الأولى من تمثيليته المزعومة، ولم يفعلوا شيئًا. مضت في رأسها فكرة: أن تبدي للعالم أجمع غضبها، قرفها، رفضها. كانت تريد أن تبدي للآخرين نظرة الدم والأمل اليائس.

وضعت دلوها على أعلى درجة. كالعادة، كانت تغسل الدرج من أعلى إلى أسفل. فكرت صليحة: للصعود إلى القمة، يجب أخذ الطريق الأكثر نظافة! لكن متى سيتحقق ذلك؟ كل شيء يتوقف على ما تبذله من جهد وطاقة. ربما احتاجها ذلك إلى ساعة واحدة أو إلى حياة بطولها.

وهي في الطابق الثالث، انفتح باب في الطابق الأخير، وتبعت ذلك كلمات حادة لامرأة فرنسية ضد الجدة العجوز، وللتعبير عن عدم رضاها بأكثر الوسائل الملموسة، دلقت ماء غسيلها الوسخ على الدرجات التي تم حكها. ثم، جرؤت المرأة القاسية على القول قبل أن تطرق بابها:

– آه! يا للقذارة!

وصل المائع الصابوني حتى قدمي صليحة التي أطلقت تأوهة عميقة. عادت تحمل دلوها وممسحتها، وصعدت إلى الطابق الخامس لتنظف قذارة الفرنسية.

“الصبر!” مجنون كل شياطين الأرض هذا كان يعرف إذن مغزى هذه الكلمة، وفهمت الدافع الأول الذي كان قد دفعه إلى تفجير دمه. لكنه لم يأتها بأي جديد: كانت صليحة تعرف الصبر منذ مولدها.

عندما عادت إلى عملها في الطابق الثالث، فتحت الفرنسية بابها من جديد، فانتفضت صليحة، وفي عروقها عاصفة تهب. ومع ذلك، تمالكت، وسمعت المرأة الشريرة تقول: آه! يا للقذارة! قبل أن تدحرج دلو ماء وسخ آخر هذه المرة على رأس الجدة الطيبة، والذي تفادته بفارق ضئيل. وانطرق الباب!

هذه المرة، لم تقل صليحة “الصبر” لنفسها، لم يكن ذلك ما تحتاج إليه. ربما كانت الرحمة؟ رفعت رأسها إلى السماء، وتعثرت نظرتها بالسقف. صعدت درج البؤس والعذاب ببطء ولكن بتصميم وعزم: كانت صليحة والمثابرة توأمين منذ وقت طويل.

أمام باب الفرنسية اللئيمة، ترددت الجدة الطيبة. كانت تريد طرق الباب، وحالما تفتحه الأخرى، أن تجذبها من شعرها لتقذفها من أعلى الدرج إلى حيث كانت تقذف ماء الغسيل القذر ماءها. قالت لنفسها: ليس هذا من عين العقل، فهم سيرمونني في الحبس، وسيحرمونني من حفيديّ، من صغيريّ اللذين لم يزالا تحت مسئوليتي.

عادت صليحة إلى النزول إلى الطابق الثالث، لكن ها هي الأخرى تفتح بابها من جديد. رفعت صليحة إليها رأسًا ساخطًا، وصاحت:

– ها أنا أحذرك، إذا ألقيت بقذارتك على رأسي، صعدت، وألقيت بك في الفراغ أنت أيضًا!

لكنها قبل أن تنهي جملتها، أغرقها الماء الوسخ من الرأس إلى القدمين.

والأخرى:

– آه! يا للقذارة!

صعدت صليحة الدرج أربع أربع ببأس فتاة في الثامنة عشرة من العمر، وهي تصب وابلاً من الشتائم الفظيعة. ستقصم لها العنق هذه المرة، وستلقي بها في الهاوية. وتحولت في كيانها علاقتها بالدم، بالموت، وحتى بالحياة، إلى رغبة واحدة: رمي هذه الشيطانة من أعلى الدرج، وهدم قوس النصر على رأسها.

طرطقت على بابها صائحة:

– افتحي! هيا، افتحي!

فجأة، دوى صوت مولود المذعور في فضاء الدرج:

– صليحة! يما! تعالي بسرعة! هناك بمبة في القسم!

ظنتها واحدة من دعاباته:

– كالبمبة التي انفجرت هذا الصياح قرب سريرك، أليس كذلك، يا صغيري مولود؟

ومولود يصعد الدرج بأقصى سرعة ليجرها من ثوبها الطويل المبلل:

– أقسم لك، يا صليحة! أقسم لك ، يا يما!

جذبها صمت هائل بين أنيابه، وقرأت في عيني الطفل حقيقة ما كان يقوله. رأت فيهما الطفولة كلها، وهي تصرخ “النجدة!”، فاندفعت بجديلتيها المفكوكتين، وقدميها الحافيتين، بجنون سهم لا تستطيع أن تعرف سره إلا مجنونة مثلها.

كانت الجدة الطيبة تقول لنفسها: سيقتلون أطفالنا، هذه المخلوقات البريئة! هبطت الطريق جارية، وتبعها جامع القمامة الذي حطم مكنسته واقتلع مجموعة من الرجال من لعبة الدومينو في مقهى الطلياني، وهؤلاء نادوا على أولئك، وكلهم راحوا يجرون من وراء حاملة الراية: صليحة الشجاعة!

يريدون قتل صغارنا في المسيد!

هذه الكلمات الجسيمة، الحانقة، المحنقة، كانت تمضي من فم إلى فم، صليحة على رأس الموكب، وكلهم من ورائها. كان مولود يتعلق بثوبها، ويقفز مرحًا ناسيًا جرح فخذه. وصل محمد من الاتجاه المعاكس، على عربة الخبز، ولما وقع على جدته صاح يسألها:

– ماذا هنالك، يا صليحة؟

أجابه الجمع مكانها:

– يريدون قتل صغارنا!

– يريدون قتل البراءة!

وجرف محمد فيض المتمردين.

في السوق، ترك الباعة بسطات بضائعهم لمن يريد من أجل اللحاق بالموكب. كان المشعبذ لم يزل هناك، في وسط الحلقة، وكانت عدة جروح مفتوحة تخطط صدره، تهبط كلها نحو سرته لتقبلها، لتلهبها. كانت سرته تتقد في اللهب، وكان الدم قد جف من حولها راسمًا شيئًا كنجمة البحر الميت. كان نصل السيف المنكسر يحفر دومًا، دون أن يمكن للمجنون أن يحقق هدفه: إدهاش كل رعاع الخراء هؤلاء لا تسليتهم.

فجأة، دوت صيحة:

– فلتحي الثورة!

كان صوت صليحة، صوت أكثر سحرًا من أصوات كل السحرة في العالم. نجحت في النهاية صيحتها الحادة المضافة إلى برق آخر قطرة دم سكبها المجنون في إثارة الدهشة المنشودة. كان الساحر بحاجة إلى عنصر خارجي لضمان نجاحه. بدأ المشاهدون بالتفرق والذوبان في نهر الغضب:

– فلتحي الثورة!

– فليسقط الخونة!

– والإس آه إس!

– فلنحم أطفالنا!

– فلننقذ أحلامنا!

كانوا دهشين من أنفسهم، كانوا فخورين بأنفسهم، وكانوا عازمين. في الأوقات العصيبة، عندما يهدد الموت، ويكون الأطفال هم الهدف، في قلب الشعب تولد العظمة. عظمة باهرة. كانت تلك حقيقتهم. كانوا يحملونها في الخاصرة، ويثبتون أنهم كانوا على خطأ. رجل مجنون فقط، رجل عنيد، ضريّ، مشاكس، كان يمكنه أن يعرف ما كان يختفي خلف بشاعتهم وجهلهم. وبالمقابل، لم ينتبه أحد منهم إلى الغيم القادم من الغرب، غيم ضخم أسود، غيم أسود، أسود كالفحم.

– فليسقط الخونة… والإس آه إس…

حطموا بوابة المدرسة، وتدفقوا إلى الداخل كبحر هائج. وجدوا في قسم الصغير مولود سلكًا أخفته يد نزقة وراء الصور المعلقة على الحائط، تم وصله بلفيفة من أصابع الديناميت خبئت في الخزانة. وفي الطرف الآخر من السلك صاعق وضع في حجرة العساس. كان عمي الصغير قد اختفى، بعد أن تفاجأ وارتعب، دون أن يشغل الجهاز الرهيب، ولم تتم “الصفقة”.

سأل جامع القمامة المعلم وهو يأخذه من خناقه ويشير بإصبعه إلى الصغير مولود:

– لماذا لم تسمع للطفل؟

تلعثم المعلم:

– لم يقل لي شيئًا.

أكد مولود:

– بلى، قلت له لمرات ثلاث، لكنه لم يشأ السماع لي.

– أقسم أنه لم…

صاح أحدهم من طرف:

– فلنقتله!

صاح ثان من طرف آخر:

– نعم، فلنرجمه!

زايد ثالث:

– فلنفجر دمه!

أرعدت امرأة:

– نعم، فلنفجر دمه!

تلقى المعلم ضربات من كل جانب، ضربات أياد، وضربات أقدام، وضربات عصيّ.

– فلنكسر عظمه!

كسروا عظمه، وفجروا دمه. فجروه من الرأس، ومن الجبهة، ومن الأنف، ومن الأضلاع، ومن البطن، ومن الفخذين، ومن القدمين، ومن كل الجسد، ومزقوه طولاً وعرضًا. قطعوه إربًا. كان المذنب الحقيقي قد اختفى، فليدفع الثمن. كان يلزمهم مذنبًا. كان قانون الذين يأخذون للمرة الأولى مصيرهم بأيديهم، الذين يرفعون للمرة الأولى رؤوسهم منذ قرون، الذين يغامرون للمرة الأولى على غير هدى منذ أحوال. كانت لهم المرة الأولى مذ أخذت الجزائر شكل قدم سوداء ضخمة. هكذا فقط كانوا يحسون بأنفسهم أقوياء، لدرجة لم يعد يمكن فيها ماضيهم الرهيب أن يرهقهم.

أرادت صليحة منعهم من الإنهاء على المعلم، وتحويل غضبهم، فصاحت:

– إلى البلدية!

أعاد جامع القمامة:

– إلى البلدية!

وكذلك محمد:

– إلى البلدية!

– إلى البلدية!

– إلى البلدية!

لم تعد تميز صليحة بين تلك الأصوات الساخطة صوت حفيدها: كان لهم كلهم الصوت الشجي نفسه، وكأنهم كانوا يغنون! إلى البلدية… إلى البلدية… إلى البلدية… فكرت صليحة: للذهاب إلى الجنة، يجب عبور هذه الطريق المؤدية إلى البلدية!

كان الجمع يعظم كلما كانوا يقتربون من البلدية. قالت صليحة لنفسها وهي تسير بعزم وبعض الخوف: سيصلون بعد قليل، سينتزعون العلم الثلاثي الألوان، سيرفعون الأعلام الخضر والبيض، وسيضحون بأنفسهم! لم يعد مولود إلى جانبها. كانت قد أضاعته، لكنها لم تكن قلقة أبدًا. لهذه الجدة الشجاعة، كانوا كلهم مولود. كانوا كلهم محمد. زد على ذلك، كان محمد يقود عربته في رأس الموكب، وظنت لحظةً أنها لمحت ابنها الذي مات في الجبل.

أزت في مسامعها طلقة، وبدأت لازمة مدوخة تدور في رأسها: ستتم الصفقة! ستتم الصفقة! ستتم الصفقة!… بعد فشل الصفقة الأولى، صفقة أخرى أكبر كانت تُعد، وكانت اليد التي تختبئ من ورائها غيرها، لكن الدم المراق سيكون الدم نفسه.

تتابعت سلسلة من الطلقات…

كان عشرة من المتظاهرين يتخبطون في دمهم.

تساءلت صليحة وقد أخذها الرعب: إلى أي مدى سيذهبون من أجل حماية البلدية؟ ماذا سيفعل عسكر كل شياطين الأرض هؤلاء عندما تنقصهم الطلقات؟ فعدد الزاحفين كان هائلاً، وعزمهم أكثر:

هتف الناس:

– ستنتصر الثورة!

صاح “موسيو مكنسة” القديم:

– الجزائر جزائرية!

همهمت الجدة باكية: الجزائر جزائرية! ها هي كل القصة تقال بكلمتين: الجزائر جزائرية! كان مولود جاثمًا على كتفي جامع القمامة المتحرر. كان يضيع. كان يجد نفسه. كان الموت والحياة له لعبة، وعما قريب ستكون لعبته المفضلة. أعاد الصبي: الجزائر جزائرية! الجزائر جزا… ألقى المظليون قنابل مسيلة للدموع على المتظاهرين الذين تفرقوا ولكن ما لبثوا أن عادوا إلى حيث كانوا. الجزائر جزائرية! كلمتان تلخصان كل القصة، إن الأمر بكل هذه البساطة. كلمتان تلخصان قصة شعب بأكمله. شعب، ككل الشعوب، الحرية في دمه. يريق دمه من أجل الحرية. رفعت صليحة رأسها نحو السماء. لم تكن تبحث عن طلب الرحمة الإلهية. كان الله غائبًا في تلك اللحظة. لم يكن هناك سوى الرصاص والقنابل والعسكر الذين يقتلون. غدا الغيم الأسود أحمر، وارتدت السماء الدم، دمهم.

تواصل سقوط الموتى. كان مد الأجساد وجزره لا نهاية له. هربت صليحة بأفكارها من تلك البلبلة، وكان صوت ناعم يكلمها يبدو كما لو كان يخرج من محارة. جففت دمعها، واستقبلت البحر الطارق على بابها داعيًا إياها إلى الركوب في مركب والهرب. لكن الإبحار في دم الآخرين لم يكن أهلاً بها، في دمها نعم، ولكن ليس في دم الآخرين، هذا أبدًا. أعادت البحر، وبقي المركب يرسو على الشاطئ. أنشدت عرائس البحر نشيد الفرح، نعم، في تلك البَلِيّة الحتمية، لكل تلك الشجاعة اللامتوقعة: نشيد الفرح وسوناتة الشهداء.

– الجزائر حرة!

انتفضت الجدة الطيبة، ولم تستطع تصديق عينيها: نجح شخصان في إنزال العلم الفرنسي عن واجهة البلدية ليرفعا علم الثورة. كانا قد صاحا عاليًا “الجزائر حرة!” قبل أن يأخذهما الموت بحنان بين ذراعيه دون أن يستطيعا قول الوداع لأميهما.

حط الليل، ليل أحمر. كانت الجثث في ساحة البلدية تنتثر بالعشرات، وكانت صليحة ونساء أخريات يبحثن عن ولد أو حفيد، عن أخ أو زوج. لم يكن يبكين، فلم يعد هناك دمع في عيونهن. لم يكن يحكين، فلم تعد هناك كلمات في أفواههن. لم تبق لهن سوى تلك النظرة المستقصية، مع الأمل اليائس قديمًا. أخذت صليحة بين ذراعيها جسد طفل لا حياة فيه: ربما كان مولود الذي لم أعرفه، صغيري الذي تركني، هو أيضًا، على الرغم منه! لكن ابتسامة حفيدها الساحرة كانت تنتظرها على مقربة هناك. كان هناك، ميتًا ومبتسمًا. كان ينتظر أن تأتي لتأخذه وتعود به إلى البيت. أنّت صليحة كامرأة حبلى ترغم وليدها على الخروج. غير بعيد من هناك، بركة من الضوء. كان دم محمد، صغيرها موح. كان يموت، وهو يشد إلى صدره راية الحرية. أنّت صليحة، وأنّت، وحاولت مسح عينيها. كانتا جافتين كحطب الغابة، فصبت السماء عليها كل دموع العالم.

منذ ثلاثة أيام، والمطر يهطل دون انقطاع. كان المطر قويًا، وكان غزيرًا. وكل يوم منذ ثلاثة أيام، كانت صليحة تنظف درج العمارة عدة مرات في اليوم، لأن الطين قد غدا الصديق الحميم للأحذية. عندما وصلت إلى الطابق الثالث، فتحت فرنسيةُ الطابقِ الأخيرِ بابَها، ومتصلبة القلب كعهدها، أفرغت دلو مائها الوسخ على رأس الجدة البائسة، وهي تهمهم:

– آه! يا للقذارة!

غرقت صليحة في القذارة، وهي تمسك نفسها عن القيام بفعل أي شيء ضد الجارة اللئيمة. بقيت تنزرع في مكانها، وهي تحدق بعين غريبة في ثوبها الملوث ويديها المحفورتين بالأثلام. وفي الأخير، صعدت حتى الطابق الخامس، وهي تقول لنفسها إن عليها إعادة التنظيف على كل حال. كان الطين في كل مكان، كان يأتي من كل مكان، من كل الاتجاهات، من كل الجهات، كان يلتصق بجلدهم، بنظرهم، بحياتهم، وسيبقى ما بقي المطر يهطل.

* من “الأعشاش المهدومة” المجموعة القصصية الأولى لأفنان القاسم 1972 بمناسبة نشره للأعمال الكاملة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق