حوارات المجلة

الأديبة والأكاديمية الجزائرية د.سامية غشير للمجلة الثقافية الجزائرية:

بعض النقاد لا يقومون بوظيفتهم وهناك من يلجأ إلى سياسة المحاباة والمجاملة على حساب النّص الأدبي..

سامية غشير مبدعة جزائرية واعدة تكتب عن العالم الإنسانيّ وقضاياه المتعدّدة بوعي مسبق وإحساس مرهف.. هي باحثة نشيطة وناقدة أكاديمية حاصلة على دكتوراه في الأدب العربي، مهتمة بالبحث في الرواية والمسرح والسينما والإعلام.. شاركت في ملتقيات ثقافية مهمة وأصدرت عدة مؤلفات أدبية ومنها: رواية (لارين) ومجموعة قصصية بعنوان (حواس زهرة نائمة) وغيرها.. المجلة الثقافية الجزائرية تحاور هذه المبدعة إيماناً منها بضرورة اطلاع القرّاء على تجربة إبداعية جميلة وجديرة بالاهتمام.. تجربة تجمع بين القيمة الجمالية والعمق الفكري في النص الأدبي ، وفيما يلي نص الحوار:
حاورتها: باسمة حامد

الأسئلة الوجوديّة هاجس الكتابة المعاصرة

المجلة الثقافية الجزائرية: قرأت لك الكثير من المقالات الفكرية والنصوص الأدبية وبدا لي عالمك مليئاً بالأسئلة الوجودية، بَحْثاً عن عالمٍ أكثر سلاماً وتوازناً، ما رأيك؟!
د.سامية غشير:
الأسئلة الوجوديّة هاجس الكتابة المعاصرة ومحور عديد الأعمال الإبداعيّة، فالكاتب المعاصر أسير عالمٍ متناقضٍ، إذ يشهد يوميّاً حالات إنسانيّة متعدّدة من حروبٍ، وأزماتٍ، وقلقٍ، وضياعٍ، وموتٍ. والكاتب من خلال عالمه الرّوائي يُعيد خلق عالم أكثر توازناً وسلاماً، يُحقّق الأمان والسّلام لشخصياته التي يتماهى معها في حميميّة، ويعيش تجاربها المختلفة. فالأسئلة الوجوديّة تشغل ذهني كباحثة أكاديميّة وكاتبة، فلا يُمكن أن أفصل ذاتي عن العالم الإنسانيّ وقضاياه المتعدّدة كالاغتراب والموت والفناء، والحرّية، وتقرير المصير، ومأساة المثقف، وغيرها.

المجلة الثقافية الجزائرية: عالمك الإبداعي تميز بالثراء المعرفي والفلسفي والنفسي والسياسي، وقدّمك ككاتبة بارعة وملمةّ بتفاصيل السرد وتقنياته بدءاً من العنوان ما يدفعني لسؤالك: ماذا عن قراءاتك والمرجعيات الفكرية التي تثير اهتمامك؟ وإلى أي درجة تعتقدين أن الثقافة الذاتية مهمة لرفد ينابيع الإبداع؟
د.سامية غشير:
المرجعيّات الفكريّة التي تُثير اهتمامي كتب الفلسفة خاصّة الفلسفة الوجوديّة ومقولاتها، إضافةً إلى كتب علم النّفس، وبالأخصّ النّظريّة الفرويديّة، فالثّقافة هي الغذاء الرّوحي للإبداع، فكلّما كان المبدع مثقفاً أكثر كلّما أبدع أفضل، وكلّما انفتحت كتاباته على عوالم متعدّدة كانت إبداعاته أكثر تألّقاً، وتلقّيا عند النّقاد والطّلبة.

الحوار الحضاري يخفف التصادم ويدحر الكراهية

المجلة الثقافية الجزائرية: روايتك (لارين) طرحت التعايش الحضاري كقضية جوهرية، فهل تجدين أن طرح مثل هذه الموضوعات باتت ضرورية لدفع القارئ نحو إعادة النظر في الكثير من الثوابت التي تربى عليها؟
د.سامية غشير:
طرحت روايتي “لارين” قضيّة التّعايش السّلمي، الذي أراه ضرورياً ومهمّاً جدّا في بناء العالم، وتقليص الفجوة بين الغرب/ والعرب، وبتر مواطن الصّراع، ورسم ثقافة الحوار، فالحوار الحضاري من شأنه تخفيف التّوتّر والتّصادم الحضاري، ودحر الكراهيّة والعنصريّة، وخلق التّثاقف والتّحاور، ورسم عالم متوازن، متحاور ثقافيّاً وإنسانيّاً.

المجلة الثقافية الجزائرية: مجموعتك القصصية الأولى “حواس زهرة نائمة” بُنيت على ثنائيات متناقضة تماماً: ما الذي فرض عليك لعبة (الأبيض والأسود) في الحكاية؟ وماذا عن التحديات التي واجهتك وأنت تتحركين بين (الأمل والألم، الحب والكراهية، الحياة والموت)؟
د.سامية غشير: انبنت مجموعتي القصصيّة “حواس زهرة نائمة” على تناقضات عديدة منها: الحبّ/ الكراهيّة، الموت/ الحياة، الحزن/ السّعادة، الألم/ الحلم، فأساس الكتابة الإبداعيّة انبناؤها على المتناقضات والمتضادات، التي تجعل الأحداث تتشابك وتتصاعد، وتمنح لذّة السّرد، ومتعة القراءة للمتلقّي. لقد اعتمدت في مجموعتي على البياض/ السّواد كثنائيّة ضروريّة ولازمة؛ لأنّ العالمَ اليوم تسوده ألوان الأبيض والأسود، فعالمنا مليء بالمأساة والألم والسّواد والعتمة، مُقابل ذلك فيه ما يبعث على التّفاؤل والبياض والجمال. فالكاتب يلزم عليه أن ينقل صورة العالم الإنسانيّ بصدقٍ وعمقٍ وموضوعيّةٍ، ويقترب من مواطنه السّوداويّة المؤلمة والمفرحة المغرّدة.
إنّ النّص الأدبي عادة يبنى على تناقضات عديدة، التي تُسهم في توليد الأحداث وتصاعد حبكتها، والتّناقضات التي وظّفتها في كتاباتي ناتجة عن رؤيتي العميقة لعالم اليوم الذي أراه عالما يسير في اتّجاهين متعاكسين، وأنا استوحيت هذه التّناقضات انطلاقاً من القضايا التي عالجتها، وطبيعة الشّخصيات الموظّفة.

الموت أضحى سؤالاً فلسفيّاً يحمل فكرة الحياة

المجلة الثقافية الجزائرية: ثمة توظيف رمزي للموت في نصوصك بوصفه معادلاً موضوعياً لغياب الضمير والأخلاق والحرية والعدالة والقيم الإنسانية الجميلة.. هل تكتبين تحت تأثير الوعي المسبق بقيمة الحياة والرغبة الذاتية بالبناء؟ أم تأثراً بالموت الذي أصبح جزءاً فاعلاً في واقعنا وجعل مجتمعاتنا تنزلق نحو كآبة عامة؟
د.سامية غشير:
الموت هو السّؤال الفلسفي المهيمن في الكتابات الإبداعيّة المعاصرة، وهذا راجع إلى صورة العالم المشوّه الذي أضحى يبعث على الموت بمختلف صوره الماديّة والرّمزّية، موت يختزل صور البشاعة والقتامة والسّوداويّة والفجائعيّة التي أصبح يعيشها إنسان اليوم، حيث فقد – تقريباً – ثقته في هذا العالم الذي جعله أسير الفناء، فأضحى باحثاً عن سبل تخلّصه من هذا الوحش القبيح، فالموت في أعمالي مرادف للموت الإنساني، موت المكان والزّمان، موت القيّم، موت الحبّ، موت العلاقات الإنسانيّة. فتوظيف تيمة الموت في أعمالي ناتج عن صورة الواقع وتحوّلاته وتأثيراته.

المجلة الثقافية الجزائرية: ما لاحظته عن كثب أن انشغالك بالموت لم يكن انشغالاً تقليدياً بل أتى محمّلاً بالتفاؤل والتأكيد على الأمل في حياة أفضل.. لكن في خضم هذا الموت العبثي من أين يستمد الكاتب إلهامه من أجل إعادة تشكيل هذا العالم وصناعة الحياة الموازية في النص الإبداعي؟
د.سامية غشير:
لقد تناول الكاتب المعاصر تيمة الموت بطريقة شاعريّة جماليّة، فلم يعد هذا الأخير يُحيل على الموت الطّبيعي المحكوم بفناء الجسد؛ بل أضحى يُضفي جماليّة على النّص، من خلال تجلّياته وملامحه التّصويريّة، فالموت أضحى سؤالاً فلسفيّاً يحمل فكرة الحياة في الموت، يُعيد تشكيل عالمٍ جديدٍ، يبعث على الخصب والتّجدّد والتّفاؤل، فالموت في جوهره يشكّل حياةً جديدةً، تبعث على الأمل، والرّغبة في الانعتاق من أسر الواقع الموجع، الملغّم بقنابلَ الخيبات والعثرات، وتصدّعات الذات، وانكسارات الرّوح وشروخها.

النّص الجيّد يفرض نفسه بقوّة..

المجلة الثقافية الجزائرية: الكتابة النقدية عموماً لا تخلو من دوافع تذوقية أو انطباعية، فكيف تستشعر الناقدة سامية غشير القيمة الفكرية والجمالية لأي عمل أدبي يقع بين يديها؟
د.سامية غشير:
أكيد، النّص الجيّد يفرض نفسه بقوّة، فتذوّقي للنّصوص يرتكز على قيمتها الفكريّة والجماليّة، فأعود إلى الإضافات التي قدّمتها تلك النّصوص، والمرجعيّات الفكريّة التي نهلت منها، ودورها في معالجة أسئلة الرّاهن والذّات، إضافةً إلى المميّزات الجماليّة للعمل الإبداعي، التي تحقّق للنّص تميّزه وتفرّده، فكلّما تمكّن المبدع من بناء نصّه بناءً محكماً فنيّاً وجماليّاً صنع قبوله النّقدي، فالأعمال الإبداعيّة الفريدة فكريّاً وجماليّاً تفرض نفسها، وترسم خلودها.

المجلة الثقافية الجزائرية: وبرأيك متى يكون النَّقدُ إضافة حقيقية لأيِّ عملٍ إبداعِيٍّ؟
د.سامية غشير:
النّقد أساس الإبداع، فالأدب قوامه النّقد، وبه يرتقي ويتطوّر، عن طريق تذوّق النّصوص وتمييز جيّدها من رديئها، وتوجيه الكاتب إلى مواضع الخلل في كتاباته، حتى يحاول اجتنابها مستقبلاً، فالأعمال الإبداعيّة الأكثر تداولاً نقديّاً هي الأعمال الجديرة بالبقاء والصّيت، أمّا الأعمال غير المدروسة نقديّا فهي أعمال ميّتة عقيمة، ستموت مع الأيام، وتفقد رونقها. لكن ما يُلاحظ اليوم على بعض النقاد أنّهم لا يقومون بوظيفتهم النّقديّة على أكمل وجه، فهناك من يلجأ إلى سياسة المحاباة والمجاملة على حساب النّص الأدبي، وهذا ما شوّه جماليّة الأدب. وعلى عكس ذلك فهناك من يقوم بتكسير المبدع، ونقده نقداً لاذعاً مشيناً، دون اعتماد الشّروط الفنيّة الموضوعيّة للنّقد البنّاء.

المجلة الثقافية الجزائرية: في زمن العولمة والتطور التقني المذهل على مستوى مستلزمات الكتابة والطباعة والنشر والإعلام.. إلى أي حد يمكن الحديث عن جهد المبدع في شيوع ثقافة النص الأدبي (الرواية، القصيدة، القصة القصيرة جدًا….إلخ)؟
د.سامية غشير:
المبدع اليوم أضحى مواكباً لعصر العولمة والتّطوّر لتحقيق تواجده في المشهد الإبداعي، وهذا ما يدفعه إلى أن يكون ذكيّاً في إخراج عمله بصورة جيّدة في طباعته، والتّرويج له عبر وسائل التّواصل الاجتماعي، وإنشاء قناة في اليوتيوب خاصّة بنشر أعماله. كما أسهمت الثّقافة الرّقميّة التّفاعليّة في شيوع النّص، وإرساءِ معالمَ ثقافة القراءة. في الأخير أقول إنّ الكتابةَ هي العالم الرّمزي الذي تسكنه ملائكة الفرح والجمال والسّعادة. فيجب علينا أن نرسمَ أطياف الألق والحلم والعطاء في نفوس القّراء، أكاليل محبّة وورد.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الأديبة والأكاديمية الجزائرية د.سامية غشير للمجلة الثقافية الجزائرية:”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق