قراءات ودراسات

فصل المقال وتقرير حقيقة الفرقان ما بين ابن الأزرق وميكيافلي من “المفارقات” أو “المشتبهات”

الدكتور احمد بابانا العلوي

استهلال : المراد بالفرقان التفريق بين الحق والباطل

أما المشتبه والمتشابه : سواء من حيث اللفظ أو المعنى هو الذي لا ينبئ ظاهره على حقيقته مما يؤدي إلى طغيان الخلط والإشكال}

يراجع :  مفردات ألفاظ القرآن للراغب الاصفهاني و لسان العرب لابن منظور.

 

–   1  –

لقد لفت نظري ما كتبه الأستاذ عز الدين العلام في  زاوية { فواصل الأيام }  بجريدة الاتحاد الاشتراكي العدد 9862 بتاريخ 15/08/2011.

وقد ورد في مقال  الأستاذ كلام مرسل حول حركة الإصلاح الديني التي شرعت حسب  قوله (التفريق بين الإيمان والقانون) وتحدث عن فكر الأنوار والدولة الأوربية الحديثة وانتشار الفكر الاشتراكي بفضل مفكرين أمثال ماركس وبرودون وباكونين، كما أشار  إلى التقدم المتسارع الذي حققته أوربا في المجالات الاقتصادية والتقنية والاكتشافات العلمية..

وتضمن مقاله قدح في  مفكري  المغرب  والإسلام بصورة انتقائية،  واختزالية ومبتسرة، تفصح عن فكر دوغمائي بعيد كل البعد عن ما يجب أن يتصف  به الباحث من رصانة وروية وتمحيص وعدم تحكيم الهوى في قضايا تتعلق بالفكر والنظر…

ولست هنا بصدد مساجلة الأستاذ العلام فيما كتب من كلام مرسل. فهذا شأن يعنيه، ولا شك بان القارئ اللبيب سوف يدرك مراميه وخلفياته وله وحده أن يحكم له أو عليه..

وما أريد أن أتوقف عنده في هذه العجالة ينصب على مسألة معرفية وظفها الأستاذ لأغراض إيديولوجية في سياق كلامه المرسل.

ويتعلق الأمر بمقارنته المبتسرة بين ابن الازرق وميكيافلي يقول الأستاذ : “حينما كان مكيافيلي يكتب “الأمير” يقصد كتاب “الأمير” فاتحا الطريق لتأسيس نظرية الدولة الحديثة.

في الوقت الذي كان فقيهنا ابن الأزرق يجمع في كتابه ( بدائع السلك في طبائع الملك) كل موروث الاستبداد السلطاني…، ثم يضيف “وبينما كان مفكرو الأنوار من ديدرو إلى فولتير، مرورا ب دالامبير وهلفسيوس ودولباج يدافعون عن العقل مؤمنين بالإنسان، ومطالبين بالإصلاح..، ظل فقهاؤنا  يجرون من ورائهم سيلا، بل أسمالا، من الاستشهادات والعنعنات التي لا تسمن التاريخ ولا نغنيه.”

–       2   –

والحق أن في الكلام الذي استشهدنا به مبالغة وتشويه للحقيقة وإسقاط متعمد خارج عن السياق التاريخي، وبدون إعتماد أي طريقة معرفية أو معيارية منهجية. تمكننا من فهم تطور الأنساق الفكرية والأنماط الثقافية الكامنة وراء الحركة التاريخية للمجتمعات البشرية. لقد ذكرت في كتابي الفصول: “بان ما يهمنا هو مسألة المنهج لأن العلم في جوهره هو  ادارك الشيء بحقيقه اليقين والمعرفة …

فالمعرفة العلمية الصحيحة تقوم على قواعد وأصول منهجية تؤدي إلى اكتشاف حقائق الكون والحياة والإنسان وتساهم في ازدهار وتقدم الحضارات الإنسانية (1).

ومن هذا المنطلق فقد ظهرت في المكتبة الأوربية مئات الكتب عن الفكر العربي الإسلامي، وقد انصرفت جهود الباحثين على الأساليب التي تنمو فيها التقاليد الفكرية والطريقة التي تتجمع فيها وتنتقل من جيل إلى آخر وتتطور وتكسب  مرجعيتها.(2) والغاية من وراء ذلك تشكيل نظرة معينة في أوروبا عن الإسلام و الحضارة المرتبطة به.

ورغم أن الإسلام منذ ظهوره على مسرح التاريخ شكل مشكلة  لأوربا المسيحية، إلا أن العلاقة بين المسلمين والأوروبيين المسحيين لم تكن مجرد حرب دائمة… بل كانت كذلك علاقة تبادل تجاري عبر البحر المتوسط..، وكان هناك أيضا تبادل للأفكار  من البلدان الإسلامية  نحو البلدان المسيحية (مؤلفات فلسفية باللغة العربية، وكتب العلوم والطب، ترجمت إلى اللاتينية) وظلت حتى القرن السادس عشر متداولة ..

إن المسيحيين الأوربيين الذين فكروا في الإسلام خلال ما يقارب الألف سنة من المجابهة،  قد فعلوا ذلك وهم في حالة الجهل رغم أن القرآن كان متوافرا فعلا بترجمة لاتينية منذ ما بعد القرن الثاني عشر..، بتوجيه من بطرس المحترم رئيس دير كلوني. وكذالك كان بعض المؤلفات الفلسفية باللغة العربية معروفة، أما الفقه والعقائد التي تتناول ما ورد في القرآن من نظام للفكر و الممارسة فإن معرفة المسيحيين لها كانت محدودة.(3).. والحق أنه مهما تكن آراء الأوروبين في الإسلام، فلا يمكنهم أن ينكروا بأنه كان عاملا فاعلا في تاريخ البشرية..

ولهذا سوف يزداد الاهتمام بالإسلام في العصور الحديثة… لقد ظهرت اول دراسة منتظمة للإسلام في تاريخ اوربا الغربية منذ القرن السادس عشر. وبدأ تدريس اللغة العربية في الكولوج دي فرنس في باريس وبعد ذلك أنشئت أستاذية لتدريس اللغة العربية في جامعة ليدن بهولندا (1613) وفي انجلترا أنشئت أستاذية في جامعة كمبريبد (1632) واخرى في اكسفورد سنة (1634) وقام جورج سايل بترجمة القرآن الكريم حوالي (1696-1736) معتمدا على ترجمة ماراتشي اللاتينية (1611-1700). ومع تزايد المعرفة حصل تغير في الأساليب والنظر بها إلى الدين ومعنى كلمة “دين”.

إن المعنى الحديث ظهر في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ولم تعد الكلمة تعني مجرد أشكال من العبادة. لكنها الآن أصبحت تعني نظام للمعتقدات والفرائض والممارسات…(4).

وضمن هذا السياق أصبح الإسلام تعبير عن حاجة البشرية للاعتقاد بالله، وأن له قيمة لحد ذاته. وفي سنة 1841 اصدر توماس كارليل كتابه “الأبطال” واعترف كارليل نبوة محمد (ص).

ومن نتائج هذا الاهتمام بالإسلام أن أصبحت الدراسات الاسلامية  فرعا معرفيا مستقلا في الجامعات الغربية ويعتبر سلفستر دي الساسي  (1758-1838) مؤسس الدراسات الاسلامية  الحديثة في فرنسا.

إن المستشرق فون كرمير (1828-1889)  الذي تأثر بالعلامة ابن خلدون (1332-1406) قد وضع كتابا عن ابن خلدون  ضمنه بعض الأفكار الرئيسية تتخلص في أن الحضارة أو المدنية  تعبير شامل عن روح الشعب، وكان يعتقد بأن هذه الروح عبرت عن نفسها  بطريقتين  رئيسيتين : (الدولة الظاهرة الاجتماعية التي تقيد القوانين نهوضها وسقوطها، والأفكار الدينية التي تكون حياة العائلة والمجتمع، وهذان العاملان مرتبطان ارتباطا وثيقا احدهما بالآخر. ومن ثم فإن طبيعة المجتمع أو الحضارة تحددها أفكار الحضارة المتقدمة…(5)

إن ما أردنا التأكيد عليه من خلال هذا الاستطراد هو أن المراجع الحديثة تؤكد بأن  أثر العرب في القارة الاوربية  يعود إلى أقدم الأزمنة. فكل حضارة أبدعت. ولم توجد قط حضارة تفردت بالإبداع أو انفردت بالنقل أو خلت من السمة التي تميزها بين سمات الحضارات.. وقد تنبث سمة النقل بإحصاء أسماء العلماء والمفكرين الذين نهضوا بأمانة  الثقافة، في ظل الدولة الإسلامية..(6).

–       3   –

لقد حافظت الحضارة الإسلامية على تراث الإنسانية وزادت عليه ونقلته إلى من تلاها..، وكل حضارة صنعت ذلك فقد صنعت، خير ما يطلب من الحضارات.. وهذا هو الدور الذي قام به علماء الإسلام وهي  فضيلة السماحة والحرص على تراث الإنسانية إنطلاقا من كون أمانة التبليغ الثقافي والعلمي تشكل ركنا أساسيا من أركان العقيدة الإسلامية، فكلمة الأمانة والأمانات وردت في خمسة مواضيع من القرآن الكريم  وكلها بالمعنى الذي يفيد التبعة والعهد والمسؤولية وبالتالي الأمانة العامة هي الحق والفريضة ومنها حق العلم وفريضته. فلا يجوز لمن علم علما أن ينسى حقه أي فريضة تبليغه.

ويقول الإمام الزمخرشي في كتاب الكشاف بخصوص الأمانة الواردة في الذكر الحكيم بأن الأمر يتعلق بخطاب عام موجه لكل احد وفي كل أمانة. ويضيف صاحب تفسير الجواهر الشيخ طنطاوي جوهري بان الأمانة كل ما اوتمنتم عليه من قول وعمل أو مال أو علم وبالجملة كل ما يكون عند الإنسان من النعم التي  تفيد  نفسه  وغيره..” (7). كما يشمل كل ما يرعاه من عهد وذمة …

وقال الفخر الرازي (ت 666هـ) بان الأمانة تكليف ونظر في الدلائل والبراهين ومن شروطها التبليغ الذي يراد به البيان.

وخليق بكل دارس للأديان أن يتنبه إلى التوافق بين تميز الإنسان بالتكليف وبين خطاب العقل في الكتاب المبين بكل وصف من أوصاف العقل، وكل وظيفة من وظائف الحياة الإنسانية …(8).

إن دور علماء الإسلام يندرج ضمن هذا السياق المرسوم وقد أدوا أمانة العلم وأمانة النقل والتبليغ والحفاظ على تراث الإنسانية.. ومن فضيلة الإسلام الكبرى أنه فتح للمسلمين أبواب المعرفة وحثهم على ولوجها والتقدم  فيها، وقبول كل مستجدات من العلوم على تقدم الزمن وتجدد أدوات الكشف ووسائل التعليم..(9)  وعلماء الإسلام هم الذين أصلوا مناهج البحث وجددوا مذاهب الفكر والفلسفة  وهم الذين جعلوا من التفكير فريضة ومن العلم عبادة.

ومن مداد العلماء نوارا يهدي الإنسانية إلى سبل الرشاد.

إن الإيمان قيمة وفضيلة، والقانون يتمثل في الطريقة التي تتحقق بها القيم السامية أي التي يتحقق بها العدل الذي هو أساس الملك بمعنى أساس التعايش بين الافراد والجماعات والشعوب والدول. وفي هذا الصدد يقول الأستاذ احمد مختار امبو المدير السابق لليونيسكو والشخصية الإسلامية الرفيعة :

“إن الإسلام في جوهره رابطة بين قيم المنطق وفضائل التغيير، بين الحقائق الراسخة الأولى التي أتى بها التنزيل وبين الشك الخلاق الذي يقوم عليه التفكير العلمي، إنه اللجوء الدائم بما هو جوهري للإحاطة بما هو نوعي إنه الرجوع المستمر إلى الأمور القدسية للإحاطة بالأمور الدنيوية ولهذا السبب  فهو لا يخشى البتة ظهور الجديد بل على العكس يدعو إليه دائما بوصفه مطلبا أساسيا للحقيقة التي  أتى بها. وهو إذ يغذي الجديد ويثريه ويشق أمامه الدروب  التي تؤدي إلى أفضل الثمار وتفي باسمي الوعود.(10)

إن علماء الإسلام ومفكروه مهما تعددت مشاربهم ومذاهبهم فهم قمم ومنارات، لا ينكر الأجاحد تأثيرهم الواسع في الثقافة العالمية، وإسهامهم الكبير  في تراث الإنسانية، ومن أهم المهام التي ينصرف إليها اليوم الجهد المعرفي  لكوكبة من علماء  الإسلام هو إعادة تشكيل العقل المسلم، ليتأهل لخوض معركة الحضارة والنهوض بالمجتمعات الإسلامية حتى تكون واعية بمتطلبات عصرها ومدركة لحقائقه الجيوسياسية والجيوستراتيجية باعتبارها  كتلة حضارية لها عمق إستراتيجي قادرة على التأثير في عصرها.

في الوقت الراهن يتشكل نظام عالمي على نحو سريع وربما حضارة جديدة، ولابد للمسلمين أن يقفوا على حقائقها ويدركوا معانيها وقوانينها إذا أردنا أن نكون فعاليين ومؤثرين، ولنا دور في صياغة قواعدها وتحديد أهدافها..

إن الذين لا يزالون يلهثون وراء سراب الغرب هم واهمون !

و نستدل هنا بمقولة المؤرخ الشهير أرنولد توينبي الذي يقول: “إنني لأشعر  بانحسار الأديان الكبرى التاريخية وظهور عبادة القوة  البشرية الجماعية القديمة في العالم الحديث، وقد ظهرت سواء في عبادة الدولة (المحلية) أو في مشكل عبادة (الدولة العالمية) .. إنني لأفترض أن هذه الصور لعبادة القوة البشرية الجماعية تشمل 90% من الشعور الديني أو 90% من سكان  العالم في الوقت الحاضر، والواقع  أن هذا الانتقال نحو عبادة القوة البشرية الجماعية هو لاشك السبب الرئيسي للمتاعب والاضطرابات التي تقوم بين البشر    …،إن الأديان الكبرى جميعا مهملة وآخذة في الانحسار، وربما توقف مستقبل الجنس البشري على عودتها ثانية إلى سيطرتها السابقة أو على عجزها عن تحقيق ذلك (11).

أجل إن  خير  ما يتكفل  الدين القويم به عقيدة تعمر الضمير وتطلق للعقل عنانه في سبيل الخير وسعادة الأرواح والأبدان وإذا كانت الجماعات البشرية لا يستغنون عن عقيدة، فإن جماعة المسلمين يصطفون لأنفسهم عقيدة سمحة، والقرآن كتاب عقيدة يخاطب الضمير ويحث على التفكير ولا يتضمن حكما يشل حركة العقل في تفكيره أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم حيثما استطاع وقد جاء في سورة الروم الآية 30 (فاقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون).

وقال الشاعر محمد إقبال : (12)

لقد ذهب الوفاء فلا وفــاء             وكيف ينال عهدي  الظالمينا

إذا الإيمان ضاع فلا أمـان            ولا دنيا لم يحـي دينـــا

ومن رضي الحياة بغير دين           فقد جعل الفناء لها قرينــا

وفي التوحيد  للهمم اتحـاد             ولن تبنوا  العلا متفرقينــا

تساندت الكواكب  فاستقرت           ولولا  الجاذبية ما  بــقينا

بعد هذا الاستطراد انتقل الى النقطة المحورية التي وردت في حديث الأستاذ العلام حول المقارنة بين كتاب “الامير” لميكيافيلي وكتاب “بدائع السلك في بطبائع الملك” لمؤلفه ابن الأزرق، وقد صدر هذا الكتاب القيم بتحقيق وتعليق المرحوم الدكتور علي سالم النشار في جزئين عن الدار العربية للموسوعات سنة 2006.

وزعم العلام أن المؤلف أبي عبد الله ابن الأزرق المتوفى عام 896 هـ قد ضمن كتابه [بدائع السلك في طبائع الملك] “كل موروث الاستبداد السلطاني”، في حين أن نيقولو ميكيافيلي 1469-1527 وضع في كتابه “الأمير” le prince الأسس أو القواعد التي ستقوم عليها الدولة الحديثة.

وسوف اعتمد في بحثي على الترجمة العربية التي أنجزها “خيري حماد” وتتضمن تعليقا لبينيطو موسوليني وتعقيب لفاروق سعد والترجمة صادرة عن منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر ببيروت سنة 1979. كما أنني عدت إلى الترجمة الفرنسية لكتاب “الامير” والتي انجزها “جان اماكلاد” Jean Amglade مع مقدمة للمفكر الفرنسي الراحل ريمون ارون.

ولابد من التأكيد هنا أنني لست بصدد الرد على الأستاذ العلام فله قراءات للتراث الإسلامي تندرج ضمن السجالات السفسطائية. ومنطق التمحل واللجاجة وهذا ما يتجافى مع المعيارية العلمية التي تؤسس لقواعد الاختلاف والنظر والتدبر. وتفضي الى المقاربات المنهجية التي تؤصل لرأي أو لرؤية تكون قابلة للصواب أو الخطأ أي أنها قابلة للمراجعة والتصحيح وهذا ما أكد عليه العلامة ابن خلدون في المقدمة: “لم اترك شيئا في أولية الأجيال والدول  وتعاصر الأمم الأول وأسباب التصرف والحول في القرون الخالية والملل وما يعرض في العمران من دولة وملة ومدينة وحلة وعزة وذلة وكثرة وقلة وعلم وصناعة وكسب وإضاعة وأحوال متقلبة مشاعة وبدو وحضر وواقع ومنتظر إلا استوعبت جمله وأوضحت براهينه وعلله فجاء هذا الكتاب فذا بما تضمنه من العلوم الغريبة والحكم المحجوبة القريبة وأنا بعد هذا موقن بالقصور معترف بالعجز عن المضاء في مثل هذا القضاء راغب من أهل اليد البيضاء والمعارف المتسعة الفضاء النظر بعين الانتقاد لا بعين الارتضاء والتغمض لما يعثرون عليه بالإصلاح والإغضاء، فالبضاعة بين أهل العلم مزجاة والاعتراف من اللوم منجاة (13).

إن هذا النص الخلدوني يؤكد على حقيقة بدهية وهي أن حركة الفكر إنما هي إثراء متبادل وحوار خلاق ومن ثمة فالثقافة الفاعلة هي التي تتأسس على معرفة صحيحة ومنظور موضوعي ومنهج علمي وضمن هذا السياق يندرج كتاب ابن الأزرق “بدائع السلك في طبائع الملك”. وقبل الشروع في عرض الأفكار التي تضمنها كتاب  “ابن الأزرق” لا يفوتنا أن نشيد بالجهد العلمي المتميز للمرحوم الدكتور علي سامي النشار سواء في مجال تأصيل الفكر الفلسفي الإسلامي بالتأكيد على أصالة مناهج البحث عند مفكري الإسلام وكذلك بما قام به من تحقيق لبعض كتب التراث النفيسة في مجال الفقه السياسي الإسلامي ومن ضمنها  كتاب  الإشارة في أدب الوزارة للمرادي وكتاب الشهب اللامعة في السياسة النافعة لابن رضوان المتوفى سنة 783 هـ.

إن كتاب  “بدائع السلك في طبائع الملك” يندرج ضمن هذه السلسلة التي حققها الدكتور علي سامي النشار وبذل فيها جهودا علمية صادقة ورصينة تدل حقيقة على علو منزلته بين أعلام الفكر الإسلامي المعاصر.

يقول الدكتور علي سامي النشار في تقديمه لكتاب ابن الأزرق : “إن كتاب “بدائع السلك في طبائع الملك” يعتبر اعظم كتاب في علم الاجتماع السياسي لدى المسلمين، إن مقدمة ابن خلدون لم تكن الا حلقة في سلسلة الفكر الإسلامي المتكامل والتراث الأشعري اليانع.

إن الأفكار التي تطرق  إليها ابن خلدون نجد أصولها لدى من سبقوه من مفكري الإسلام أمثال المسعودي والغزالي والماوردي وغيره من مفكري الاشاعرة..

لقد طبق علماء الإسلام ومفكريه المنهج الاستقرائي الإسلامي الذي نضج من قبل لدى الأصوليين والمتكلمين والفقهاء.

وكانت لابن خلدون براعته المنهجية وأصالته الخاصة ولكن كواحد من المفكرين أو كعضو في أسرة كبيرة تضافرت في أقامة حضارة إسلامية وفكر إسلامي في شتى المجالات.

إن استمرارية المدرسة الاشعرية في علم الاجتماع السياسي في تطبيق المنهج الاستقرائي التجريبي على الظواهر الاجتماعية والسياسية والأخلاقية إنما هو حقيقة مؤكدة..

ثم يضيف بان أبي عبد الله محمد ابن علي المشهور بابن الأزرق صاحب كتاب  “بدائع السلك في طبائع الملك” يعد من اكبر مفكري الإسلام في علم الاجتماع السياسي وكتابه لا يقل في تكامله ومنهجيته عن مقدمة ابن خلدون. وقد خطا بالنظريات السياسية خطوات أوسع ومزج بين نظريات ابن خلدون، ونظريات أخرى لمفكرين مسلمين تخالف اتجاه ابن خلدون السياسي البحت وهو علم الأخلاق السياسي الذي لم يحظ بمكانة واسعة عند ابن خلدون  وذلك من منطلق أن البناء الذهني والبناء الأخلاقي يشكلان الأرضية التي تأسس عليها البناء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. فحاول أن يوفق بين نظريات ابن خلدون، وابن رضوان والطرطوشي…(14).

ويتبدى مما دبجه المحقق حول الكتاب أننا أمام كتاب من أمهات كتب التراث التي تؤصل لعلم الاجتماع  السياسي الإسلامي أو لأصول الفكر السياسي الإسلامي… ولابد لنا هنا من التذكير بأن فلاسفة الإسلام الأوائل كانوا الماهدون في وضع القواعد النظرية لعلم السياسة والنظم والأخلاق.. وقد أطلقوا على علم السياسة العلم المدني وهو تدبير المنزل، والمدينة والدولة، كما انه باعتباره فرعا من فروع  الفلسفة فإنه يعني بالأخلاق والسياسة والتربية المدنية بوجه عام. والعلم المدني كما يقول الفارابي (في إحصاء العلوم) يفحص  أصناف الأفعال والسنن الإرادية وعن الملكات  والسجايا والشيم التي عنها  تكون تلك الأفعال والسنن وعن الغايات التي لأجلها تفعل. وهذا العلم قسمان : قسم نظري  يبحث عن تعويض السعادة، وإحصاء الأفعال الإرادية الكلية  وقسم عملي يشتمل على وجه ترتيب الشيم والسير الفاضلة  في المدن والأمم. ولما كانت مكارم الأخلاق من الدعائم  التي تقوم عليها المعاملات المدنية  في شريعة الإسلام وتعمل العبادات  على تثبيتها في النفوس، فإن العلماء والحكماء أولوها  عناية خاصة .. فمنهم من  اقتصر على استنباط  القوانين الخلقية من أصول الشريعة، وبيان الفضائل التي من شأنها أن تنفع الناس.. أفرادا وجماعات في دنياهم وتمنح لهم سبل النجاة في الآخرة، ومنهم من توسع في ذلك  بتقليب النظر في آراء الفلاسفة والحكماء في الأخلاق والسلوك محاولين التوفيق بينها وأصول الشريعة  وذلك من منطلق اقتناعهم بأن القيم الإنسانية واحدة في جوهرها، وإن اختلفت المناهج  والعادات والعقائد”(15)

إن أبرز ممثل للطائفة الأولى أبو الحسن الماوردي، وأبو محمد  ابن حزم، وهم مع ذلك تأثروا بآراء الفلاسفة ومناهجهم. أما الطائفة الثانية فيمثلها على الخصوص الراغب الاصفهاني وابو الحسن العامري، ومسكويه، وابن خلدون وإن كان انفرد بمنهجه الاجتماعي الذي يربط الأخلاق بتطور العمران البشري (أي بتغير أحوال الاجتماع والاقتصاد والسياسة).

وفي نفس السياق يرى المرحوم الأستاذ الجابري بأنه يجب أن نحرص الفكر الخلدوني في إطاره الأصلي، إطار تجربته، وظروف عصره، وعلى ضوء الثقافة التي غرف منها، إن هذا لا يعني أننا نعتبره فكرا ميتا مقطوع الصلة، باهتماماتنا الراهنة، إن الفكر الخلدوني فكر فلسفي والفكر الفلسفي الأصيل، يتجاوز عصره بمقدار ما هو نتاج هذا العصر نفسه”(16). على ضوء هذه الملاحظات يمكن أن نقرأ كتاب (بدائع السلك في طبائع الملك) من منطلق أن متنه ومضامينه أنها امتداد وتطور لمنازع الفكر العربي الإسلامي، السياسي والاجتماعي…

– 4 –

ولد المؤلف ابن الازرق بمالقة سنة (832هـ – 1427م) وانتقل إلى غرناطة ودرس على اكبر علمائها (النحو والفقه والمنطق والفلسفة). كما حضر مجالس كبار العلماء (سرقسطي احد العلماء الكبار المشهورين بالزهد، ومجلس الخطيب ابي الفرج عبد الله، وقاضي الجماعة ابي عباس احمد بن يحيى، ودرس الادب على الامام محمد بن زكريا بن جبير …) ثم شد الرحال  إلى فاس، وتلمسان، وتونس، ودرس على علمائها ..

ويستشف من هذا الجرد انه درس العلوم الإسلامية التي كانت في عصره ومن المحتمل انه درس مقدمة ابن خلدون في تونس بتوجيه من أساتذته ، كما يتبين من دراسة كتابه، أنه استفاد كثيرا من مقدمة ابن خلدون…

بعد رحلته العلمية عاد الى وطنه وتولى القضاء في مالقة وعينه السلطان ابو الحسن قاضيا للجماعة بغرناطة.

ونظرا لتفشي الفتن واضطراب الأحوال في بلاد المغرب والأندلس سافر إلى مصر، ومنها سافر عبر البحر الى الديار الحجازية لأداء فريضة الحج وبعد الحج عاد الى مصر سنة 896هـ. وفي الثاني من رمضان من نفس السنة عين قاضيا  على القدس التي وصلها في السابع عشر من شوال من نفس السنة، ومارس بها القضاء ولكنه مرض وتوفي يوم الجمعة 17 ذي الحجة سنة 896هـ. هذه نبذة موجزة عن حياة ابن الازرق مؤلف كتاب (بدائع السلك..)

فسيرة الرجل تتلخص في كونه كان شخصية كبيرة من شخصيات الفكر الإسلامي في عصره، كان فقيها وعالما وقاضيا رفيعا… ويرى الدكتور عبد الهادي التازي أن ابن الازرق  لم يكن فقط موظفا في سلك القضاء ولكنه كان رجل  دولة كاتبا للسلطان ووزيرا وسفيرا بعد ذلك ..(17)

وقد أجمعت المصادر أن كتب ابن الازرق ثلاثة:

– كتاب روضة بمنزلة العربية من علوم الإسلام، وقد نقل الونشريسي صاحب المعيار عن هذا الكتاب، كما ذكره ابن الازرق نفسه في كتابه (بدائع المسلك ..) والكتاب يتكلم عن مواضيع متعددة في التراث العربي الإسلامي.

– كتاب شفاء الغليل في شرح  مختصر خليل، وهو في  الفقه المالكي، ويقول المقري صاحب نفح الطيب عن هذا الكتاب “وهذا الشرح لم يؤلف على مختصر خليل مثله، إقناعا ونقلا، وفهما، وقد رأيت منه نحو ثلاثة أسفار ولا ادري هل أتمه أم لا (18)

أما الكتاب الثالث { بدائع السلك في طبائع الملك} ، فقد اجمع  مؤرخو ابن الأزرق  إنه الكتاب الوحيد في علم السياسة يقول عنه المقري : كتاب مفيد في موضوعه لخص فيه كلام ابن خلدون في مقدمة تاريخه مع فوائد كثيرة عليه. ويضيف المقري في أزهار الرياض (وزاد عليه زيادة كبيرة نافعة..)

أما احمد بابا التنبكتي فيسمى الكتاب باسم “بدائع السلك في السياسة السلطانية) ويصفه بأنه كتاب حسن مفيد  في موضوعه لخص فيه كلام ابن خلدون  في مقدمة تاريخه، وغيره،  مع زوائد كثيرة ما يستغنى عنها بوجه.”

والخلاصة التي يتوقف عندها الباحث المدقق  أن ابن الأزرق تأثر بابن خلدون، وعرض للنظريات ابن خلدون  المتعددة واخذ من المقدمة نصوصا وشرحها، ولكنه في نفس الوقت  أضاف إضافات كثيرة، مفيدة ونافعة… والنتيجة أن ابن الأزرق  كان أول شارح لابن خلدون، فقد نظر إلى المقدمة نظرة فاحصة نقدية  فأبان  لنا عن الكثير  من عوائصها وأغنى مصطلحاتها .. كما كشف لنا مصادر ابن خلدون  المتعددة والآراء الكثيرة لمفكرين سبقوا ابن خلدون وكتبوا في نفس النسق السياسي والاجتماعي.

وضح لنا نظريات ابن خلدون عن الدولة والعصبية، أو العصبية والشوكة والعوارض الذانية، وغيرها، مما يؤكد أن ابن الأزرق كانت له عقلية تحليلية وتركيبية استطاعت أن تربط بين النصوص المتشابهة والمختلفة. وأن يضعها في نظام علمي متناسق … (19).

لقد كشف لنا صاحب كتاب  (بدائع السلك..) عن مجموعة من الكتاب في الفقه السياسي الإسلامي، سبقوا ابن خلدون، ومن أهم هؤلاء  صاحب كتاب (الشهب اللامعة في السياسة النافعة) الوزير أبي القاسم بن رضوان المتوفى سنة (783هـ – 1281م)(20).

بعد هذا التقديم ننتقل إلى عرض مضامين الكتاب ومحتوياته، بما يسمح به المقام، إن ما نتوخاه توضيح أن مقاصد المفكرين المسلمين في مختلف العصور هو تجديد مناهج الفكر والنهوض بالأمة.. إن رواد الإصلاح قد أكدوا على حاجة الأمة الإسلامية إلى تجديد تفكيرها  وفكرها الديني، كما الحوا على ضرورة تبني فقها جديدا وعلم كلام جديد، وان نقوم بمحاولة جديدة في مجالات التطبيق  والأساليب الجديدة.

ويقول الشاعر الفيلسوف محمد إقبال: بأن الفقه الإسلامي في حاجة إلى تكوين وبناء جديدين، ونحن في حاجة إلى تدريس شامل للاقتصاد والاجتماع. لأن الأمم الإسلامية المعاصرة في حاجة إلى توسعة في الفكر الديني وتطبيقه…(21)

إن مهمة المفكر المسلم في عالم متغير، أن يتحول من موقع المتلقي  أو المقلد المحاكي  إلى موقع المشارك في صنع الحضارة  فرسالة الفكر أولا وقبل كل شيء  تتجلى في كونها تبث الوعي بالتجديد، وترسخ الإيمان بعقيدة الخلق والابتكار. وضمن هذا السياق يندرج المشروع الخلدوني، ومن الخطأ أن ننظر إلى الفكر الخلدوني في استقلال أو انفصال عن دائرته  الحضارية والثقافية العربية الإسلامية الذي يعتبر امتدادا  وثمرة من ثمارها التي أينعت بفضل جهود مفكري الإسلام  الذين أسسوا لمعرفة تبحث في علم السياسة والاجتماع.

إن التراكم المعرفي هو الذي ساعد ابن خلدون على أن يفلسف التاريخ الإسلامي، وهي محاولة فريدة، حقا لا نجد لها مثيلا في تراثنا العربي الإسلامي .. ومن الضروري لفهم النظريات الخلدونية على حقيقتها، استجلاء الظاهرة الخلدونية بكامل أبعادها…(22)

كما أن فرنزروزنتال Franz Rosenthal الذي أنجز الترجمة الانجليزية للمقدمة سنة 1958 تفوق  الترجمة الفرنسية التي قام بها دي سلان (De Salane) ما بين (1862- 1868) تحت عنوان المعلومات التمهيدية (Prolègoménes). وفي الواقع كانت هذه الترجمة غير أمينة، وبعيدة عن أصول الترجمة العلمية، وهذا ما دفع فنسان مونشاي (Vincent Monteil) بإنجاز ترجمة أخرى بالفرنسية وذلك برعاية اليونيسكو بعنوان : مقالات في التاريخ العام (Discours sur l’histoire universelle)

إن الذي يجب التأكد عليه هو أن روزنتال الذي كان رئيسا لقسم اللغات السامية بجامعة يال الأمريكية، قد قام بمحاولة لتقريب فكر ابن خلدون للأفهام. وذلك بحرصه على الدقة في التحليل والوضوح،  الأمر الذي دفع فنسان مونتاي  إلى القول بأن ترجمة روزتال هي “دوما قريبة من النص وتتضمن شروحا تدخل في باب الدقة..

صدرت ترجمة روزنتال (بعنوان مقدمة أو مدخل إلى التاريخ : Muqaddima on introduction to history  The(23) إن ما هو جدير بالملاحظة أن فكر ابن خلدون انتفع به بعض علماء عصره أمثال المقربزي وابن حجر والسخاوي وغيرهم، إلا أنهم لم يفهموا شيئا كثيرا من فكره وما تضمنه من الجوانب المعرفية العامة والأطر المنهجية، التي شكلت فقهه الاجتماعي الذي يربط كل العوامل بالظاهرات الاجتماعية..

وربما تعود الصعوبة في فهم مضامين المقدمة إلى بنيتها العميقة التي تنطوي – كما يرى الأستاذ ابو يعرب المرزوقي – على إشكال سواء في الوحدة المعنوية أي وحدة العلم الذي تتكلم فيه أو الوحدة المادية أي نسبة ما ورد فيها من مضامين الى مطالبها النظرية، هذا فضلا من بعض التداخل، بين المضامين والأغراض. ومعلوم أن ابن خلدون حدد مبدأ وحدة الموضوع، ومبدأ ترتيب المسائل، ومبدأ وحدة الغاية النظرية التي تسعى لتحقيقها  المصنف، وذلك في فصل  صريح  ختم به الفصل الأول من المقدمة وزاده توكيدا في الخاتمة. كل هذا الأمر البدهي لا يكفي لبداهته لأن المبادئ التي ذكرها ابن خلدون مبادئ مضاعفة بمعنى أن مبدأ  الوحدة المعنوبة لموضوع العلم الجديد هو تصور الإنسان ومسائله مستنتجة من خاصياته بتفصيل معلل تعليلا يؤسس لتبويب المسائل، دون ترتيب ودون أن تكون الخاصيات منسوبة صراحة إلى المقوم النوعي الذي ساد التعريف المعلوم في الفكر الفلسفي المتقدم عليه. أما فيما يتعلق بمبدأ ترتيب المسائل التي يعالجها العلم وهو يتضمن تجانس المسائل الوظيفية في العمران  وجهات تعلقها بما يقيم الوجود الإنساني (الضروري والحاجي والكمالي) مع الإشارة إلى معيار الجمع بين المسائل التي تعالجها.

أما بخصوص مبدأ النظرية الخالصة أي التمييز بين علم العمران لذاته ثم علم العمران بوصفه أداة للنقد التاريخي  أو تصحيح الأخبار، دون الإشارة إلى مطلبين  بحكم ما ورد من العلم في المقدمة .. ويرى الأستاذ المرزوقي بأنه للخروج من إشكالية الوحدة المعنوية أو الوحدة المادية للنص الخلدوني لا بد من الفصل بين مستويات أربعة وتحريرها  من الخلط بين مطالبها حتى ندرك أعماق المشروع الخلدوني

ـ المستوى الأول : تأسيس علمية فن التاريخ بنقله من ظاهرة (أدب)  إلى باطنه (علم) وتأسيسه على العلم الجديد الذي سماه ابن خلدون بعلم العمران البشري والإنساني. والتأسيس  لا ينتسب العلم نفسه بل إلى نظرية مبتكرة والى نظرية من قوة ثانية.

ـ المستوى الثاني: إن النظرية المقصودة من تأليف المقدمة (علم العمران) لذاته أو لتصحيح  الأخبار ومن المنظورين، سواء إتحدا أو اختلفا، وهذا هو العلم الذي يعده ابن خلدون من إبداعه.. الذي لازالت طبيعته مجهولة مما جعل قرائنه من المحدثين يسقطون عليه تسميات حديثة بعضهم يسميه علم الاجتماع وبعضهم بتسمية علم الحضارة وآخرون  يعدونه إرهاصات في فلسفة التاريخ.

ـ المستوى الثالث: هو ما دون النظرية المقصودة بالذات أو النظريات الفرعية التي تتفرع عن علم العمران لتدرس مقوماته المتمايزة رغم التداخل بينها (كعلم الاقتصاد وعلم التربية  وعلم السياسة وعلم الثقافة الرمزية الخ) هذه العلوم الفرعية متعددة  ومن ثم فهي غير العلم الواحد الذي ينتظم عقدها ويحاول ابن خلدون تأسيسه.

ـ المستوى الرابع:  يتعلق بتطبيق هذه العلوم الفرعية في نقد الأخبار وتصحيحها أو تحليل الظاهرات العمرانية وعلاجها أي تطبيق علم العمران على أمثلة تاريخية ولكن ابن خلدون يطبق تارة نظرية العمران ككل على سلوك البدو وسلوك الحضر، مميزا الأخلاق في العمران البدوي والحضري، وتطبيق طورا قوانين الديمغرافية أو قوانين السياسة، فكانت المقدمة متعددة الأغراض مختلفتها، وأذن فهي تحتاج  إلى الفصل بين مستوياتها فصلا دقيقا يمكن من فهم الحبكة النظرية، التي حددت معالم الثورة الفكرية والمعرفية الخلدونية ..

لقد جعل من فن التاريخ الذي هو  الأداة الأساسية في علوم الملة التي تستند كلها إلى العلاج التاريخي، مادة الفكر الذي سيحولها إلى فن  فلسفي دون أن يزعم أنها علم، نظير  الأداة الأساسية في العلوم اليونانية التي تستند كلها، بلا استثناء إلى العلاج المنطقي  التي جعلها ارسطو فنا فلسفيا دون أن يزعم أنها علم.(24)

إن النتيجة التي أريد الوصول إليها، أن ابن الازرق  في كتابه (بدائع السلك في طبائع الملك) كان الشارح الأول لمقدمة ابن خلدون وبالتالي أول من كشف عن ما تتضمنه من قضايا  تعالج الجوانب  السياسية والاجتماعية، وتبحث في القوانين الثابتة للمجتمع. وكذلك العوارض  الطارئة عليه، وبالجملة دراسة الظواهر الاجتماعية بجميع أنساقها و مكوناتها وما يترتب عن جدلية الصراع والتدافع من تحولات على جميع الصعد.

ومن الإنصاف للرجل أن نقر له بأنه كان له قصب السيق في الكشف عن أهمية ما تضمنته مقدمة ابن خلدون من فكر جديد هو علم العمران البشري..

فلا بد للباحث أن يكون مرآة صافية وضاءة، أمنية للموضوع الذي ينكب على دراسته، حتى يكشف للناس، ما وراء الصور ليتعمقوا حقائقها ويعرفوا أقصى  حدود المعرفة ودقائقها.. سواء تعلق الأمر بطبيعة  الموضوع أو بطبيعة العلم، لأن الغاية من البحث هي ان يكون  قادرا على مواصلة المهمة في مسائل علم السياسة المدنية أو علم العمران البشري، ومن هنا تأتي أهمية العمل الذي قام به ابن الازرق في كتاب (بدائع السلك) .

–  5 –

قسم ابن الازرق كتابه تقسيما منهجيا : بدأه بمقدمتين الأولى  عالج فيها  ما يوطن في الملك عقلا. أما المقدمة الثانية فتطرق فيها إلى الأصول الشرعية للملك.. ثم قسم الكتاب إلى كتب أربعة:

– الكتاب الأول في حقيقة الملك والخلافة وسائر أنواع الرياسات

– الكتاب الثاني في أركان الملك وقواعد مبناه ضرورة وكمالا.

– الكتاب الثالث فيما يطالب به السلطان تشييدا لأركان الملك وتأسيسا لقواعده.

– الكتاب الرابع في  عوائق الملك وعوارضه.

ويمكن أن نقارن فهرس كتاب (بدائع السلك..) مع مضمون محتويات مقدمة ابن خلدون:

– الباب الأول في العمران البشري على الجملة.

– الباب الثاني في العمران البدوي والخلافة والمراتب السلطانية

– الباب الثالث في الدول العامة والملك والخلافة والمراتب السلطانية

الباب الخامس في المعاش ووجوهه من المكسب والبضائع

الباب السادس في العلوم والتعليم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه.

أما صاحب الشهب اللامعة في السياسة النافعة فقد قسم كتابه إلى خمسة وعشرين بابا نذكر بعضها من باب الاستئناس.

– الباب الأول في فضل الخلافة وحكمتها.

– الباب الثالث في ذكر العدل وفضله

– الباب السابع في التدبير والرأي والمشاورة

– الباب الحادي عشر في ذكر الوزارة والوزراء.

– الباب الحادي عشر  في ذكر الكتابة والكتاب

– الباب الثالث والعشرون في سياسة الحروب وتدبيرها

– الباب الرابع والعشرون في ذكر الخصال التي فيها فساد الدول ونفور القلوب من الملوك.

إن المتأمل في الأبواب التي قمنا بعرضها أعلاه سوف يتأكد من مدى ترابط حلقات  الفكر لدى المفكرين، مما يؤدي إلى تجدد مناهج  الفكر وأصالة التفكير، التي تؤسس لقواعد  منهج البحث الاجتماعي، لتفسير الظاهرات الاجتماعية من أجل صياغة المجتمع وإعادة بنائه وفق الأطر المعرفية للفكر الإسلامي الذي عرف إلى جانب الدراسات اللغوية والفقهية والكلامية والفلسفية، جانبا، سياسيا واجتماعيا، مازال في حاجة إلى مزيد من بحث ودراسة وفكر ابن خلدون. ونظرياته السياسية والاجتماعية هي استمرار وتتويج لهذا الجانب من الفكر العربي الإسلامي. (25)

إذن إن المسألة التي تناولها ابن الأزرق في كتابه واعتمد فيها على نظريات ابن خلدون وغيره من المفكرين المسلمين الذين بحثوا  في نظام الإمامة والخلافة، سواء من الزاوية الدينية الكلامية أو الفقهية  وقد اتفق  معظم الفقهاء والمتكلمين على ضرورة وجوب قيام  الحكم في المجتمع الإسلامي (الدولة) باعتباره كفاية أي أنه واجب على الأمة كلها.. وقد أكد الفقهاء  والمتكلمون على اختلاف منازعهم ومشاربهم  أن أمر الدين لا يستقيم إلا باستقامة أمور الدنيا.. وهذا كله يتطلب  قيام (سلطان مطاع) بتطبيق الشرع، ويصون المصالح والأموال والأعراض..، ولا يماري العاقل في أن الخلق في حاجة إلى من يضبط الأهواء ويوحد  بين تباين الآراء.. فالسلطان ضروري في نظام  الدنيا كما يرى الإمام الغزالي.. إن إلحاح الغزالي على ضرورة  الشوكة في انعقاد الإمامة يشكل مرحلة جديدة في تطور نظرية أهل السنة في الخلافة.. ثم ستكون النظرية التالية  مباشرة هي نظرية ابن خلدون في العصبية .. (26)

نظرية ابن خلدون في العصبية أراد أن يفسر بها نشوء الدول وتطورها وسقوطها.. ثم انتهى موضوع الفكر السني إلى موضوع الخلافة..

إن البحوث الكلامية والفقهية في مسألة الإمامة حصرت تقنين نظام الحكم في الإسلام في الإطار الشرعي (أي أنها جعلت البحث في مسألة الحكم من اختصاص الفقهاء لا الفكر الفلسفي وقد أدى هذا إلى عدم ظهور فلسفة سياسية رغم اطلاع فلاسفة  الإسلام على جمهورية افلاطون وكتاب السياسة لأرسطو..)

وقد  ألفت رسائل في آداب السياسة والملوك..، دبجها بعض كبار موظفي الدولة.. أصطلح على تسميتها بالآداب السلطانية..

ولم يكن الفقهاء راضين على هذا النوع من “الحكم” أو الآداب السياسية المنقولة  عن حكماء الفرس والهند واليونان.. باعتبار أن آداب الحكم والسياسة  يجب أن يبحث عنها في الشريعة (أي ما يسميه  ابن تمية بالسياسة الشرعية) لقد عرف الفكر السياسي الإسلامي بعد الغزالي تحولا في البحث  سوف يكون مؤلف الطرطوشي (سراج الملوك) الحافز لابن خلدون في التأسيس لنظرياته السياسية والاجتماعية وسيأتي ابن الأزرق ينهج نفس المنهج الذي رسم معالمه ابن خلدون في مقدمته.. لقد تطور الفكر السياسي الإسلامي وذلك بربط السياسة بالتاريخ : كيف تقوم الدول وكيف تنتهي..

هذه المسائل المتعلقة بالفكر السياسي الإسلامي هي التي تناولها كتاب ابن الازرق (بدائع السلك..)، ومن المفيد أن نعرض لنماذج من النظريات التي وردت في المصنف.

يقول المؤلف في فاتحة كتابه: أما بعد من أشهر ما علم عقلا وسمعا وجمع فيه بشروط القبول لبرهانه المقبول جماعا، أن الملك صورة العمران البشرى، وقراره .. ثم يضيف وقد قصدت إلى تلخيص ، ما كتب الناس في الملك والإمارة والسياسة التي رعيها على الإسعاد بصلاح المعاش ، وفقا للقواعد الحكمية الاعتبار والحقائق التي حررها بأوضح الدليل من شبهات التضليل تحار ير العلماء ..، فالسياسة علم  لا يستغني عنه سوقة ولا ملك ولا من نهج به التقويم سبيل الرشد القويم.

في الباب الأول من الكتاب الذي يتناول فيه المؤلف حقيقة الملك و الخلافة، وسائر أنواع الرياسيات..

ويحصر ذلك في بعض المسائل الأولى تتعلق بأن الاجتماع الإنساني لابد فيه من وازع و من سطوة السلطان، وقهره.

المسألة الثانية جباية الأموال وبعث البعوث وحماية الثغور و القاصر عن ذلك ناقص الملك..(ص89)

وفي حقيقة الخلافة يقول بأن المراد أي بالإمامة راجع إلى النيابة عن الشارع في حفظ الدين وسياسة الدنيا ..، طبقا لما يقرره أئمة أصول الفقه..، ويتطرق كذلك إلى مسألة البيعة ..، ويقول بأنها العهد على الطاعة بحسب العرف اللغوي، والمعهود الشرعي، وذلك لأنهم كانوا إذا عقدوا عهد الأمير، جعلوا أيديهم في يده توكيدا للعهد لذلك ( شبه فعل البائع والمشتري) فسمي بيعة، وصارت مصافحة بالأيدي. ومنه بيعة النبي (ص)                     (ص93).

ثم يقول بأن انتقال الخلافة إلى الملك، لابد منه بحسب طبيعة الوجود ( لأن غاية الملك غاية طبيعية للعصبية.) فللخلافة و الملك في الدولة الإسلامية مقامات ثلاثة :

المقام الأول : عند وجود الخلافة بدون الملك، المقام الثاني اختلاطهما و امتزاج الدولة بهما : {عند تدرج البداوة ثم انفراده بالمجد مع مذاهب الدين والجري على نهج الحق إذا تغير لم يظهر إلا في الوازع الديني فقط. } ( ص95).

الباب الثاني  في سبب وجود الملك :وشرطه يحدد سببه وما يقضي إليه في الحرب و القتال { ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض }( البقرة آية 251) من أجل هذا توضع الشرائع ويتم نصب الملوك ..، و يستشهد المؤلف بالإمام فخر الدين الرازي من أكبر الفلاسفة الإسلام و متكلميهم ويستشهدوا كذلك بالطرطوشي .. والأمدى والبيضاوي  وآخرين.. مؤكدا ان قصد الشارع من وضع الشريعة هو مصلحة العباد عاجلا وآجلا ..،ثم احرس وصيانة الدين من محذور تبديله وتغييره فقد تقدم عن { آزد شير.} إن الدين  أس و السلطان حارس وهذا ما قرره الماوردي إنه ما من دين زال سلطانه، إلا بدلت أحكامه وغيرت سننه، كما أن السلطان إذا عري عن الدين كان السلطان قهر ومفسدة دهر.(ص  109)

يتكلم المؤلف في الكتاب الثاني عن الملك وقواعد مبناه ضرورة وكمالا. ومن المسائل الواردة في هذا الفصل يتكلم عن نصب الوزير وهو من لوازم الاضطرار والمشاركة المنوطة به في المراتب السلطانية ثم يقول إن لشرف هذه الرتبة لها آمران أحدهما تعظيمها، والثاني انتخاب من يصلح لها و اختياره، ففي العهود يحتاج من نصب لها إلى كمال في الفضل ورجاحة في المعرفة بعد يعدل بها  ما عسر على الملك حتى يخرج في أحسن صورة، وأكمل الصفات..(ص177) ثم يضيف بأن صلاح السلطان وفساده، لازم عن صلاح الوزير وفساده، وإذا كان صلاح الرعية بصلاح السلطان، وصلاح السلطان يصلح الوزير، فصلاح الرعية بصلاح الوزير ضرورة وكذا في العسكر مستشهدا بمقولة {أفلاطون} طاعة الرعية بسداد وزير الوزارء.(ص179).

أما في ركن إقامة الشريعة ينقل المؤلف عن الحكماء قولهم : { الملك بيت أسه الإيمان وسقفه التقوى ، وأركانه الشرائع وفرشه العدل وأستاره السير المحمودة فإذا قعد فيه الملك إبتهجت به الدنيا وتآلفت  به النفوس وعمرت به البلاد وشمل صلاح العباد .(ص193).

أما في ركن إقامة العدل فينقل المؤلف عن أرسطو بأن العالم بستان سياجه الدولة و الدولة سلطان تحيا به النفوس و السنة سياسة ياسوسها الملك، و الملك نظام يعضه الجند و أعوان يكلفهم بجباية المال . و المال رزق تجمعه الرعية،و الرعية عبيد يكتنفهم العدل و العدل مألوف و به قوام و العالم بستان ساجه الدولة، وهو هكذا متصل بعضه ببعض، ومرتبط به. (ص229)

ثم ينقل عن ابن خلدون قوله العدالة وظيفية دينية تابعة للقضاء، وحقيقتها قيام عن إذن القاضي بالشهادة بين الناس فيما لهم وعليهم، تحملا عند الأداء، وأداء عند التنازع كتابا في السجلات لحفظ الحقوق والمعاملات . ثم ينقل عن ابن رشد { وهي صناعة جليلة شريفة و بضاعة عالية منيفة تحتوي على ضبط أمور الناس على القوانين الشرعية، وحفظ دماء المسلمين وأموالهم، والإطلاع على أسرارهم وأحولهم. ومجالسة الملوك والإطلاع على عياليهم وأمورهم وبغير هذه الصناعة، لا ينال أحد ذلك ولا يسلك هذه المسلك} ويقول ابن خلدون {وشرط هذه الوظيفة الإنصاف بالعدالة الشرعية..}(ص259)

وفي ركن رعاية السياسة يقول المؤلف بان للنظر فيها منهجان أحدهما المعتمد  فيها عقلا والآخر المعنى منها شرعا : أما أحكام الملك بمقتضى الغصب لما كانت مائلة عن الحق، غالبا تحمل صاحبها على ما فوق الطاقة من أغراضه وشهواته إذ ذاك، فتعسر الطاعة، وتخشى المعصية المؤذنة بفساد الاجتماع الإنسان، وجب المرجع، في ذلك إلى قوانين سياسية الوضع يسلكها الكافة، وينقاد لحكمها المفروض.

إن كانت سياسة عقلية نافعة في الدنيا فقط، أو كانت عن الله، بواسطة شارع يشرعها، كانت سياسة دينية نافعة في الدنيا والآخرة إن الحكمة من السياسة العقلية ماروعيت فيه المصالح عموما و مصالح السلطان في استقامة ملكه خصوصا، كالمنقول من ذلك عن الفرس، وقد أغنى الله عنهم بأحكام الملة الإسلامية لاشتمالها على المصالح العامة و الخاصة و اندراج أحكام الملك فيها.

فإذا أهمل العمل بما اشتملت عليه من ذلك فالسياسة العقلية أنفع منها في الدنيا. ويستشهد بمقولة الطرطوشي { إن السلطان الكافر الحافظ لشروط الساسة الاصطلاحية أبقى وأقوى من السلطان المؤمن العدل في نفسه المضيع للسياسة الشرعية، والجور  المرتب أبقى من العدل المهمل، إذ لا أصلح للسلطان من ترتيب الأمور ولا أفسد له من الحكم و لا يقوم سلطان إيمان أو كفر  إلا بعدل نبوي أو ترتيب إصطلاحي (ص292).

إن السياسة التي لسائر ملوك العالم، من مسلم و كافر من هذا النوع العقلي. منها ما يراعي فيه مصلحة السلطان في استقامة ملكه قهرا، و استطالة المصالح العامة بحكم التبع لذلك فقوانينها كما يقول ابن خلدون مجتمعة من أحكام شرعية وآداب خلقية، وقوانين في الاجتماع طبيعية وأشياء من مراعاة الشوكة، والعصبية الضرورية، والإقتداء فيها بالشرع أولا ثم بالحكماء في آدابهم والملوك في سيرهم.(ص292).

أكتفي بهذه الشذرات من كتاب { بدائع السلك في طبائع الملك} لأبي عبد الله  ابن الأزرق  وهي واضحة الدلالة و المعاني تندرج ضمن مناهج الفكر السياسي والاجتماعي الإسلامي الذي أصله ووضعه أسسه وقواعده علماء الإسلام ومفكريه في مختلف العصور، ولا يزال يحتاج إلى مزيد من التطوير والتجديد من أجل السمو والرقي بالحضارة العربية الإسلامية التي حملت مشعل المعرفة والعلم، وحافظت على الحضارة الأوروبية..

وصفوة القول أن الرجل ألف كتابه ضمن منهج القراءة أو التأويل في إطار رؤية  الحاضر في الماضي ورؤية الماضي في الحاضر.

يستخلص من النظر والتبصر والتدبر، زبدة الرأي والعلم، فلا يوجد تاريخ موضوعي للفكر بل إثراء متبادل وحوار خلاق، يثري مذاهب الفكر ويربط حلقاته بعضها ببعض..

– 6 –

يعد هذه التأملات حول كتاب { بدائع السلك ..} لابن الازرق سوف أعرض لكتاب { الأمير } للمفكر و السياسي الشهير نقولو ميكيافلي و يضم كتاب { الأمير } مجمل آراء ميكيافلي السياسية تحدث فيه عن تخلف إيطاليا في التنظيم السياسي و القوة العسكرية..

ولد ميكيافلي في فلورنسا عام 1496 من أسر ة  توسكانية عريقة ولم تكن أسرته موالية لأسرة مديشي الحاكمة .. وكان والده محاميا بارزا ومن غلاة الداعين إلى الجمهورية..

وقد تثقف  ثقافة كغيره من أبناء عصره .. إلا أنه وجد مثله العليا في تاريخ الرومان، كما قرأ الترجمات اللاتينية لمختف الكتب الإغريقية..

شب ميكيافلي في عهد الأمير { لورنزو} الذي شمل برعايته الفنانين والأدباء، وأهل العلم إليه يرجع الفضل في حفظ التوازن بين القوى والوحدات الرئيسية الخمس في إيطاليا وهي مملكة { نابولي، والدولة البابوية في روما، والبندقية وفلورونسة ..} خلال  فترة حكمه بين  { 1469-1492}، إلا أن هذه الوحدات لم تكن دائما مستقرة، فقد كانت في اشتباك دائم مع المدن الصغيرة .. وكان توازن القوي  تبعا لذلك على درجة من التبدل ..

بعد موت لورانزو 1492 اضطر خلفه الخروج إلى  المنفى وظهر الراهب { سافونا رولا} الذي أقام الجمهورية ونجح في إقامة حكومة ثيوقراطية { دينية} ما لبثت أن انهارت فاعدم الراهب وأحرقت جثته عام 1498.

وفي هذه الحقيبة سيظهر { ميكيافلي } سيتم انتخابه سكرتيرا للمستشارية للجمهورية الثانية لفلورنسا فأشرف على الشؤون الدبلوماسية والعسكرية، وكان المخطط الأول للسياسة في هذين الميدانين وبعد أن قضى ثلاثة عشر سنة في الحكم عاد آل ميديشي إلى الحكم واضطر ميكايفلي إلى الخروج منفيا بعيدا عن مدينة فلورنسا معتمدا في إعالته على دخل متواضع يجيئه من ممتلكات صغيرة التي كان يملكها في ضواحي المدينة.

يصف حياته في المنفى في رسالة بعث بها إلى أحد أصدقائه يقول فيها: ما زلت أعيش في الريف منذ خروجي إلى المنفى، استيقظ مبكرا عند الفجر وأمضى إلى الغابة الصغيرة لأرى ما قام به الحطابون من العمل،  وعندما يحل المساء أعود إلى البيت اخلع الملابس الريفية، وألبس ملابس البلاط، والتشريعات  حيث أبدو في صورة أنيقة  ثم أدخل المكتبة لأكون في صحبة هؤلاء الرجال الذين يملئون كتبها : فقابلوني بالترحاب، وأتغذى على ذلك الغذاء الذي هو في الحقيقة ما أعيش عليه، والذي جعل مني  الإنسان الذي هو أنا. وفي وسعي أن أتحدث  إليهم وأوجه إليهم الأسئلة عن أسباب أعمالهم، فيتلطفون علي بالإجابة. إنني لم أعد أخشى الموت أو العوز .. وقد تمكنت بالملاحظات التي دونتها من أن أضع  كتابا صغيرا أسميته { الأمير.}(28)

إن ميكيافلي يعتقد أنه مهيأ في الدنيا لعمل جليل من جلائل الأعمال،  كان صادق الفراسة في الناس، ولكنه لا يعلم كيف يروضهم على ما يريد أو يتوسل إليهم بوسائل الإقناع والقبول، فلم يبق له إلا أن يؤلف في السياسة.

فقد اعتنى بالسياسة عمليا ونظريا، وتركز مذهبه حول ضرورة النجاح السياسي بالمحافظة على السلطة والاستمرار على سدة الحكم..

وبعد أن أنهى حكم { آل مديشي } طموحه السياسي وأبعده عن العمل السياسي الإيجابي، قرر أن يوجه السياسة بكيفية غير مباشرة، فتعاطى لدراسة تاريخ روما لكي يستخرج منه دروسا في فن السياسة وعلم كتابة التاريخ فألف كتابه {الأمير} وتاريخ فلورانسا، والأطاريح  وفن الحرب.. (29)

والشيء الأكيد أن كتاب الأمير، وزع على شكل مخطوط، ولكنه لم يطبع إلا بعد خمس سنوات، من وفاة ميكيافلي  أي أنه طبع سنة 1532.

وقد جعل من قيصر يورجيا بطلا مدخرا لإنقاذ الوطن { إيطاليا} وكان قيصر يورجيا يتفكه بدهاء ميكيافلي السياسي فخصص له ميكيافلي الفصل السابع عشر من الكتاب.

إن هذا القيصر الذي إعتبره ميكيافلي بطلا كان يسعى بتأييد  من والده البابا الكسندر السادس على إقامة دولة سياسية قوية وكان ميكيافلي يرى بأن هذه الدولة إذا ما حالفها حسن الطالع ستكون نواة لإيطاليا الجديدة .. وقد ارتكب قيصر بورجيا جرائم فظيعة من أجل الوصول إلى السلطة..

لهذه الأسباب لم يترك كتاب { الأمير}  أثرا بارزا في حياة إيطاليا السياسية،  وقد وضع الكتاب في القائمة الممنوعة عام 1559. كما قررت محاكم التفتيش منع جميع كتب ميكيافلي.

وأصبح اسم الرجل علما على  سياسة الغش والغيلة والقسوة والدسيسة والتماس النجاح بكل وسيلة .. وتعود شهرته  إلى ما تضمنه كتابه {الأمير}  من وصايا..

أما ما كان يطمح إليه هو توحيد إيطاليا وجعلها دولة قوية سياسيا وعسكريا.

ومذهب ميكيافلي السياسي المفصل في كتبه التي سبق أن أشرنا إليها، ويتضمن كتاب الأمير خلاصة لأفكاره وملاحظاته وتصوراته وطموحاته الشخصية. كما ينطوي على المرارة التي نجمت عن فشله في التجربة السياسية.

يقول في مقدمة الكتاب: إلى لورانزو العظيم { جرت عادة الناس الذين يرغبون في كسب ود الأمير على محاولة هذا الكسب بتقديم الهدايا التي من الأشياء التي يعتقدون بغلاء ثمنها أو تلك التي يعرفون محبة الأمير لها .. ولما كنت راغبا في أن أقدم لسموكم دليلا متواضعا على ولائي، لم أعثر في ما أملكه على شيء أعتز به أو أقدره، تقديرا فائقا كمعرفتي بجلائل الأعمال التي قام بها الرجال العظام وهي المعرفة التي حصلت عليها، بعد تجربة طويلة وخبرة الأحداث المعاصرة ودراسة لوقائع الماضي .. وقد تمكنت بعد طويل جد وكد من التأمل والاستقصاء في أعمال العظماء وتوصلت إلى نتائج أقدمها إلى سموكم ضمن إطار مجلد  صغير..

لم أحاول أن أزوق كتابي بجمل طويلة ولا بالزخارف اللفظية ولا بالحلي الجذابة المصطنعة التي يلجأ إليها الكثير من الكتاب لتنميق مؤلفاتهم. لأنني لا أطلب مجدا لكتابي أكثر مما يستحقه بفضل جدة موضوعه ورزانته..

ثم يقول فإذا تلطفت  فاتبعت ما في هذا الكتاب فستدركون  أن رغبتي العارمة تقوم  في أن أراكم تصلون إلى تلك العظمة التي تؤهلكم لها مواهبكم الشخصية وسعد طالعكم. وإذا تكرمتم سموكم فتطلعتم من سامق عليائكم إلى هذه البقعة المتواضعة التي أقيم فيها. فستدركون الآلام العظيمة التي لا استحقها و التي شاء سوء الطالع الشرير أن يلحقها بي}(30).

إن أهم الخلاصات التي يطرحها ميكيافلي في كتابه الأمير يمكن إجمالها في أن السياسة هي فن حكم البشر وبعبارة أخرى تربية أهوائهم وأنانيتهم وتحديد مصالحهم وفقا لمقتضيات نظام عام.

لقد توصل من خلال استقرائه لأحداث التاريخ إلى بعض الحقائق التي اعتبرها لصيقة بالطبيعة البشرية، لا تتغير أبدا على مدى  الأزمان وبنى عليها أحكامه القطعية : ( فالبشر أشرار خبثاء يتمسكون بالمصالح المادية أكثر من أي شيء آخر.. وهم على استعداد لتغيير عواطفهم و أهوائهم  وشهواتهم لا تشبع، ومطامحهم لا تقف عند حد، مولعون بالتقليد والمحاكاة، والاقتداء بالسلطان. وبالتالي فإن طبيعة الإنسان الشرير لا يمكن تقويمها إلا بإعادة صياغة السلوك الإنساني وتهذيبه وإصلاحه .. وذلك بفضل القيادة الماكرة و التنظيم الاجتماعي المحكم وكان يرى أيضا بأن القوانين والدساتير عاجزة عن إصلاح الفساد الخلقي، إذا حل في نظام سياسي .. وبالتالي فإن كانت السياسة في نظر مكيافيلي هي تحقيق المصلحة العامة ( الأمن و الرفاهية الجماعية) فإن ذلك يقتضي الوصول إلى السلطة وبالقوة والتسلط والرهبة والأبهة و الاقتدار، ومن ضرورات السلطة التظاهر بالقوة و الفضيلة لأن الظاهر يؤثر في نفوس العوام ..(31).

فالعبرة بتحقيق النجاح وحده أي المنفعة .. لامحل للإحتكام إلى المبادئ الأخلاقية في تقويم الأفعال السياسية، فالقاعدة العامة التي تقوم عليها هي السطوة و الأبهة.

ويرى أيضا بأن وفاء الشعوب أوثق  من وفاء الأمراء، وأن الملك الحق من يحبه رعاياه ويهابونه ولا يرتاب فيه رعاياه ويمقتونه. والعبرة التي يستخلصها ميكيافيلي من التاريخ الروماني أن الجمهورية تصلح، ما بقيت قوية، متوازنة الأركان لا تبغي فيها طبقة على طبقة، فإذا تضعضعت وأذنت بالزوال فإن حكم الدكتاتور، يكون خير حاكم يتعهد الوطن. وخلاصة مذهب مكيافيلي في الحكم تتمثل في الحكومة التي تسقط أمراء الإقطاع. وتنهض بالطبقة الوسطى، وتؤمن الشعب على حريته ومعيشته، وتنضوي على حاكم قوي يمزج بين دهاء الثعالب وجرأة الأسود..(32).

وبالمقارنة مع كتاب السياسة لأرسطو الذي استهله بقوله: لما كانت الدولة كل دولة نوعا من المشاركة. وكانت كل مشاركة تتم للوصول إلى نفع وخير.. إذ من المفروض أن الخير هو نهاية كل عمل .. وبالنظر إلى أن الخير هدف جميع المشاركات فإن الخير الأسمى في أرفع رتبه وهو هدف تلك المشاركات السامية التي تضم كل ما عداها أي الدولة أو المشاركة السياسية.(33) .

ومن ثمة لا بد من شروط ثلاثة  يجب أن تتوفر في كل من يملكون السلطة، المطلقة في الدولة وهي :

–         الإخلاص لنظام الدولة

–         الكفاءة لأداء مهام وظائفهم

–         الفضيلة والعدالة في المعنى الذي يتفق مع نظام الدولة.. إن خير سبيل للمحافظة على نظام الدولة في رأي أرسطو تعليم المواطنين على روحية الدولة، وبدون هذا التعليم تغدو أحسن القوانين وأكثرها حكمة غير مجدية: (34).

–         وقد قلت في كتابي ( فصول في الفكر والسياسة والاجتماع) :

–         بأن الفكر السياسي انشغل بوقائع المجال السياسي، وقضاياه وتجلياته المختلفة، وذلك منذ آن وجد للحكم فلسفة ومذاهب، تشرح قواعده، ونظرياته.

–         لا نكاد نجد فيلسوفا واحد ذا شأن، إلا وضع نظرية في السياسة وأصول الحكم، وفن تدبير شؤون الدولة والمجتمعات وعرض { رأيه في النظام الاجتماعي والسياسي لعصره، ومبادئ الحكم العادل، والتنظيم المناسب لشؤون الجماعة وحقوق المحكومين..} (35).

–         ويقول الشيخ عبد الرحمن، الكواكبي صاحب كتاب { طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد } لقد وجد في كل الأمم المترقية علماء سياسيون تكلموا في فنون السياسة ومباحثها استطرادا في مدونات الأديان أو الحقوق أو التاريخ أو الأخلاق أو الآداب. ولا نعرف للأقدمين كتب متخصصة في السياسة لغير مؤسسي الجمهوريات في الرومان واليونان، وإنما لبعضهم مؤلفات سياسية أخلاقية ككليلة ودمنة ورسائل غوريغوريوس ومحررات دينية سياسية كنهج البلاغة وكتاب الخراج.

–         أما في القرون المتوسطة فلا تؤثر أبحاث مفصلة في هذا الفن لغير علماء الإسلام فهم ألفوا فيه ممزوجا بالأخلاق كالرازي، والطوسي، والغزالي، والعلائي أو ممزوجا بالتاريخ كطريقة ابن خلدون ..(36)

– 7 –

لعلي أطلت بعض الشيء وأرجو أن لا أكون خرجت عن الغرض إن الغاية من هذا العرض تكمن في إبراز حقيقة لا يمارى فيها إلا جاحد أو جاهل هي أن للفكر العربي الإسلامي أصالته وإبداعه ويجب أن ينظر إليه في شموليته، و لا يفهم إلا إذا فحصت أجزاءه وربطت بعضها ببعض حتى نستطيع إدراك سماته الخاصة. وقد اعتمدت مقاربة قدمت فيها جملة من الأطروحات و الرؤى و الأفكار تحدد الشخصية الثقافية والحضارية، ونظامها المعرفي والقيمي الذي ترجع إليه لإبراز خصائصها وسماتها وفعالياتها في إنتاج المفاهيم، والأفكار والأشياء والقيم.

أما المفارقة الكبرى التي يجب أن ننتبه إليها، تتمثل في أن العالم الحديث تسيطر عليه حضارة الأشياء وتهيمن عليه ثقافة التقنيات التي  كبلت الإرادات وطمست الضمائر فأصبح الإنسان يعيش في وهم أنه يتوهم [ أنه حر ] يحسب الظلال صورا للحقائق، كما هو الشأن في كهف إفلاطون أي أنه  يعيش في عالم افتراضي، وبالتالي فإنه لا يفقد حريته فقط بل أنه يفقد في نفس الآن إنسانيته. وهذا هو الخطر الذي تمثله سيطرة حضارة الأشياء على البشر.

وهناك من ناحية ثانية حضارة الأفكار والقيم التي تحرر الإنسان وتجعله عضوا فاعلا في الكون له رسالة يؤديها وفقا لنظام الكون الذي هو من تدبير حكمه الوجود العليا التي تدين لها كل الموجودات.

وغني عن البيان أن من دان بعالم لا قداسة فيه، من أين تأتيه المهابة ومن أين يأتيه الاحترام؟

وما من شيء يجعل من الدين معنى إن لم تكن النفس الإنسانية ذات معنى وذات قيمة وذات علاقة أصيلة بهذا الوجود اجمع.

فليس الخلاف إذن بين دين أو مذهب أو فلسفة، إنما المسألة في جوهرها تتعلق بمعنى الحياة، فحضارة الأشياء فارغة من المعنى ولو اختصر هذا المعنى في مخترعاتها المتطورة أو أباطيلها الإيديولوجية المزجاة. إنما تصدق الأسماء حيث تصدق الصفات والأعمال، أي الربط بين الإيمان والعمل والعلم. فالإيمان تصديق وعلم وعمل، ودليل الأعمال أكثر من أن يحصى في آيات الذكر الحكيم: يقول تعالى : [وان ليس للانسان الا ما سعى]

–         [ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا]

–         [ إن الذين ىمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها حولا]

–         [ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا]

–         [ ويقول الإمام الغزالي: لو قرأت العلم مائة سنة وجمعت ألف كتاب لا تكون مستعدا لرحمة الله تعالى إلا بالعمل].

ومن نافلة القول أن الباحث المدقق الذي يدرس أسس التطور في الإسلام لابد أن ينعم النظر في عمق وسعة الى الصورة العامة للإسلام وسوف يتضح له “ان هذا الإسلام بما هو نظلم اجتماعي عملي يحمل أسسا للتطور تهيئه لذلك وتعده لتحقيقه في يسر ودون مصادمة لشيء من تطور الدنيا حوله نظريا وعمليا، ذلك التطور الذي يمضي متوثبا جريئا لأنه الواقع الذي لا مفر منه ولا محيدة عنه” (37).

على ضوء الملاحظات السالفة فإن القصد مما تضمنه مقالنا من أفكار وآراء يندرج في إطار الاستقصاء والبيان بحثا عن المعنى الكامل في روح وجوهر التراث الإنساني..

والذي تلخصه مقولة أستاذنا العقاد رحمه الله التي جاء فيها:

{ قد تختصم القوة الصغيرة والحق الصغير، ويختلف الجمال المحدود والحق المحدود، ولكن القوة الكبرى والحق الأكبر لا يختصمان والجمال الشامل والحق  الخالد  لا يختلفان. على أنه لا حق وراء هذه الحدود، ينفرد عن قوة ولا جمال ولكنها كلها عناوين شتى بصورة واحدة : هي القدرة التي يبدأ منها كل شيء وإليها يعود.}.

الهــوامش

1)    أحمد بابانا العلوي فصول في الفكر والسياسة والاجتماع –ط1-2008-ص29-30}

2)   البرت حورا ني الإسلام في الفكر الأوربي – ط1-مؤسسة نوفل 1994 ص.9

3)   المصدر السابق – ص 19

4)   المصدر السابق – ص 23

5)   المصدر السابق – ص 48

6)   عباس محمود العقاد / أثر العرب في الحضارة الأوروبية/ ط8.دار المعارف /ص29

7)   عباس محمود العقاد / الإنسان في القرآن –ص34-35

8)   المصدر السابق ص 17

9)   عباس محمود العقاد / الفلسفة القرآنية –دار الهلال .ص 13

10) الإسلام و الفلسفة و العلوم – منشورات اليونسكو/ 1981/1

11) د. محمد فتحي عثمان / من أصول الفكر السياسي الإسلامي/ مؤسسة الرسالة1979- ص 223.

12) ديوان محمد إقبال – ط1- اعداد سيد عبد الماجد الغوري /ذ1/2003/ص103

13) مقدمة ابن خلدون – تحقيق علي عبد الواحد وافي  في /ج1 الطبعة الثالثة –نهضة مصر –ص287

14) أبو عبد الله ابن الأزرق/ بدائع السلك في طبائع الملك / تحقيق د. علي سامي النشار –ج1-ط1  2006-بتصرف ص5-6.

15)  محمد العربي الخطابي / موسوعة الثران الفكري العربي الإسلامي ط1-دار الغرب الإسلامي / ط1 -1998/ص42-43

16) د.محمد عابد الجابري/ فكر ابن خلدون العصبية والدولة .. / مركز الدراسات الوحدة العريبة /ط8/2008/ص10

17)  عبد الهادي التازي- دعوة الحق، العدد السابع السنة العاشرة

18)  بدائع السلك – المصدر السابق- ص 19

19)  المصدر السابق –ص21-22

20)  سوف نخصص إنشاء الله دراسة خاصة عن أصول الفكر السياسي عند مفكري الإسلام.

21) جاويد إقبال : النهر الخالد – كتاب عن حياة شاعر الشرق و الإسلام محمد إقبال ترجمة ظهور أحمد أظهر- المجلس الأعلى للثقافة – 2005/ ص 118-119

22)  دا محمد عابد الجابري مصدر سابق –ص11

23) عبد الغنى مغربي الفكر الاجتماعي عند ابن خلدون، ترجمة محمد شريف دالي حسين المؤسسة الوطنية للكتاب  الجزائر-1986-ص32-34

24) ابو يعرب المرزوقي- وحدة المقدمة  وبنيتها العميقة- مجلة إسلامية المعرفة السنة الثالثة عدد 50/ خريف 1428 هـ -2007م.

25) د.محمد عابد الجابرى مصدر سابق- ص132

26)  نفس المرجع-ص134

27) مكيا فيلي-  كتاب الأمير ترجمة –خيرى .حماد-ط3-ص20

28) نفس المصدر -22

29) فصول في الفكر و السياسة والاجتماع مصدر سبق ذكره ص22

30) كتاب الأمير – مرجع سابق ص52-53

31)  كتاب فصول في الفكر و السياسة والاجتماع مصدر سابق ص23

32) عباس محمود العقاد – فلاسفة الحكم في العصر الحديث / ص24

33) كتاب الأمير – مرجع سابق ص27

34) المرجع السابق ص21

35) فصول في الفكر و السياسة .. مرجع سبق ذكره-ص14-15

36) الرحالة-ك- طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد –دراسة وتحقيق- د.محمد جمال طمان-الناشر- الأوائل – ط 1 -2003 ، ص 45-46

37) الشيخ امين الخولي، المجددون في الاسلام   ص 29.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق