ثقافة المقال

جماليّة الشعر كما أفهمها

ابراهيم مالك *

لا ينحسر الجمال الفني فقط فيما هو محسوس ، أي فيما نتلمّسه بأحاسيسنا ، بل يتجاوزه الى ما هو مُدْرَكٌ ومتخيّل ،
والفهم الفني الجمالي متغير ومتطوّر كما هي الحياة .

الجميل في الأدب والشعر ، خاصَّةً ، هو ما يطرح قضايا إنسانية وحوارًا هامسًا ، صارخًا ، عاشِقًا وغَرِدًا مع التجليات الحياتية والطبيعية ، قد تبدو لأول وهلة ذاتية وشخصيّة فردية ، إلّا أن الكاتب يفلح في إطلاق التجربة الشخصية أو البوح الشخصي الى فضاء العمومية ، فضاء عالمه .
لا أظن أن الرُّقيّ التكنولوجي ، الذي هو أحد أسس الحضارة الوهمية السائدة اليوم ، وهي أنجلو امريكية ، ألمانية ، فرنسية وإيطالية ، هو شرط للإبداع الأدبي ، خاصة الشعري ، وشرطٌ التحليق به .
الحقيقة، التي أنطلق منها في نظري ، هي أن شعوبنا العربية الإسلامية الشرقية والمغربية في الشمال الإفريقي ، تعيش على هامش هذه الحضارة راهنا ، تعيش على الهامش كمجتمعات ، وقد باتت شرائحها الاجتماعية المُهيمنة وليدَ هذه الحضارة الوهمية وعبيدَها . أقول ذلك وإن كنتُ أدرك أن لا علاقة لذلك بثقافة أفرادٍ كثيرين وبإبداعاتهم الأدبيّة أو الفنيّة في عالمنا العربي الاسلامي . وهذه المجتمعات ، التي وُلِدتُ وكبرتُ فيها وسأبقى ما حييتُ أحد أبنائها وإن كنتُ أفخر بانتمائي الإنساني العالمي ، مُجتمعاتنا تتمتّع بموروث ثقافي عميق الجذور يعيش في ذاكرة ووجدان أفرادٍ كثيرين وفي أكثر من بلد .
وعلى هذا الموروث الثقافي الجميل الانساني يدور صراع ، فثمَّة من يحاول محو هذا الموروث الثقافي ، كي تبقى ثقافته هي السائدة والمعروفة .
وعلَّمَتْني التجربة ، تجربة الكتابة ، القراءة والتوسُّع الفكري وتجدُّدِه ، ضرورة ان اتجاوز هذا الموروث ـ موروث مجتمعاتي ـ بالتحليق في مخيّلتي وذاتِيَ العاقلة ،المُدْرِكَة والمُفَتِّشَة عن عالميّةٍ اوسع وذاتٍ تتمتّعُ بالبحث الدائم عمَا هو جميل حقًّا ومُجَدِّد والتَّمَنّي بأن يَظَلَّ هذا الموروث الثقافي جزءً رائعًا من بحر الثقافة الإنسانية الواسع والأشبه بمحيطٍ رحبٍ تَصُبُّ فيه أنهارُ وَوِدْيانُ ثقافاتٍ غير مُحَدَّدة زمانًا ومكانًا . وتجاوُزُ موروثنا الثقافي لا يعني أبدا محوه أو نسيانه ، بل الانطلاق منه بأكثر ما كان للتوسع الفكري الأدبي الثقافي والإسهام ـ عقلا وعملا بنهضة مجتمعاتنا المحلية والعالمية لتحقيق أنسنتها وزيادتها .
وأحاول جاهدًا من خلال ثقافتي وتجربتي الاستفادة من الموروث الثقافي المحلي والعالمي ومن لغتي ولغات أخرى قد أعرفها ، فأطِلُّ قدر الامكان على قريتي الأكبر، العالم المتنوع وأرجو ألاّ يُفهم على الاطلاق أنَّ ما أقوله هو إساءة للمجتمعات العربية الإسلامية ، إنما هو تعبير عن الحب الحزين والمُفرح لشعوبنا وثقافاتها ، فما أقوله هو نوع من الغيرة الحزينة المُفرِحَة .
وبِتُّ أحمي عقلي من هذه الحالة الحزينة والموجعة الراهنة باستحضار الأساطير القديمة ، الحكايات الشعبية القديمة واناشيد الرعاة وروائع عديدة ، وباستحضار روائع الشعر قبل النّهضة الإسلامية الرائعة ، التي يحاول بعض ناس عالمنا وحتّى بعض ناسنا تشويه هذه النهضة التي لا يمكن أن أنسى بعض تجلياتها الفكرية المفرحة :
” علَّم الإنسان بالقلم … ، ” ـ
عَلّمً إنسانه وإنساننا بالقلم ” لا بالسيف
ووسَّعَ عِلْمَه ومعرِفَـتَهُ … وأوصى رَبُّ هذه الثقافة الأكرم
” جادِلْهُم بالتي هي أحسن ” … ، وليس بالتي هي أخشَن .
تلك الروائع التي أشرت إليها تزيدني قناعة بأن الحالة الشعرية هي حالة إنسانية متوترة ومشحونة وحاضرة فينا أبدا منذ بدأ الانسان يشعل فكره ، يتأمل ويتخيل ويفكر، فالحالة الشعرية هي جزء من التكوين النفسيّ لهذا الإنسان الشاعري المبدع والقادر على التّجلي والتحليق فوق الأشياء العادية المألوفة والتقاط اللحظة الشعرية بعد رصدها ومعايشتها في أي زمان وأي مكان .
ولماذا أذهب بعيدا من حيثُ الزمان والمكان ، فشعوب كثيرة مثل شعوبنا وفي مستواها الاجتماعي ان لم تكن أقلّ أعطت الانسانية قبل زمن قريب نسبيا مبدعين في النص الكتابي الشعري والقصصي والروائي والفكري والمسرحي والفنون التشكيليّة المختلفة .
ولم تكن ظروف معيشتها ، أمس القريب حقًا ، أفضل من ظروف معيشتنا اليوم .
حين قلتُ إنَّ شعوبنا تعيش على هامش الحضارات الوهميَّة كمجتمعات وليس كأفراد ، استثنيت الأفراد ، ولم يكن ذلك مصادفة ، فذلك لقناعتي أنَّ الحالة الشعرية والحالة الإبداعيّة ، عامة ، هي وليد حالات فردية مُتأثرة ومُنْشَغِلة بأسئلة حياتية ، بَدَأتْ تنطَرِحُ في بيئةٍ مُحَدَدَةٍ زمانًا ومكانًا . فالإبداع كان على مرّ الأجيال وتبَدُّل الزمن وتغيُّره الدائم ، كانَ فرديًا دوْمًا. ولا يغيّرُ في هذه الحقيقة شبه البديهية كونه تجليا للموروث الإنساني الثقافي المشبع بالتجربة الحياتية الشخصية والعامة ، المحلية والعالميّة ، وانعكاسا للذات الفرديّة والجمعية . وهذا الانعكاس هو بوح هذه الذات .
فالإبداع في حقيقته فرديٌّ ونادرًا جدّا ما كان جمعيا .
والذات المبدعة الفرديّة هي ذات متمرّدة وكاسرة للأنماط والقيود والمُسَلّمات . وهذا ما يجعلني أعتبر الشعر يتعارض والمألوف . فهو مستفزٌّ ومثيرٌ في حقيقته ولا يمكن أن يكون مألوفا ، أو أن يصير مألوفا ، بل يجب أن يحافظ على عنصر الدهشة المُفاجئ .
وجماليّة الشعر تكمن في الخروج الجميل على كل مألوف ، على كلِّ تقليدٍ وفي استحداث مواضيع جديدة ، صور وأفكار وموسيقى شعريّة جديدة . إنَّ هذا الاستحداث هو ما يُحدِثُ الصدمة المفرحة والموجعة في القارئ . فالشعر يجمل به أن يكون ثورة بمعنى رفض القبول بما هو قائم ، لا أعني الثورة السِّياسِيَّة ، أعني ثورة عقلية ترفض البقاء لِما وَمَنْ لا ضرورة حياة إنسانية جامعة لَهُ .
علَّمَتْني تجربتي في الكتابة والقراءة أن أنزعَ دائمًا إلى الرؤية الشمولية ، التي تحدَّث عنها الكاتب والشاعر المكسيكي ، أوكتافيو بات ، في كتابه ” قوس وقيثارة ” ، وخلص إلى ” أنَّ الشعر، ضِمْنَ أمور أخرى ، يشكل ثورة” .
واذا كان الشعر ثورة ، ثورة حسّية لا سياسية ، فإنّ الشعر الحر ، شعر النثر ، ومن قبله شعر التفعيلة ، هو في الحقيقة تثوير للشعر ، انسجام مع جوهره وحقيقته . إنّه ارتقاء بالحالة الشعرية الى فضاءٍ موحٍ ومتجددٍ . وكم أفرحتني كتابة الأديب السعودي الرائع عبد الله الغذامي عن التثوير الذي حدث بالنسبة للشعر العربي حين تطرَّق لظهور شعر التفعيلة , خاصَّةً شعر نازك الملائكة في العراق وأذكر بهذه الخصوصيَّة الشاعر بدر شاكر السَّياب ،
فيصير المهم في نظري ماذا تكتب ؟
وبايّ صور واستعارات وفنّيّة ترفد النهر الذي يتفجّر داخلك .
وأعتقد جازمٍا ان الشعرَ الجَيِّدَ يصْعُبُ أن يكونَ مُحافِظًا .
وأعني هنا وجوب توفِّر القدرة على تجاوز الواقع المعاش في لحظة وخلقِ واقِعٍ آخرَ مُختلِفٍ وَمُتَخَيّلٍ ، واقعٍ مُغايرٍ لما كنّا فيه ، نتخيّله ونكتبُ عنه .
والشعر ، كما أفهمه ، يمكن أن يكون أحد وسائل التثقيف الإنساني ـ الفكري والاجتماعي ووسائل التواصل الحضاري في مجتمعاتنا ، ومن شأنه هو وغيره من الآداب الجميلة ذات الملامح والكتابات الإنسانية ، من شأنه أن يعجَّلَ مسارَ تَجَدُّد مجتمعاتنا والانطلاق الدائم نحو ما هو وأرقى عقلا وحياة اجتماعية .
لا أظنّ أن فكرة “شيطان الشعر ” نشأت في فراغ ، مجرد وهمٍ أو غيبيّات بدائيّة . كان ثمّة إدراك غيرَ واع لنفس الشاعر وغير مُفسّر لحقيقةِ أنَّ الشاعرَ يحتاجُ إلى اللحظة التي يتجاوز فيها واقِعَهُ إلى واقِعٍ آخر يستدعيه ، لنقل يستحضره ، ويعيشه فيكتب عنه ، قد يتمازجُ الواقعان ، المُعاشُ والمُتَخَيَّل ، في ذِهْنِ الشاعر ليحلَّ مكانهما واقع جديد هو خُلاصُ تجربة حياة.
يجدر بالشعر أن يكون ثورةً في الألفاظ المنتقاة والصُّوَرِ والمضامين والموسيقى وفي الفكر الذي ينبض به العقل بوحا واضحًا ، أي أن يكون مُجَدِّدًا ونقيض ما هوَ مألوفٍ .
الشعر ، وان يكن عصيّا على ان نحدِّد ماهيته ، فما نفعله هو مقاربة تحديدها ومحاولة تلمسها والكشف المدرك لتنوعه وكثرة تجلّياته وموضوعاته ، كما أظنّ ، هو هذه القدرة ، التي يمتلكها قلّة ولا تتوفّر الاّ لقليلين منّا ، إن الشاعر يعيش تناقضا دائمًا ، أجرؤ وأقول نوعًا من الازدواجية ، هي جزء من شخصه ومن تكوينه النفسي . وأعني بذلك هذين الواقعين اللذين يعيشهما ، الواقع المعاش أي حبه لزوجته ، او لنقل امرأة محدّدة ولناسه ، والواقع المتخيّل ، الذي قد يعني حُبًا آخر ، واقعا أو متخيّلا” .
ما اصطلح عليه قديما : ” شيطان الشعر ” ،
نرى بعده الشاعر يبحث عن كل هذا في واقعه المتخيّل .
ما اود أنَّ أقوله انَّ ما اسميه “بشيطان الشعر ” ، او ما أسماه أحد أصدقائي قلقي الشعري الدائم ، يعيش فيّ دائِمًا ، مُختبِأً هناكَ في مكانٍ يقعُ بين الذهن المُتيقظِ أبدًا وبين الذاكرة ، يوقظه هذا الاجتياز التخيّلي من الواقع المُعاشِ إلى الواقع المتخيّل .
في هذه الحالة ، ” شيطان الشعر ” هو واقع متخيّل، يفِدُ ، بخفّةٍ وعنفٍ أحيانًا ، حين يشعر الشاعِرُ أنَّهُ سيتجاوَزُ واقعه المعاش . والخيال ، هذه السِّمَةُ الفريدة للعقل – لا يمكِنُ ان يتحقّق خارج واقعنا ، انه واقعنا المتخيل والذي نصوغه شعرًا .
وان كنت اعتقد أن الشاعِرَ الحقيقي هُوَ أشبَهُ بفيلسوفٍ عاشِقٍ ، إلّا انّهُ يبقى طفلًا وان يكن واعيا ، وأكثر ما يحتاجه ويتطلّع اليهِ هذا الطِّفلُ الواعي هو دفق الحبِّ ،هو هذا الحنان ، بل هي هذه اللَّمْسَةُ الإنسانية الرَّحيمة وهذه الراحة النفسية الذي يُوَفِّرُه ما يحيط بنا من تجلُّياتٍ طبيعية .
لا يستطيع الشاعر العيش الاّ اذا كان يتنفّس حُبًّا .
يقول الكاتب البريطاني ،كولن ويلسون ، في كتابه عن ” الصوفيّة والشعر ” ما معناه أن ما ندعوه بالوحي الشعري ، الشبيه بشيطانِ الشعر ،لا يهبط على الشاعر ، انما العكس . فالشاعر هو الذي يهبط على الوحيِ الشعري . انّه يعيش حياة عاديّة ، هي واقعه المعاش بكل تفاصيله ، ولكنه في لحظةٍ معيّنة يجدُ نفسَهُ يتجاوَزُ هذا الواقع بخفّة ، فينتقلُ الى عالمٍ آخر ، يهبط فيه على وحيه ، أو يُحَلّق في فضاءاتٍ أخرى موحية .
نستطيع القول إن الشاعر يكون في هذه اللحظة المشحونة ، شعرا وتخيلا ، يكون هو وليس هو ، تمامًا كالمُمَثلِ على المسرح ، كما يقولون ، يمتلك القدرة على أن يكون ” هو وليس هو ” في آن .
حين أذكر مصطلح ” شيطان الشعر ” أشعر بمفارقة فأتذكّر المصطلح اليوناني المماثل، ربة الشعر . المصطلحان يبدوان متعارضين ، شيطان وربّة، في حين أن الأمر على العكس تماما” .
فالمصطلحان ينطلقان من أن للشعر مُلهِم غيبيّ وخارج العقل . وتكمن المفارقة اللغوية في أن الشيطان والربة يحملان معنى” معاكسا، لكنّهما يعنيان الأمر ذاته . والمفارقة تكمن في أن العرب كانوا يظنّون أن لكل شاعر شيطان يخلو إليه ويلهمه الشعر وما عليه أن يقول ـ مَثَلًا يخلو الجِنُّ المُلْهِمُ في وادي عبقر ـ ، في حين كان اليونانيون القدماء يظنّون أن للشعر ربّة وهي الكفيلة بالهام الشعراء .
أنا منحاز للشعر عند كل تقييم وقد علَّمَتني التَّجرِبة الحياتية ـ تجربة القراءة والكتابة أنًّ الشعر هو في حقيقته بوح عقل ونبضه المُمَوْسِق وبوح قلق إنسانِيٍّ وما فيه من حُزنٍ وحُلُمٍ واعدٍ بفرح حياة .
لا أتحزَّب لمدرسة التفعيلة الخليليّة ولا للتفعيلة المتحررة . وكُنْتُ في البدء اكتب وفق الشبلونة التقليدية والقصيدة ذات التفعيلة المتحررة ، واذا كانت الحالة الشعرية يشترط التعبير عنها تفكيك الشبلونة التقليدية فلا أتردد في ذلك . وفي كل هذا أحاول أن أكون لاقطا جَيِّدا لِلَّحظة الشعريّة ، أعيشها بكل وهجها ، فأفقد كل الخيوط التي تربطني بما هو حولي ، تاركًا لذاتي المشبعة ، بطلق الولادة ، حرّية التعبير عن اللحظة المعاشة .
وأشعر أنني، شِعْرَا وَواقِعًا ، كُنْتُ وليد التلاقح الثقافي ، الخصب والجميل، الذي كبرتُ في كنفه ، كُنْتُ وليدَ تلاقُحٍ بينَ ثقافتي المشرقية و ثقافتي المغربية التي كسبتها من أبي الجزائري ذي النزعة الصّوفِيَّة ، بالمفهوم الشعبي المشبع بحكاياتٍ وَ قِصَصِ كراماتِ الرموزِ الصوفية، كابن عربي والحلاّج ورابعة العدوية وابن عروس، وأمي فلسطينية المولد وذات أصول تونسية و كانت ذات ذاكِرَةٍ غنيَّةٍ وحافظةٍ لمختلف الحكايات الشعبية ، في حينه وقبلَ مرضها ، لمختلف الحكايات الشعبية ، كُنْتُ وليد التلاقح بين ثقافاتي المكتسبة دراسِيًّا وتثقيفا ذاتيّا والمنفتحة على ثقافاتٍ إنسانية مُتعددةٍ قديمة وجديدة .
فأنا، وللحقيقة ، موزَّعُ الانتماء بين مغربيتي ـ الانتماء الجزائري ـ وفلسطينيتي سوريةِ الأصول وبينَ انسانيتي العالمية.
ففي عُروقي تجري دِماءٌ مُختلطة ولا شكّ أنَّ هذا ترَكَ بعض الأثر في شاعريتي وكتاباتي النثرية ، القصص القصيرة وشبه الروائية .
تشدني في جنونٍ شاعِرِيٍّ إيقاعاتُ طَبْلَةٍ بربرِيَّةً أوراسِيّةِ الهمسِ والصُّراخ الشبيهة ” بِعْواويش سردوك أحمر الريش ” ، فأحس برغبةٍ غالبةٍ للرقص كلّما سَمعتُها ، وتهزُّني ربابةٌ أو شبّابَةٌ بدويّة جليليّةٌ فيندفِعُ دمي راقصا” ، ويشدّني لأنتظم في الصفوف المتلاحمة لرقصَةِ السَّحجة الفلسطينيّة ، وكم احب لو أغسِلُ ، شعرًا، صُحونَ حُزنِيَ اليَوْمي برشفةٍ من الشايِ الأخضر الممزوج بحبِّ الهان وزهر القرنفل الباهي ، فتجدني أتغلّبُ على عجزي الجسدي وأراني في تخيّلي صاعدا” مشيا”، خالعا” نعليّ ، فلبعض الأمكنة عندي رائحة مقدّسة ، أصعد الى مقهى في ” أبو سعيد ” القريب من تونس الخضراء ـ العاصمة ـ ويشرف بكلّ بهاءٍ على البحر الذي حملت مِياهُهُ ذاتَ يومٍ أبي ، صالح الأوراسي ، وكان لا يزال فتىً ، حملته تلك المياه هو واهله في الرحيل الطويل الى بلادِ برّ الشام .
وما يفرحني أنني ، إذا كنتُ مُوَزّعَ الانتِماءِ والمشاعر، فان الشعر ، أظنّهُ ، يُلَمْلِمُ انسانيتي المُمَزَّقة ، فهو ، أشعر، نقيض هذا التوزّع المُمَزِّق ، انه الجِماعُ الجَميلُ للفكرةِ المُجَنَّحة التي يجدر بالشاعر أن يُحَوِّلَها في ذِهْنِهِ المُتَوَتِّرِ شعرًا ، فيَرْسُمُها بقلمه لتصير فكرة أكثر جمالا” وأكثر تخيّلا ويشحَنها بموسيقاه الداخلية التي تتولّد في دمه . فيكون الشعر هو التلاقحُ الخصب بين الفكرة والصورة المتولدتين خيالا” والموسيقى الداخلية التي تضبط ايقاعهما .
وعليه فأنا اعتقد ان الشاعر الحقيقي هو نسيج ثالوثٍ أرضيٍّ رائع . فهو في آنٍ وفي كلِّ مكانٍ وليد فكر فلسفي عاشقٍ ، وهو عازِفٌ مغنٍّ ورسام . فلا شعرًا جميلًا خاليًا من فِكرَةٍ جميلةٍ أو من شحنةِ عِشقٍ أو لوحةٍ مُتخيّلةٍ ومرسومَةٍ بوهج الكلمات. والوهج قد يكون حالة فرح او توجّع او غضب انساني، حالة شعور ، والمهم كيف نصوّرها ؟ وبأي وهجٍ شعريٍّ نصقلها ؟ فالشعرُ هو في آخر الأمر دفق شعور . وفي هذا جماليّة الشعر.
وما يقوّي هذه القناعة الراسخة لديّ بأن الشاعر يحضن بين ضفتي عقله ” فيلسوفًا صغيرًا ” هو ما كتبه ويليس بيرنستون على لسان الشاعر والكاتب الأرجنتيني ، خورخي بورخيس ، في كتابه القيّم والجميل : ” مذكّرات عن بورخيس ” .
قالَ بورخيس :
” أعتقد أنه لا يوجد فرق جوهريّ بين الفلسفة والشعر ، بما أنّ كليهما يرمز لنفس النوع من الحيرة ، مع وجود استثناء واحد ، وهو أن الجواب في الفلسفة يقدّم بطريقة منطقية، في حين أننا في الشعر نستخدم الاستعارة ” .
ما يؤكده بورخيس، وأريدُ أن اؤكده بدوري، هو شيآن يجبُ أن يتوفَّرا في الشاعر . وهما عنصر الحيرة أو الدهشة ، وهو ما يجمع بينه وبين الفيلسوف . والشيء الثاني هو القدرة على توظيف الاستعارة اللغويَّة والمُتَخَيَّلَة في الشعر . وهو من الشروط التي تجعله شاعرًا .
وما بتُّ مُقتَنِعًا به بعد تجربتي الشعرية والنثرية ان الشعر وكذلك النثر يجب ان يكونا رائدين وألاّ يتردّدا في تناول الأسئلة الحياتية ، أن يطرحاها بِجُرْأة ووعيٍ مُفَكِّرِ ، أن يطرحاها شعرا ونثرا .
كان أبو العلاء المعري الشاعر العربي القديم الوحيد الذي تناول في شعره الفلسفي أو في فلسفته الشعرية سؤال غاية الحياة في ديوانه الفلسفي ، ” سقط الزند ” .
وما أحبُّ أن أؤكد في هذه المقالة أنني لا أخفي أنني عاشق وأحب المرأة ولا أكتم هذا الحب . فأنا أرى في المرأة تجسيدا” لكلّ ما هو جميل وانساني في حياتنا ، فهي حبي المشهر والخالد . أحبها ذاتا انسانية وأحبها جسدًا ينبض موسيقى ورقصًا وحياة . وهي كما أظن أساس الحياة ، هي سيّدة الحياة وملهمة الحلم والشعر . واي شاعر تخلو حياته وشعره من هذه المرأة التي نضبط جميعنا ايقاعنا الداخلي على أنغامها .
الشعر ، كما أفهمه ، كلمة أو فكرة أو صورة في قصيدة . ويجمل بنا أن نختزل كلّ ما يحيط بهذه الكلمة وهذه الفكرة أو هذه الصورة ، أ ن نحسن اختزال الحواشي ، ما يسمّى برصف الكلام ، وهو ما نجده كثيرًا في الشعر الموزون . فالشعر يشترط الاختزال وأؤكد على عنصر الايحاء في الكلمة المختزلة . الشعر الجميل في نظري يكون شديد الايحاء وفي قدرته على تركنا مشدوهين نُعْمِلُ تفكيرَنا بعد قراءته. عندَها يدعنا نفكر به ويضطرّنا أن نركض خلفه . وحين أذكر جمال الاختزال يشتعل في ذاكرتي وعقلي روعة حكمة وجمال ما تعلَّمْتُ في صغري من قول ، هو من موروثنا الثقافي العربي والشرقي ويجمل بنا أن نتذكَّرَهُ دائمًا عند الكتابة والقراءة الفاحصة المتأمِّلَة المتسائِلَة ، هذا القول هو :
” ما قَلَّ ودَلَّ “
أذكر أنني قرأت قبل سنين نتفًا من شعر الشاعرة الرومانيّة المعاصرة التي تقيم في الولايات المتّحدة ، نينا كيسيان ، لكن هذه النتف كانت كافية لأن أرى فيها شاعرة مبدعة وحالمة. كانت كافية لأن أطلّ على فضائها الشعري الرقيق والغني بالإيحاءات .
مقطع شديد الايحاء من قولها الشعري رسخ في ذِهني وكانَ كافِيًا لأن يكشف لي من اي عالمٍ حِسّي تنتقي كلمات قصائدها . وقد استعرت منها هذه الفسيفساء الجميلة ، لجعلها جزءًا من عالمي في مقطوعة عطر فاطمة . استدعيتُ مليحة الحيّ شعرا لتقول انها كلّما قرأتني ، شعرتْ أن جسدها يتعرى ويضوع عطرا . عطر مليحة الحي جميل ومنعش. ولكّنني اردت أن أوحي أن عطر فاطمة لا مثيلَ له . وهو وحده كفيل بأن يسكرني . وقد التفتّ الى شاعرنا ” أبو فراس” الحمداني ، فأكدت له أني في هذا المجال أوفر حظًّا ” فلم يكن من شيم مليحة الحيّ الغدر ” . وقد ذكّرتني كيسيان ، التي همست في أذن من تحب : اقرأني كتابا” ودخ في عطر جسدي ” ، ذكّرتني بالشاعر التركي الصوفي القديم ، جلال الدين الرومي ، الذي قال قبل بضعة قرون موجزا” :
” صدر حبيبي حديقة ياسمين “.
كيسيان و الرومي كانا شديديّ الايحاء . كأنّي بكيسيان تقول اقرأ عصارة روحي ” كتابي ” ولا تنس أن في كلّ حرف من كتابي يفوح عطر جسدي فدخ به . وأية حديقة ياسمين لا تغري بولوجها . وحين شئت ان أنفي متعمّدًا عن مليحة الحي ” شيمة الغدر ” هذه التي كانت صدفة من شيم مليحة حيّ “ابو فراس “، فإنما أردت أن أؤكد أن هذه الجمالية الانثوية ، هذه الحديقة أ و هذا الجسد الذي يضوع عطرا ، ويلهم الشعر حقًا ، هذه الجمالية لا يمكن ان يكون ” من شيمها الغدر ” .
ثمّة مسألة أود قبل الختام أن أشير إليها ، وهي أن الشعر لا يعلّم . فالشعر ، على ما فيه من تجربة تنمو بالقراءة والكتابة وما فيها من تعبٍ ذهني ، لا نستطيع أن نتعامل معه بمفاهيم وقيم الصناعة والتجارة والارتزاق. أقرأ أحيانا أن ثمّة مدرسة تعلم الشعر ، وأن ثمةّ زميل يعلم الشعر. أستغرب الأمر، فالشعر كالفنون التشكيلية والمسرح ، رسمًا وتمثيلًا ” وكذلك الموسيقى هِيَ جزء من تكوين الانسان الطبيعي والانساني ، من شروط ومواصفات الحياة الفردية ، جزء من الحس الجمالي والموسيقي والتخيلي < التشكيلي > . وهذه وغيرها صفات مَوهِبة تولد مع الانسان وتنمو فيه ومعه وقد تموت ، أحيانا كثيرة ، حين لا تجد طريقا الى الحياة، نغنيها ، نعمقها ونوسّعها ، قدر المستطاع ، بالتجربة والمعرفة وسعة الثقافة الانسانية . ولا يمكن كسبها كالمهنة .
على الشعراء الكبار ، سنا وشعرا ، أن ينقلوا بأمانة واخلاص وحب ورَوِيَّة تجربتهم
وتجارب الآخرين الى الشعراء الشباب .
وما أظنه ، هو أن الشاعر انسانُ مُختلِفُ ومُغايرٌ للآخرين ، فهو يعيش عالمه الخاص ، فضاءه وحلمه ، يعيش حالة هي اشبه بالجنون ، لكنه جنونٌ جميل . الشعر حالة شبيهة بالجنون .وهذا الجنون يعاش ويُمارَسُ ويُكتب أو يقرأ ولا يمكن أن يُعلّم .
لا ادعي أن ما قلته في هذه المقالة يحيط بمسألة ماهية الشعر ، بل هي محاولة متواضعة للاقتراب من هذه الماهية . أعترف أنه لا يمكن تحديد ماهية الشعر ، ولكن توخّيت مُقاربة فهم هذه الماهية ، لا أكثر ، ولا أدري ما اذا كنتُ مُوفّقا .

بعض من التجربة

أعني بتجربتي، في الأساس ، تجربة الكتابة ألأدبية وخاصة كتابة القصيدة الحديثة . بدأتُ هذه التجربة الواعية والمصمِّمَة في بداية التسعينات من القرن الماضي ، بدأتها في الواقع متأخرا نسبيا وإن كنت بدأت كتابة الشعر الموزون والمقفى في مرحلة مبكرة . وكانت لي تجارب كتابية في حقل الشعر منذ الحياة الشّابة ، لكنها وللحقيقة لم تكن مرضية لي ، أعتبرها فجَّةً ، نوعا ما ، فلم أحتفظ ولو ببعض منها . وكان ديواني الشعري الأول ” في انتظار أن تأتي ” ، سنة 2001 ، يُبقي الانطباع وكأنه باكورة بداياتي المتأخرة .
وقد أقنعتني هذه التجربة أنَّ كتابة الشعر لا تعرف جيلا محدَّدا ، فقد تكون ولادةُ التفتح الشعري مُبَكِّرَةً وقد تكون متأخرة وبعد تراكم خبرة حياتية ونضج معرفي ، يسهم في تطوير فلسفة حياتية ، هي من أكثر ما يحتاجه الشاعر في تطور شاعريته وانطلاقها . وأقنعتني هذه التجربة أنَّ الشاعر يجمل به أن تكون قصيدته وليدة موسيقى داخلية ، هي موسيقى أحاسيسه وهمس كلمات وحروف ذات إيقاع خاص ، ملون ومتعدِّد ويجمل به ألاَ يحبس عالمه الشاعري فيما يرى فيه البعض أهم شروط القصيدة – الوزن والقافية – ، فالشعر يجمل به أن يكون منطلقا في عوالم مُلوَّنة كزقزقة عصافير هامسة أو صارخة أو غردة ، ومن هذه العوالم يلتقط بحسه العميق
ذبذبات حياة وبوحها .
***
كانت تلك تجربة تتميَّزُ في البداية ببعض الخجل ، لكن سرعان ما واتتني الجرأة والثقة بالنفس ، ورحتُ تدريجيا أنسلخ عن الحياة السياسية ، لا أتنكَّر لها ، ولكن أكرس معظم قراءاتي وكتاباتي لقراءة وكتابة الشعر أو النصوص الجميلة . وبدأتُ أكوِّنُ لنفسي معشوقة مُتخيَّلة ، هي فاطمة ، ومشروعا شعريا ، أعطيه جلَّ عقلي وذاكرتي وحبي .
وقد ازددتُ يومَها قناعة انَّ الشعر كالآداب المختلفة والفنون التشكيلية يمكن أن يُسْهِمَ في خلق وتشجيع حراك ثقافِيٍّ ، انساني الملامح ، بعيدًا عن الجشع ، العنف وكراهية الآخر ، حراكٍ هو أكثر ما تحتاجه مُجتمعاتنا وإنسانية عالمنا .
وأكسبتني معارفي الواسعة نسبيا ، التي اكتسبتها بالقراءة والمطالعة والعمل في الصحافة والدراسة الجامعية ، أكسبتني قناعة متراكمة بضرورة بناء شخصيتي الشعرية الخاصة بي وتطوير ذاتي بصورة مستقلة ، فلا أقلد أحدا ، أيا كان ، وممارسة التجريب دائما ، كأنّ ما أكتبه هُوَ نصوصٌ متنوعة لقصيدة واحدة ، أستفيد من تجارب الآخرين ولكن أحرص على تنمية تجربتي الخاصة بي . وبات بمرور الوقت وتعـَمـُّقِ التجربة أكثر وضوحا لي أنني لن أستطيع أن أكون ذاتي الخاصة والمستقلة ، إلاّ إذا طورت شيئا غير مألوف من حيث المضمون ، الأسلوب ، الفكرة ، السياق والتخيُّل المجدد ، فغير المألوف هو غالبا ما يكون الحديث الجديد.
وانطلاقا من هذا الفهم المُدرِكِ لحقيقة ما أريد ، هربت من الشبلونات الشعرية التقليدية شبه السياسية والتي أكثر ما تتجلَّى في الأوزان الشعرية المتوارثة والمنقولة وموسيقاها المكرَّرة .
شهِدَتْ هذه التجربة بدايات توهجها قبل المرض في شباط 2003 ولكن عَرِفتْ انطلاقتها الحقيقية بعد المرض.
وهي ، أيْ فترة ما بعد المرض ، فترة زمنية من عمري تميَّزتْ بتكريس كتابة القصيدة المتحررة من التفعيلة والوزن الأحمدي بصورة عامة ومتحررة من الشعارات الشعبوية ، التي كانت تميِّز أكثر شعرنا في الفترة بين الخمسينات والثمانينات ولا تزال هذه ” الشعرية الشعبوية ” تميِّزُ الكثيرين ممَّن يروْنَ في أنفسهم شعراء واعدين .
ورحت أركز على القصيدة المشحونة بالتأمُّل والإيحاءات والاستعارات الجمالية المختلفة وبالمتخيَّل العقلي . فبات العقل ، لا القلب ، هو الذي يتحكَّم بالمُتخيل والصور الإيحائية ، أي الموحِيَة في شعري .
و قد علَّمتني تجربة هذه المرحلة أنَّ همس الطبيعة المحيطة بنا وما فيها من بوحٍ وهمسٍ صامتين هو أساس موسيقى الشعر الداخلية ، فصرتُ أبحث عن هذه الموسيقى فريدة الإيقاع ، أبحث عنها لِيَعْزِفَها حسّي المشتعل ، القلق والمحلِّق لحظة الكتابة ، فتصير أساس شعر – نشيد من وما أحب . ومن هذا الفهم انطلقتُ في كتابة قصيدتي ” نشيد حبك يا فاطمة ” ، ” أيتها الريح ” وقصائد أخرى كثيرة .

***
مجموعاتي الشعرية الأخيرة توخيت أن تكون الأقرب إلى قمة التجريب في السعي لكتابة نص شعري ، يعكس فهمي للحياة ، رؤيتي للاختزال والإيحاء وفهمي الحياة ودهشتي الفرحة بموسيقى الشعر الداخلية ، التي ينبض بها قلبي عاشق الحياة وعاشق جمالياتها المختلفة والملونة والعازفة .
لقد علمتني تجربة الكتابة أن القصيدة الحديثة يجمل بها أن تتسم بالتكثيف ، شِدَّة الإيحاء ، شفافية الترميز , عدم الغرق في التعمية ، فضلا عن الإجادة في توظيف الاستعارة والتلميح الأسطوري وجعلها أشبه بوتر كمانِ راقص اللَّحْن . وحين أتحدَّث عن الرمزية الشعرية ، أفهمها عكس ما يفهمها شعراء كثيرون ، قدماء وجدد ، فالرمز هو انعكاس لواقع ، أشبه بالاستعارات اللغوية قويَّة الإيحاء وكثيرة الدلالات . وهذا الرمز كان لغة الشعراء منذ القدم . وفاطمة هي أحد الرموز التي أحبها وكم أحبُّ أن أصيرَ واحدا من شعراء ” فاطمة ” الرَّمْز . وقصيدة ” يا فاطمة من تكونين ؟ ” ، هي قصيدة موحية وكثيرة الدلالات . ومن يقرأها بعين نبهة ، متأمِّلة ومراقبة لما فيها من دلالات ، يدرك حالا أن فاطمة أوسع حتى من الدلالات التي تتحدَّثُ عنها هذه القصيدة.
وعلمتني التجربة ضرورة أن يسعى الشاعر دائما لتوسيع مخزونه الثقافي والمعرفي وفهم ما يدور حوله وتكوين فهم عقلاني للحياة والتسلح بفكر منسجم مع هذا الفهم .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق