قراءات ودراسات

[قصيدة توماس ترانسترومر، والتتويج بنوبل]

ترجمة: سعيـد بوخليـط*

ولد توماس ترانسترومر بمدينة ستوكهولم، يوم 15 أبريل 1931. صاحب تكوين في علم النفس، فاشغل بتخصصه هذا إلى غاية 1990، لكنه أصدر أيضا ما يقارب خمس عشرة مجموعة شعرية. ترجمت كتاباته إلى اللغة الفرنسية، من قبل جاك أوتان، والتي شملت العناوين التالية : “رؤى ليلية” و”بلطيقيين”: أنطولوجيا (1966-1989)، وكتابات الصانعين(1989). الأعمال الكاملة (1954-1996) (1996). اللغز الكبير (2004). قصائد مقتضبة (2004). الذكريات تترصدني (2004). الأعمال الكاملة (1954-2004) (2004). يساورنا غالبا، شك نحو لجنة تحكيم جائزة نوبل للأدب. حساباتها المعقدة، احترامها توازن اللغات، ثم دلالة ما للتناوب، باختصار، أن تكون سياسية أكثر منها أدبية.  خلال هذه السنة،  اتفق مراهنون وخبراء، على بعض الأسماء : وقع الحديث عن القصيدة الجميلة جدا للسوري أدونيس، اللبناني الجنسية (اللغة العربية، متموقعة بشكل أفضل بعد أحداث وقائع الربيع ( ثم الذائع الصيت “هاروكي موراكامي” (لم تحصل اليابان إلا على جائزتين منذ 1901) وكذا الأمريكيين “توماس بينكون”، “فيليب روث”، “كورمارك ماكارثي” أو  “جويس كارول” (يستحضرون دائما منذ سنوات ، لكن دون تتويج)، بل وحتى المغني “بوب دايلن”، فقد كان الاسم المفضل لدى بعض المراهنين البريطانيين.

نُسي، تقريبا توماس ترانسترومر، الحاضر دائما في السباق منذ بداية 1990، لكنه يوم الخميس 6 أكتوبر ظفر بها، ضد كل ترقب ؟ كل شي، قابل للتأكيد. أو،  لنعبر عن الوضع بطريقة مختلفة، اختيار الأكاديمية السويدية، يشير حتما، إلى عودة اعتبارات محض أدبية. يبدو الأمر عكس المتوقع، إلا أنه جدير بالترحيب. ينبغي  دون انتظار، محو تشكيك آخر. بمكافأة شاعر سويدي، لم تختر هيأة نوبل السهولة. فإلى غاية سنوات 1956، ظلت اسكندينافيا حاضرة بقوة بين الفائزين، بعد ذلك، تغير المنحى. لقد فرض تقريبا الحياد نفسه، كقاعدة. هذه السنة، ولحظة الإعلان عن الفائز، أكدت الحماسة الصاخبة لقسم من الحضور، تلك الحقيقة. إذن، نوبل الحالية، تعتبر انفراجا، مكافأة عادلة، أنصفت أحد أهم شعراء النصف الثاني من القرن العشرين.

تُرجم إلى ستين لغة، وحصل على جوائز عديدة، تقريبا في كل أرجاء العالم، كما أنه يًٌدرَّس في الجامعة، بالتالي، فإن توماس ترانسترومر ليس مجهولا، فقط في فرنسا لم يشر اسمه إلى أشياء كثيرة، بالرغم من الترجمات الرائعة جدا، التي أنجزها “جاك أوتان”، لحساب منشورات “كاستور أسترال” المشرفة على إخراج أعماله منذ أكثر من عشرين سنة، وكذا صدور نصوص كثيرة له على صفحات المجلات، ثم تجميعها ثانية كاملة (1954-2004) في “طبعة جيب” من طرف غاليمار. لكن الإجحاف، مرده بشكل يقيني، إلى وضعية للأسف مرتبطة بالقصيدة المعاصرة في فرنسا، أكثر من ترانسترومر نفسه.

ولد الشاعر السويدي سنة 1931. حكى في عمله “الذكريات تترصدني” (2004) عن شبابه وشغفه بعلم الحشرات، وكذا نتائجه المدرسية المتواضعة. في سن الخامس عشرة، اكتشف الأدب والقصيدة وكتب نصوصا حداثية، مع افتتانه بالشعراء الكلاسيكيين، لاسيما اللاتينيين. بسرعة، سيتهذب صوته وتنضج لغته، ويتحددا بدقة. سنة 1954 وقد بلغ الثالثة والعشرين، ظهرت مجموعته الشعرية الأولى “سبع عشرة قصيدة”، كان وقتها طالبا بجامعة ستوكهولم، حيث حصل سنتين بعد ذلك على شهادة في علم النفس.

تتوهج هذه النصوص برصانتها وحسيتها وانطباعاتها الحميمية وكذا غناها المجازي. في هذا الإطار، يبدو آسرا أول مقطع شعري، من القصيدة الافتتاحية، لكتابه الشعري  “17 قصيدة” والمنسجم قبلا، مع ما سيأتي  به كل العمل : “الاستيقاظ، وثبة بمظلة خارج الحلم”، وعلى الفور استرعى الانتباه. نشوة البداهة، الزخم المركب لتعبير مألوف، ثم أصالة الصورة : كل شيء ينصهر هنا. في تذييله، لطبعة الأعمال الكاملة (1954-1996) الصادرة سنة 1996، تحدث الشاعر “رونو إيغو” جيدا، عن بساطة شبه مموِّهة وحكائية، عند توماس ترانسترومر : إنه يصنع تجربة : ((خاصية متغيرة للمادة، والتي  علمتنا الفيزياء المعاصرة، بأنها تمثل الماهية)).  ظاهريا، تكشف القصيدة الواقع، وتندرج في إطار حركة بيانية تدل وتحصي. خطوة بعد خطوة، ثم كلمة فكلمة، مما يخلق مشهدا بالنسبة للشاعر وكذا القارئ. في الحقيقة، يحيط أسلوبه من خلال بضعة أسطر، بما يفلت منا، البياضات وتصدعات الملاحظة، أعماق فيما وراء السطح.

شاعر ينتمي لعصرنا، يتنقل بواسطة القطار والميترو، ينام أحيانا في فنادق، يتأمل من خلف النافذة، يزور الكنائس، يستمع إلى الموسيقى،  يتملى الطبيعة ويسافر باستمرار، بل هذا الكاتب السويدي، رجل لكل الأزمنة وللدائم عبر ما ينطوي عليه من متغير ومتحرك. بصير، بتمفصل وقت يمر وآخر يمكث، لحظة التاريخ والأسطورة في الآن ذاته.

نموذج، من بين العشرات، نجد نص “طائر الصباح” (الأعمال الكاملة)، يبدأ تقريبا،دون سابق إنذار: “أشغّل السيارة /دراءة ، رًٌشّت بطحين”، قبل أن يتغير الاتجاه في منتصف الطريق، لكن وفق  نفس النبرة : “عبر منفذ سري على المنظر /يأتي قًٌنْدس أسود وأبيض. طائر آلهة الموت”

تجعل لغة الشاعر، المألوف مدهشا. المفرد، يصير كونيا، لأن توماس ترانسترومر، يتجه دوما إلى تناول مدركات حسية وأوضاع خاصة وفردية. قبل أن تقتحم مجازاته، الموروثات السوريالية، وانفتاحات ميتافيزيقية واسعة، ثم صمت وفراغات جلية. إحدى أجمل قطعه لسنوات 1960 والمعنونة ب “عزلة”، تأخذ طابع وسياق حادثة سير : (هنا، كدت أن أهلك، خلال إحدى ليالي فبراير/ تتزحلق السيارة فوق غطاء من الجليد / عند الجهة الفظيعة من الطريق). ولكي يسرع بالنص، نحو بعده المدهش، (منذ فترة، وأنا أعبر أرياف أوستيرغوتلاند المكسوة بالثلوج/ ولم أر كائنا يحيا)، اضطراب مطلق (الجميع، يقف طابورا  عند الجميع).

سنوات 1970، ازدهرت أكثر لغة توماس ترانسترومر، وهي تتسع للنثر والترنيمة. كما الأمر، في :”رؤى ليلية” و”بلطيقيين” (1970-1974). خلال تلك الحقبة، عمل صديقه الشاعر الأمريكي “روبير بلي”، على ترجمته للمرة الأولى إلى الإنجليزية، فأضحى اسمه عالميا.

فيما بعد، قل إنتاجه، نتيجة إصابته بجلطة دماغية، أحدثت لديه شللا جزئيا وحبسة لسانية. تكبر الوقفات، ويصير النور أكثر كثافة، بل أحيانا  جسيما. أولى قصائد الهايكو عنده، ظهرت مع عمله “غندول مشؤوم” (1996)، قبل أن تكتسح عناوينه الأخيرة اللامعة “قصائد مقتضبة” (2002) وكذا  “اللغز الكبير” (2004).

يثير توماس ترانسترومر، إعجاب الروسي جوزيف برودسكي، والصيني باي داو، وكثير من شعراء اللغة الإنجليزية، إضافة إلى إشعاعه في البلدان الإسكندنافية. لذا، لم يكن الرجل مجرد اسم سطع نجمه مع خريف هذه السنة، لكنه بالأحرى شاعر كبير.

*كاتب وأكاديمي ومترجم من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق