قراءات ودراسات

العرب والحب في زمن اللّاحب

د. الطاهر لبيب*

١

قبل ما يقارب العشر سنوات، وفي هذا المكان بالذات، أنهيت حديثاً عن «العرب والحب» بالجملة التالية: «علينا أن نواجه هذه المفارقة الغريبة التي تحوّلت فيها ثقافةٌ كبرى للحب إلى ثقافة موتٍ فأصبح أهلها مطالبين بإثبات قدرتهم على الحب كي لا تثبت إدانتهُم بزرع الموت».
ما الذي حدث مُذّاك؟ عمّقَ الموت المفارقةَ وتحوّلت التّهمة إلى اتّهام جوّاني؟ المفارقة عمّقها موت متفرّع، سافرٌ أو مُتنكّر، صارخٌ أو مستبطَن، مثرثرٌ أو كاتم الصوت، ضالّتهُ الحياة يُخرسها أينما وكيفما نبضتْ: في الفكر، في الحسّ، في الإبداع، في التعبير، في العمل. أما التّهمة فارتدّت على أهل ثقافتها: نحن اليوم، مَن عليه أن يتساءل: ما هذه الثقافة التي تسمّيها الهويّةُ «عربيّة إسلاميّة»؟ وما دهاها ليجد فيها بعض أهلها بذور الموت ولتتّسع فيها الحقول والشِّعاب لزرعه وحصاده؟
لهذا سياقُه. المشهد الخلفيّ امتدّ عرضُ بنيته في أطنان البحوث والتقارير والتحاليل. ما يقال عنه، هنا، تلميحاً، هو من تكرار المعلوم وإنْ تفاقمت، في بعض حالاته، بعضُ ظواهره: تسلّطٌ طوّر آليات قمعه، فساد فرّع قنواته، إقصاء سياسي جدّد شعاراته، حرمان فئوي يصرخ قهرُه، فردانية بلا فرد، تحديث بلا حداثة، عِلم تخالطه الخرافة وإنسانيات بلا إنسان، جهلٌ جديد له أتباعه، إلى غير ذلك مما تطول قائمتُه. موازاةً، تراجعت المرجعيات الفكرية والإيديولوجيّة الكبرى وتراجعت معها أو غابت أحلامٌ عربيّة كبرى.

«عناقيد الغضب»

هنا كانت تكمن وتنضج عناقيدُ الغضب. كانت المكبوتات تتراكم إلى أن وصلت الحلق، في مجتمعات لا فضاء فيها للتصعيد. عناقيد الغضب هذه منها ما يتدلّى من شرعية الطلب ومنها ما يتدلّى من تشريع العنف المميت. وإذا كانت قد تراءت للبعض العناقيدُ وللقلّة ما كان يحملها فإن ما لم يستشرفه أحدٌ فظاهرتا عنفٍ تزامنتا وتساندتا في العالم العربي: عنف الجيوساسة وعَنْفَنة الدين.
ليس مفيداً ولا مطلوباً، هنا، ذكر المعلوم ممّا لأقوياء الجيوساسة من أهداف ومصالح عَسْكروها ورسموا، من أجلها، للعرب، خرائطَ الطرق. المهم، هنا، قدرتهم، على استنهاض العنف في الداخل العربي وعلى ردّه إليه، وقدرتهم على توريط السياسة والدين فيه. على أن الأهم والأدهى من قدرتهم هذه قابليّةُ المجتمعات العربيّة لجوّانية العنف المخطط خارجَها. القابلية أعمق وأوسع من القبول. أن تنجح قوى الخارج في صنع العداء بين العرب وفي أوطانهم فهذا جديدُ تاريخهم الحديث والمعاصر. اليوم، وَلّى وقت «أنا وأخي أو ابن عمي على الغريب». اليوم، لكلّ عربيًّ عربيٌّ يكرهه أو يعاديه. لا يحتاج هذا إلى أمثلة، فلِلعربي، في المسموع والمقروء والمرئيّ، أعداءٌ من العرب أو مرشّحون لعدائه في الحصاد اليومي. وإذا كان القرار للسياسة، فالعِبءُ على الثقافة، في واسع معناها: من السهل المألوف أن تتبدّل العلاقة بين الدول، أن يتحول العدو فيها إلى صديق أو شقيق، لكنّ ما تستنبطه الثقافة من كره بين المجموعات الاجتماعية أو العرقية أو الدينيّة هو أصعب تجاوزاً.
عَنْفنةُ الدين هي المفاجأة الأكبر واللغز الأصعب في تاريخ العرب المعاصر. باسم الإسلام – وأيّ إسلام؟- هبّت، من وراء القرون وتحت رايات الظلام، كائناتٌ مسكونة بالموت، مهووسة بزفيره وشهيقه في كل ما ينبض حياةً أو يوحي بجمال. الإرهاب الذي، تبرّأ العرب منه، لفظاً أو اصطلاحاً، باسم التحرير والمقاومة، عادت إليهم تهمتُه من حيث لم يحتسبوا: من بوابة الدين. اليوم، ليس لهم أن ينكروا أن إرهاباً بدائياً، وحشياً، يسعى بينهم، في أرضهم، وأنّ يومياتهم أصبح يكتبها موتاهم.

ليس في ما يتوفر من نتائج البحث ما يتيح الحديث عن الأصول والمسارات والدوافع أو عن تركيبة اجتماعية. ما يكاد يتبيّن، من جهة النظر، أن المأخوذين بالإرهاب أو إليه آتين، في الأغلب، من أوضاع متدنيّة، اجتماعياً وثقافياً أو تعليميّاً. والواضح أن في هذا هشاشةً مهيّأةً للاستقطاب والاحتواء والتسخير. أما ما نعرفه، من جهة الإرهابيين، فهو ما يعلنونه من معتقداتهم ومن طقوس القتل وآلياته، وقد ردّ على ما فيها من انحراف التأويل وغرابة الإفتاء، ومن أسْطرةٍ وتخريفٍ، علماءٌ في الدين قذف الله في قلوبهم نوراً فاجتهدوا.

ليس الحديث، هنا، عن عقيدة ولا عن معتقدات وإنما هو عن تجلّياتٍ تُجسّم الكره، نقيضَ الحب، وقد ذهب به أهله، وذهب بهم، إلى أقاصي حدوده. ما يُذكَر منه، هنا، يُذكر كما يتلقّاه الفهمُ الخائفُ منه: أول مُفزعاته أن يكون القتل طريقاً إلى الله، إلى الرحمن الرحيم. قياساً: أن تكون جحيم الأرض طريقاً إلى جنة الآخرة. ما هذه الجحيمُ؟ عجينُ أبرياء من عامةَ الناس، فيها يُنادى بقتل الأطفال، فيها الذبحُ أمام ذوي القربى، فيها تُنتزع القلوب وتؤكل. كلّ هذا مع التهليل والتكبير. كيف أمكن التبرير؟ بأيسر الطرق: بالتكفير جملةً، فضلاً عن التفصيل. ليس في هذا جهدٌ: جماعةٌ تكفّر من ليس منها، ومن كُفِّر هُدِر دمُه فوجب قتله، ولو كان مجتمعاً بأسره. وإذا أراد القتلُ أن يَتَمنْهج فما عليه إلّا أن يتطيّف وأن يتمذهب.

الهوس بالقتل: عجز ويأس

التجليّات، بما هي أعراضٌ، تطرح سؤالاً هو، في الواقع، سؤال الحس المشترك بين الناس: ما طبيعة هذه النفسيّة المهووسة بالقتل، بهذه الصورة وإلى هذا الحد؟ الإجابة، ضمناً، أن التّشخيص موكول، نهاية الأمر، إلى التحليل النفسي. إذا كان ذلك ففي حدود الأبجديات يكون هذا الهوس من أعراض العجز أو اليأس. لا قوّة فيه: «المهووسون يحتاجون، أولاً، إلى إمكانية الموت لحلّ النزاع في نفوسهم». مأتى النزاع ما تلاقيه الرغبة من صعوبة التحوّل إلى واقع. الرغبة مرتبطة، جماعيّاً، بنموذج أصلي أو «أركيتيب» مثالي، لا تاريخي، يواجه صعوبةَ التحقّق في مجتمع حديث. المهووس نفسُه لا يقدر على تقمص نموذجه الذي بناه مخياله وغذّته هُواماتُه. العنف محاولةٌ لحلِّ هذا العجز، في المجتمع بالقتل، وفي الذات بالانتحار. ولأنه كذلك ففيه لذّة تزداد بقدر ما يكون موضوع الرغبة قديماً، مثلما هو عند الكارهين تاريخاً كاملاً، بمن فيه. من هنا كان الحِداد المزمن لا يزال أهله يرفعون راياتِ سواده.

وما دام موضوع الحديث هو الحب واللّاحب فلا مناص من التذكير بأن «الليبيدو لا يستسلم»، مهما كانت قوة الموت، كما رأى فرويد. الجهاديّ، كما يُسمَّى اليوم، يعتقد أنه «يؤجّل» رغبته الجنسيّة إلى حياة أخرى. قد يكون هذا بالصبر والإمساك عن «شهوةٍ قد كَلِبتْ عليه»، كما يقول ابن حزم، كما يكون بطمس الحَوَرِ في عيون نساء الدنيا، رغبة في حورِ العين: يكفيه من ذلك، أنه «يُعطى قوّةَ مائةٍ» ليصل، في اليوم إلى مائة منهنّ. أما إذا قرأ أو قُرئ له قصيدُ ابن قيّم الجوزية، مُريدِ ابن تيميّة، يصف الحوريّة من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها، وكأنه عائد من عندها، فكيف لهُواماته أن لا تدفعه إلى تهديم العالم من أجلها؟ العنفُ لا يبعد الهوس الجنسي بل يعنّف الجنسانيّة ويحوّلها إلى رغبة ساديّة، كما هي، مثلاً، في ما سمّته فتاوى الميدان «نكاح الجهاد». هكذا تتحول النزوة الجنسيّة إلى نزوة عدوانية، بعد أن سدّ عليها أصحابها سبل التصعيد أو التسامي التي هي، أساسيّاً، في الإبداع الفنّي والاستقصاء الفكري، وهذان، تحديداً، ممنوعان عندهم. ما يغطيه شعار الحب بلا جنس يعرّيه جنسٌ بلا حب.

في سياق النازية والفاشية والحرب العالمية الثانية، أوجد جورج أرويل للمراقبة والقمع، في روايته الشهيرة «1984»، ثلاث وزارات مهمّاتُها نقيض عناوينها: وزارة الحقيقة للدعاية، ووزارة السلم للحرب، ووزارة الحب لتعذيب المحبّين. أغلب الظن أنه لو كان عربياً في أيامنا لأضاف رابعةً تكون وزارة الضمير للتكفير. أغلب الظن، أيضاً، أنّه يتيقّن مما ذهب إليه خياله من أن العنف يجعل الأرض «وكأنها ملجأٌ لمرضى نفسيين آتين من كوكب آخر». محمود درويش أقرب إلينا وإلى أيامنا، ومع ذلك فلو كان معنا، اليوم، لرأيناه يعترف بأنه، في حب ريتا، كان محظوظاً: بين عيونه وريتا بندقية! اليوم، بين عيون المحبين، في الحلم واليقظة، أشباح رعب، وسيوف، وأحزمة ناسفة، وأشلاءُ قتلى ومنتحرين. بينها خرائط أرضٍ وبشر منقَّبة، مهترئة، من ثقوبها تسقط أعشاش المحبّين.

زمن اللّاحب هو مثل «زمن الكوليرا» لا تحدّده الأحداث في ذاتها بقدر ما يحدّده امتداد آثارها في الزمن الاجتماعي. هبَّة الكره والقتل، في إرهاب السنوات الأخيرة، دفعت الأفراد والجماعات إلى الإحساس بحياةٍ معلّقة في خيط رفيع لا يعرفون متى وأين وكيف يُقطع «من تحت»، خارج الآجال المنتظرة «من فوق». زمن اللّاحب هو هذا الزمن الاجتماعي الذي تبدو فيه الحياة متراجعةً أمام الموت، يبدو فيه الإله إيروس متراجعاً أمام الاله تاتانوس. أما الموت فهو كلّ قضمٍ أو تهديم لأي نبض في أحاسيسنا، في خواطرنا، في نصوصنا، في حركاتنا وسكناتنا، في أجسادنا.

وكما لهذا سياقه، كما أشرتُ، بدءاً، فله إرهاصاته، وإن لم تُنبئ بما عليه، اليوم، تجلياتُه. ليس في النيّة ولا بالإمكان التأريخُ لهذا. يكفي التوقّف عند بعض المنعطفات، توقّفاً لا يخلو من مجازفة. ولما كانت المقاربة متّجهةً إلى علاقة الحب بالموت، فالإشارة لا تكون إلاّ عابرةً إلى ما أفرزت النهضة العربية من رومنطيقيّة أدبيّة لم تكن بنت أنوارٍ ولا حداثة، كما كانت في الغرب، ولكنّها سمحت بسماع نبض الحب في نص المرأة، مثلما سُمع في نص مي زيادة التي راسلت وأحبت جبران عشرين عاماً من دون أن تراه ولو مرة واحدة، وهي، في هذا، نموذجُ رومنطيقيةٍ شرقيّة.

المنعطف أضعه في بداية ستينيات القرن الماضي، وتحديداً في لحظةٍ تقاطع فيها الفلسطيني واللبناني، اللبناني نشأةً أو مقطعاً من سيرة حياة. وليس هذا لانعدام التعبير عن علاقة الحب بالموت في مواطن عربية أخرى وإنما لأن لهذه العلاقة جدليّةً خاصة، بحكم طبيعة الأحداث واستمرارها، ولما جمعت وفرّقت، ولما اتّسع من التعبير عنها:

بين ليلى بعلبكي ونزار قبّاني

في أواخر الخمسينيات صرخت ليلى بعلبكي: «أنا أحيا». وبقطع النظر عن القيمة الفنيّة للرواية، ففيها امرأةٌ تعلن شدَّ حياتها إلى الحب وإلى حريّة حركتها فيه، بدءاُ بامتلاك الجسد: امرأةٌ عربية تعلن، في سياقٍ نضالي، حبّاً بلا ملامح رومنطقيّة تقليديّة، وتسند «الجبن» فيه إلى الرجل. هو حبّ تؤرخ به لحياتها ولا يطول نفسُ الرجل فيه. في هذا ما يذكّر بما قالت مدام دي ستيل، قبل أكثر من قرنين، قبل الرومنطيقية الفرنسية: «الحب هو تاريخ حياة المرأة، وهو حلقة من حلقات حياة الرجل». كان على المرأة العربيّة أن تُنطق حبَّها لتنقلب الآية العربيّة! لا ندري لماذا نُسي أو تُنُوسي «أنا أحيا»، هذا النّص المؤسس لانتفاض المرأة، في الأدب، ولمطلب الندّيةِ التي على الرجل أن يجد، في الحب، قوّةَ الوصول إليها. لم تعد المرأة رهينتَه فيه. هذا التوق تسرّب إلى مجالات مختلفة: حتى أم كلثوم خرجت عن مألوفها، عام 1964، لتغنّي: «للصبر حدود، يا حبيبي».

في الشعر، هجر الحب رومنطيقيته ليسكنَ مجازَ بطولتين: بطولةٍ دون جوانية ذات ملامح شرقية، لا توسُّطَ، على الورق، بينها وبين حميميّاتٍ كانت منغلقة، وبطولةِ ثائرٍ، بينه وبين حبّه مشاريعُ ثورته وهزائمُها. الأولى سبقت الثانية، زمناً، وطاولتها زمناً، قبل أن تأخذها التراجيديا العربية إلى التقاطع معها في ضواحي 67:

بعدما «فصّل من جلد النساء عباءةً وبنى أهراماً من الحلمات» أخذ نزار قباني يشتمّ رائحة الموت في حبّ ما بعد الهزيمة. المرأة التي استمرّ يراها «بين واحدةٍ ودّعته وواحدةٍ سوف تأتي» لم يعد بين نهديها «حياة أو بشر». أصبح بينهما «قرى محروقة وملايين ملايين الحُفر». «طفولة النهد» ذهبت، ودون جوان تلاحقه أشباح الموت:

لقد تساوى حبنا وكرهنا وأصبح البقاء كالرحيل 

أفلسنا، تكررنا، تعودنا على الموت 

انتظرنا في كراسينا 

كما ينتظر الأمواتُ، في أكفانهم، يومَ النشور 

الحب الذي «نقله من كهوفه إلى الهواء الطلق» وأسس له «أول فندق حب/بتاريخ العرب/ليستقبل العاشقين»، كما يقول، أصبح مذعوراً بموتٍ «يدخل علينا ضاحكاً، ويقفل الأبواب». أصبح السؤال: «متى يعلنون موت العرب؟»:

تابعت كلّ الحروب على شاشة التلفزه 

فقتلى على شاشة التلفزه 

وجرحى على شاشة التلفزه 

ونصر من الله يأتي علينا من شاشة التلفزه 

كان نزار قباني يُعتبر «شاعر الحب والمرأة» وكأنّ هذا اختصاصه. المعاناة العربية وحتى الشخصيّة، إذ قُتلت بلقيس، زوجتُه، في انفجار ببيروت، وله رثاء فيها، جعلته يرى الحبّ، وإلى آخر حياته، «تعويضاً عادلاً عن هذا السقوط القومي الكبير في بحر الكراهية العربي».

«ريتا محمود درويش»

محمود درويش جعل من الحب والموت كلمة واحدة، اسماً مركّباً، يلفظه «أموت-أحبّكِ». قليلاً ما تخلو قصيدةٌ من قصائده من الموت أو من مشتقّاته. قبل عيون ريتا «العسليّة»، كانت العيون «شوكة في القلب» و«هجرة» و«منفى». قد «يكتب عنها بلاداً/ويحتلها الآخرون». قد يحبّ الشّهد «رغم ان الشهد مسكوب في كؤوس الآخرين».

أيها الموت الخرافي الذي كان يحب 

لم يزل منقارك الأحمر في عيني 

سيفاً من لهب 

في عالم يعلّمون فيه «أن نَصون الحبِّ بالكره»، «يُصبح الحب ملحمةً»، كما يقول. من عناوين هذه الملحمة ريتا التي بدأ الموت معها حادّاً ولكنه استسلم للحب، أو كاد، في نهاية الأمر. في مسار ريتا علاقةٌ بين الحب والموت تستحقّ العرضَ:

سواءٌ وُجدت ريتا أمْ كانت «تركيباً لغويّاً لأكثر من تجربة» فصورتها مرسومة في خمس قصائد توزّعت في مدى ربع قرن. في الصورة ملامح صيرورةِ حبٍّ قوي، في فضاء عداوة أصليّة:

نعرف ما كان بين العيون و «العيون العسلية»، عام 1964: بندقية تطلق النار على «مليون عصفورٍ وصورة/ومواعيد كثيرة»، في «صمت العشيّة»، حين تكون «المدينة كنست كلَّ المغنّين وريتا». ريتا، فيها، لا تتكلم، وللحب ملامح المستحيل.

في «العصافير تطير في الجليل» (1970) لا تزال القبلة «تُرتشف من حدّ السكين»، ولكن البندقية تحوّلت إلى موتٍ مرافق. يتوحّد المحب والموت، يخاطبان ريتا في ضمير المثنّى:

وهبناكِ أنا والموت 

سرَّ الفرح الذابل في الجماركْ 

وتجدّدنا أنا والموت 

في جبهتك الأولى 

وفي شبّاكِ دارك 

في «ريتا أحبّيني» (1970)، لا تزال للمحب «أشواق السجين»، ولكنّ المنعطف بدا في النّداء: «أحبيني!». لم يكن من معنى في أن يموت صاحبُ النداء، وإذا كان لا بد من موتٍ فَلِينادى إليه المحبوبِ:

ريتا أحبيني! موتي في أثينا 

لتموت أشواقُ السجين. 

في «الحديقة النائمة» (1977)، تتسع الحديقة في القلب، وفيها «تأخذ ريتا قُبلتها وأيامها». بعد عشرين عاماً من عمر البندقية، تُحضر ريتا للمحب قهوته العربيّة. في «أحبّك ريتا»، مكرّرةً، يلين الموت كما يلين في رمي السؤالِ عنها إلى ما «بعد ثلاثة وعشرين عاماً» ويبقى الغياب.

في «شتاء ريتا الطويل» (1992)، يكون المحب قد مرّ إلى ريتا «بين سيوف إخوتها ولعنة أمّها». كل منهما يُعلن للآخر حبّه. يبقى الحب محاصراً، إذ «الطبول هي الطبول»، وعبور ريتا النّهرَ صعبٌ، والرحيل يُدرك الاثنين، ولكن ريتا «تجهش: هذا الشتاء طويل»، «وتضع مسدّسها الصغير على مسودّة القصيدة».

كثيرون، غير قباني ودرويش، أرادوا انتشال الحبّ من مأساته العربيّة، من «زمان العشق في القبور»، كما ينعته قاسم حداد، هذا الشاعر الذي ينتصر لحياة القبور بـ«حبّ مذعور»، بحبٍ صعب، و«ما أصعب الحب الذي يأتي من الدماء»، كما يقول.

الحب الفايسبوكي

وإذا كانت العبارة المحبّة قد تركت الشعر إلى النثر ومصنّفاته حين توقّف المدّ الحضاري العربيّ فإن زمن اللّاحب الذي نحن فيه أطردها من الشعر والنثر، معاً، على الأقل في ما عهدناه، طويلاً، من معنى الشعر والنثر. ظهر حبّ فايسبوكي ذهب بالعبارة المحبّة إلى وضعين: التخزين والتشبيك. في التخزين رغبة في الإنقاذ، وله عناوينُ أشهرها: «من أجمل أو أروع ما قيل في الحبّ». وإذا كان للشعر نصيبه منه، فلغيره منه أرصدة متوازية أو متناضدة او متداخلة: حِكمٌ وأمثال وآيات قرآنٍ وأحاديث، والكلُّ يساند أو ينازع بعضه بعضاً، في شحن الذاكرة. أما التشبيك، وبقطع النظر عن آلياته التقنيّة، فأغلبه رغبةٌ في التعلّق، رغبة في الحب أكثر مما هو تعبيرٌ عنه. ولما كان في المجتمع، في «الأنا الأعلى»، رقيبٌ لا ينام فالحب مبنيٌّ للمجهول: علنيّتُه مبتورةٌ، والأسماء فيه مختزلة أو مستعارة. لا تكلفةَ له، في لحظة العابر، فهو قد يكون بعض كلماتٍ تتحرك أسفلَ شاشة. هو مُرفَّهٌ فقدَ طعمَ المخاطرة.

في التشبيك الاجتماعي نوع من «تناصّ» لا يتسع له ديوان شعر ولا رواية ولا فنّ من الفنون المعهودة. موضوع الحب فيه مجرّد سياق يبرّر خليطاً من الرأي والمراجع والنزوات والفتاوى، ويستثير تعاليقَ لا نواةَ لها ولا ضوابط ولا حدود: الحبّ، بآماله وخيباته، والجنس، مرفوضاً ومطلوباً، والمقدّس بمثاليته وبما يُخفي من مدنّس، وأخبار المحبوبين من مغنين وممثلين وتوب موديل. وللحب، في التشبيك، وصْفاتُه: مثلاً، «كيف تقول لزوجتك: أحبّكِ؟ أحضر قاموس جيْب أو معجماً واكتب: أنتِ (you) بجوار كلمة الحياة (Life)، ثم أضف جملةً شاعرية مثل: «بدونك ليس للحياة معنى». أما قواميس الحب، كما تسمَّى، فكثيرة، كما أن «الحب في الموبايل» متوفّر وله مواقعه.

الحرية الافتراضية أخرجت الحب من لغة الشعر والنثر إلى لغة لم تُعرف ولم تُضبط قواعدُها بعدُ: لغة دارجة ذات ألفاظٍ وتراكيب غير مألوفة، تُكتب صوتيّاً، مهما امتدّ الصوت: أحبّكَ، مثلاً، تُكتب «أحبوووو..ك»، بما شئتَ من الواو، وجدّاً تكتب «جداااااا…ن»، بما شئتَ من الألف، مضافةٌ إليها نونٌ للتنوين. هذا مع صيغ أقرب ما تكون إلى الذبذبة، من نوع «هههه..» ولعلّها صيغة تعليقٍ ضاحك أو باكٍ، لا ندري. هذه اللغة المشبّكة يفهمها المشبّكون، ولكن قد لا يفهم الكثير منها من خرج عن خصوصيتها أو عن مَحليّة استعمالها.

غزارة «التواجد»، في الافتراضي، تعكس صعوبة الانتقال من «مبدأ الرغبة» إلى «مبدأ الواقع»، في معناهما الفرويدي. المسافة الفاصلة هي مسافة فراغ يتحول فيها «أحبّكَ» أو «أحبّكِ» إلى «أحبّني» أو «أحبّيني». هي مسافةُ نداءٍ أكثر مما هي مسافةٌ لإعلان حب. هذا الوضع أوجد لغةً لها، بلا شك، مجازُها وبلاغتها وسيميائيتُها، ولكنّ من ضرورياتها أن تكون منمّطة، شعبيّاً، وأن تكون مشفَّرة تشفيراً يعرف أهلُه مفاتيحه، وأن تكون لها، أيضاً، مواصفاتٌ تتحمّلها، تقنياً، وسائل الاتصال الحديثة. هذه اللغة لا تحتاج إلى ما عهدناه من «فن الكتابة»، ولهذا قلت: إن العبارة المحبّة خرجت من الشعر والنثر معاً. أقول: العبارة ولا أقول: الحب، لان هذا، بما هو احساس كوني وقيمة انسانية لا يزيله شيء وإن تغيّرت أنماطه وتجليّاته، كما لا يزيله زمنٌ حتى ولو كان زمنَ اللّاحب.

الحب نداء الحياة والتّوق إليها. تَحقُّقه انتصارٌ لها. لا إرادة للحياة الفردية أو الجماعية من دونه. هو رؤية للعالم ولجمال الكون في مواجهة القتامة والبشاعة. هو طاقة إبداعٍ متفرّعة، يسري فعلُها في مجالات الحياة كلّها. هو، في نهاية الأمر، ذلك المطلب القديم للسعادة التي ما انفكّت تحاصرها سلطٌ متنوّعة، إما لاثبات أنها المتحكّم في منحها للناس وإما لتأجيلها إلى عالم آخر.

وأزمة الحب ليست أزمةَ علاقة بين الرجل والمرأة، فهي، قبل ذلك، أزمة حريّةٍ تضيق بها ثقافة سائدة تتماهى معها سلطة سياسيّة، على أنها ثقافة الشعب وتقاليدُه. لا يولد الذكر ذكوريّاً ولا الأنثى أنثويّةً وإنما يصبحان كذلك بسبب عوامل محدِّدة في المجتمع. العلاقة بينهما ليست فطريّة بل مبنيّة: القبيلة، مثلاً، لا تتحمّل الحميميّةَ بينهما لأنها ترى فيها تفرّداً ونوعاً من السريّة أو تواطؤاً ضدّها. لهذا لم يعرف الشعر العربي، قديماً، تغزّلاً بالزوجة ولا حتّى رثاءً لها إلاّ نشازاً: حين جرؤ جرير على رثاء زوجته اكتفى بالقول:

لولا الحياء لها جني استعبار 

ولزرتُ قبرَك والحبيب يُزار 

السلطة، عموماً، مع الحب الجماعي، مرادفاً للتضامن أو للوحدة الوطنيّة. أن يعبّر الفرد عن حبٍّ يعلن حريّة الارادة والاختيار والعبارة فهذا، دائماً، مصدر ريبة، لا باعتباره حبّاً في ذاته، وإنما باعتباره تجلّياً لحريّة فرديّة. هذه الريبة، مهما كان نوعها، هي في محلّها لأن في إعلان الحب تجاوزاً واحتجاجاً. الحب العذري نفسه هو، في أصله احتجاج على هامشيّة بني عذره وليس امتثالاً للدين، كما يقال.

الحب ليس هو الجنسانية

يحتاج الحب، في المجتمع العربي الإسلامي، إذاً، إلى اصرارٍ فكري على ربطه بمطلب الحريّة، أولاً. وهو يحتاج، كذلك، إلى تخليصه من تأويل المهووسين بالجنس في الحب، ممن لا مرجعيّة علميّةً لهم في ذلك. هم قد يفاجأون، مثلاً، إن علموا أن التحليل النفسي، نفسَه، أوجد تمييزاً بين الحب والجنسانيّة: المحلل النفسي الفرنسي الشهير لاكانْ قال بأنه «لا توجد علاقة جنسيّة» لأن المتعة الجنسيّة هي متعة الواحد، تأخذه بعيداً عن الآخر. ما يسمَّى «علاقة» هو مسافة وانفصال أو «لا علاقة»، والحب هو الذي يعوّض هذه «اللاعلاقة»، وبه، فقط، يتجاوز الشخص نرجسيّته. الحب ليس علاقة مغلقة بين اثنين: هو تجربة اثنين يُقدِمان على بناء عالمٍ لا يبنيه شخص واحد. حتى الشيطان، لو أحبّ، في تجربة كهذه لانتفى شرّه!

إن عنْفنة الدين مكّنت أسوأَ خلف لأحسن سلف أو أحسنَ خلف لأسوأ سلف من أن يُطرد الحبَّ من إسلامه، كما هو في هُواماته. هذا في حين أن اذكياء المجتهدين، في عصور ازدهارٍ سابقة، جعلوا الدين يتسع له، بل ويُهادن تطرف العبارة فيه. كان الكثيرون منه يرون الله حيث يسكن الحب، ومنهم، كابن عربي، من رأى أن الله لو تجلّى في امرأةٍ لهام بها. وللمناسبة، فإن الإفراط في تمجيد التراث، من دون نظرٍ نقدي، ساهم، من دون شك، في تمكين الماضي الذي لا يمضي من إفراز التطرّف الديني وعنفِه وإفتائه في «مفاسد» الحب.

الدفاع عن الحب، في زمن اللّاحب، ليس دفاعاً عن نزوة. هو دفاع عن ظاهرة إنسانية مركّبة، لها روافدها وعراقيلها في كل المستويات والمجالات، ولا تتشكّل وتنمو إلاّ عبر تنويرٍ فكري وتقدّم اجتماعي، بدءاً بالسياسة، إذ للحب بعده السياسي أيضاً. ومهما بدا في هذا من إيتوبيا فقد حان الوقت لتكون قدرة المجتمع على إنتاج الحب، بما هو دليل حريةٍ، مؤشراً من مؤشرات التنمية الانسانية فيه. أليس الحب «تصويباً للخلق»، كما قال أنسي الحاج؟ ليدافعْ من شاء عن حروبه، ولكن ألمْ يحن الوقت «لنتفرّغ للدفاع عن حبنا»، كما طالب قاسم حداد؟ ثم لعلّ الله، رغم أنف أعداء المحبين، يستجيب لنداء نزار قباني:

يا إلهي 

إن تكن ربّاً حقيقيّاً، فدعنا عاشقينا 

الدفاع عن الحب ليس شعاراً. هو حاجة حيويّة للانسان والحضارة. والمفارقة أن زمن اللّاحب العربي يتطابق والمرحلة التي يعود فيها الفلاسفة، في الغرب، إلى موضوع الحب، معتذرين عن إهماله، وقتا طويلاً. في «مدح الحب» يذكّر الفيلسوف الفرنسي آلانْ باديو، بدءاً، بما قاله الشاعر رامبو من أن علينا «اختراع الحب من جديد»، وبما قاله أفلاطون: «من لا يبدأ بالحب لا يمكن، أبداً، أن يعرف ما الفلسفة». وقد رأى أن الحب مهدّد وأنه يحتاج إلى الدفاع عنه، باعتباره ضرورة. الفيلسوف، عنده، لا يكون فيلسوفاً إلا إذا كان عالماً وفناناً ومناضلاً، ومحبّاً أيضاً. ومهما كان النفاق الاجتماعي فالمثقف لا يختلف في حاجته إلى الحب وفي رعشته فيه عن الإنسان العادي.

كلمة أخيرة: زمن اللّاحب هو زمن الرجل: الرجل هو الذي فشل في نشر حبّه لأنه لا يحيا من دون كره، في حين لا تحيا المرأة من دون حب. الصراع الدائر اليوم يبيّن أن الماضويّة تريد أن تجعل من المرأة آخر معاقلها. وإذا كان الشاعر أراغون قد قال قولته الشهيرة: «المرأة مستقبلُ الرجل» فوضعنا يقول: المرأة العربيّة مستقبل العرب، والمرأة المحبّة مستقبل العرب والعالم. أكاد أقول: أيّها المحبّون اتحدواّ!

*أستاذ و باحث في علم الاجتماع و كاتب تونسي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق