ثقافة السرد

زيارة السيد

محمد خلفوف

أحلام مزعجة: إخصاء، السقوط من مرتفعات شاهقة، الجري في صحراء بلا بداية أو نهاية، التحول إلى شيء منبوذ…أحلام مزعجة جدا.
وعندما أصحو، أكون مبللا بالبول وعرق التوتر…
أعيش في قلق وخوف، كأن شبحا يسكن معي، يتحرك معي وسط أرجاء الشقة المعتمة. أعيش وسط الكتب، أقرأها وأعيد قراءتها. صديق قال إنها سبب كآبتي. أدخن كثيرا، وأشرب كثيرا.. وفي المنام تطاردني هذه الأحلام المزعجة: إخصاء، سقوط من مرتفعات شاهقة، الجري في صحراء بلا بداية أو نهاية، التحول إلى شيء منبوذ…
ولأخرج من كآبتي، يدعوني بعض الأصدقاء إلى حفلاتهم، لكنني سرعان ما أهرب من سخافتها إلى عزلتي!!
كنت في أحضان كافكا.. كنت أقرأ مسخه، حيث تحول سامسا إلى حشرة لزجة مرعبة.. إذاك سمعت طرقات خفيفة على الباب، فنظرت ناحيته، وأخذت أصغي إلى هذا الطرق المؤدب الخفيف، ثم قمت وفتحته. فكان (…) الذي يزورني من حين لآخر.
-إنه أنت؟!
-لا أحد غيري..
وأطلق ضحكة بشعة.
ثم دخل، وأخذ يتأمل الشقة، بنفس النظرة التهكمية التي يلقيها في كل مرة يزورني فيها. جلس على الفوتوي. سألت:
-تشرب قهوة؟
-حسنا..
ذهبت إلى المطبخ. وضعت القهوة في الغلاية، أخرجت بعض الحلوى من الخزانة، ورتبتها في صحن صيني. غلت القهوة صببتها في فنجان صيني، وأخرجت لنفسي بيرة من الثلاجة. وحملت الأشياء إلى الصالة. وضعت الصينية على الطاولة.
-تفضل…
-شكرا لك…
حمل الفنجان إلى شفتيه وتذوق السائل الأسود. أخرج سيجارة أميركية وأشعلها. قال:
-هل تمانع؟
-لا أبدا، أنا مدخن قديم..
-أنا عكسك، لا أدخن سوى سيجارتين في اليوم.
منظره وهو يدخن جعلني أغار. أخرجت سيجارة محلية وأشعلتها. شربت دخانها رفقة البيرة.. وضع فنجانه وأعدم سيجارته. قال:
-حالتك لا تعجبني يا صديقي!!
وكانت حالتي سيئة جدا. لم أرَ نور الشمس منذ زمن لا أذكره، أهملت حلاقة ذقني، أرتدي نفس القميص الأزرق منذ شهر، مزيج السجائر والقهوة والبيرة يسكن فمي…لقد كانت حالتي سيئة جدا.
-حالتي سيئة يا رجل!!
-وهذا أمر يحزنني، بالأمس كنت محاسبا محترما في شركة للأدوية، ترتدي البذلات الأنيقة، تركب سيارة أوروبية الصنع.. لكنك الآن مثل عزيز قوم ذلّ.. تدخن وتشرب كثيرا، تعيش في عزلة تامة، النوافذ مغلقة، فصلت خط الهاتف، الأشياء مبعثرة في كل ركن، رائحة العفن والغبار تملأ المكان، تقرأ كافكا، كوبو، سارتر، كامو، رامبو، بودلير، المعري… قراءاتك كئيبة.. موسيقاك كئيبة.. منزلك كئيب… لقد صرت أخاف زيارتك خشية أن تصيبني عدوى الكآبة.
-وما الذي يمنعك؟!
-لا أستطيع، هذه طبيعة عملي: أزور القصور والأكواخ، الصحاري المقفرة والمدن العامرة، النساء والرجال، الكبار والصغار…طبيعة عملي تفرض عليّ ذلك.
-أنا الآن رجل آخر غير الذي كان..
-أنت مجنون.. في الخارج توجد حياة حقيقية: النساء الجميلات الفاتنات، المناصب الكبرى، الأعمال التي تجعلك غنيا في رمشة عين…الناس يتمتعون..
-الناس يتعذبون.. في الخارج يوجد جحيم حقيقي: النفاق، الكذب، الخداع، الخيانة، انعدام الضمير، سعار محموم، حيوانات تدعي الإنسانية…
في الخارج طلبوا مني قتل الضمير.. طلبوا منى وضع القناع.. طلبوا مني لعق الأيادي والأحذية.. في الخارج طلبوا ما طلبوا…
-تلك الأفكار التي تتبناها وتؤمن بها ليست سوى مثاليات للقراءة فقط، الواقع شكل آخر…
-ماذا عن الأحلام المزعجة: الإخصاء، السقوط من مرتفعات شاهقة، الجري في صحراء بلا بداية أو نهاية، التحول إلى شيء منبوذ…؟؟؟
-مصدرها حياتك الكئيبة، أخرج إلى النور -الذي ندعيه- وستتحول هذه الأحلام المزعجة إلى أحلام جميلة، مليئة بالزهور والطيور والغابات الوارفة الظلال…
بدأ طعم التبغ المحروق والبيرة يختفي من لساني.. أشعلت سيجارة بغضب مكتوم. بينما ظل هو محتفظا بهدوئه.
وضع نظاراته الطبية وفتح حقيبته الجلدية، وأخرج بعض الأوراق التي تشمل بحوثا من جامعات عالمية حول الاكتئاب والعزلة…وقرأها عليّ.
-هل تدرك مدى خطورة هذه الأرقام؟!
ثم عاد إلى حقيبته الجلدية وأخرج كتابا في التنمية الذاتية، على غلافه صورة لرجل ببذلة أنيقة. وقرأ منه بعض الفقرات التي تتحدث عن الأمل، والرزق، والقوى الداخلية…ثم ألقى عليّ قصائد في وصف الطبيعة، وحكما من كتاب أصفر…
ماتت خمس سيجارات بين شفتي. شعرت بضيق حقيقي، وفكرت في طرده لأنه أمضى أربع ساعات يهرطق!!
ولكن، ولأنني رجل مؤدب وذو أخلاق، قمت إلى آلة التسجيل، ووضعت أسطوانة لمعزوفة ألمانية، ورفعت الصوت، فأخذت الموسيقى تندفع وتطغى على صوته وهو يلقي أفكاره الخامجة.. ثم تلاشى صوته تماما، وظل فما يتحرك فقط.
أشعلت سيجارة جديدة ودخلت في عالم المعزوفة. فأحسست بنشوة نقلتني إلى عوالم أخرى، عوالم عصية على الفهم، لكنها جميلة.
وبدأت الألوان تفقد ألقها تدريجيا، ثم اختفت.. ليحل محلها ظلام رائع.. ظلام أدركه لأول مرة.
ثلاثة عناوين في صحيفة محلية:
المنتخب الفلاني يفوز على المنتخب العلاني بثلاثية نظيفة (مساحة متر للتفاصيل مع احتساب الصورة).
المغنية العالمية تجري عملية تجميلية على مستوى ال… وتستعد لطرح ألبومها الجديد (مساحة نصف متر للتفاصيل مع احتساب الصورة).
انتحار رجل بشقته الكئيبة (لا تفاصيل ولا صور لاحتسابها).

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق