ثقافة المقال

الإخوان .. من السجون إلى السجون (2)

الحلقة الثانية ..

• رضا سليمان

نستكمل فى هذه الحلقة استعراض تلك الأحداث من خلال نظرات تحليلية متعمقة ، وعنوان الحلقة الثانية ” جماعة الاخوان تاريخ و أحداث “

• ثلاث وثمانون عاما من العمل المحظور وعامان من العمل تحت غطاء حزبى ” حزب الحرية والعدالة ” .. لعل المتأمل فى هذه السنوات الطوال ستعرف على على الكثير وسيجد من الأحداث ما لم تستطع أن تحمله الكتب بين دفتيها على كثرتها ، ذلك أن الكثير من تلك الأحداث التى تخص جماعة الاخوان لم يدون بعد .
فى هذا الفصل لن نسرد تاريخا حاول البعض سرده من قبل ومن يريد أن يتعرف عليه بتفاصيله الدقيقة فليبحث عن تلك فى مراجع أخرى ، إنما نستعرض النشأة وجوانب من الأحداث على وجه السرعة و ذلك لتعريف القارئ بها و لربط الأحداث ببعضها ، فسلوك أفراد الجماعة اليوم نابع بطبيعة الحال من أفكار و رؤى من وضع بذرتها ، وفائدة أخرى من ربط الأحداث هى محاولة لجعل هذا العمل كوحدة متكاملة الأركان و هو من أساسيات البحث العلمى ، و أخيرا نجد ضرورة للحديث عن نشأة الجماعة وما قامت عليه ومن أجله حتى لا يعترض أحد ما على سيتم ذكره ، فهى مقدمات ونتائج ، بذور أنبتت أشجار ..

البداية:
ظهرت فكرة جماعة الاخوان على أرض الواقع عام 1928 م على يد مؤسس الجماعة حسن البنا .
ولنلقى نظرة سريعة على مصر فى هذا التاريخ ، فلن تظهر فكرة تخص أحد الأمور إلا وكانت نتاج لأحداث تلك الفترة ، وبعد أن نلقى تلك النظرة السريعة نعود إلى مؤسس الجماعة الشاب حسن البنا الذى لم يكن عمره قد تعدى اثنين و عشرون عاما .

مصر عام 1928 م :
مصر فعليا تقع تحت الاحتلال البريطانى ، خارجة لتوها من أحداث هزت الأركان ، منها ما هو على المستوى العالمى كالحرب العالمية الأولى التى بدأت عام 1914 م وفى نفس العام فرضت الوصاية البريطانية على مصر بشكل رسمى وانتهت السيادة العثمانية رسميا بعد أن كانت منتهية فعليا من سنوات طوال بدأت مع الحملة الفرنسية ثم استقلال مصر على يد محمد على وبناء مصر الحديثة التى عانت الكثير حتى ضعفت شوكتها مما أدى إلى الاحتلال البريطانى عام 1882 م .
ومن الأحداث المحلية التى خرجت منها البلاد لتوها أحداث ثورة 1919 م
ثورة 1919
هي ثورة حدثت في مصر بقيادة سعد زغلول زعيم الحركة الوطنية المصرية. جاءت هذه الثورة في ظل المعاملة القاسية التي كانت بحق المصريين من قبل البريطانيين، والأحكام العرفية التي أصدرت بحق المصريين بالإضافة إلى رغبة المصريين فى الحصول على الاستقلال.
طالب سعد زغلول بالسماح للوفد المصري بالمشاركه في مؤتمر الصلح في باريس، وعندما رفضت بريطانيا هذه المشاركة و واتهم سعد بأنه لا سلطة له للتحدث باسم الشعب فظهرت ظاهرة هى الأولى تقريبا من نوعها فى التاريخ البشرى وهى جمع توقيعات من الشعب المصرى لتفويض سعد زغلول للتحدث باسمه .. وشهدت البلاد حالة من الحراك السياسى الغير مسبوق والذى انتشر فى كافة الأرجاء فقد وصلت استمارات تفويض سعد زغلول إلى كل بيت مصرى وكأنها طوق نجاه لكل مواطن مما يعانيه من أزمات معيشية .
تسارعت الأحداث تم نفى سعد زغلول و رفاقه : محمد محمود و حمد الباسل وإسماعيل صدقى إلى مالطة .
انفجرت الثوره في كل أنحاء مصر مطالبين بالإفراج عن سعد زغلول، فاضطرت السلطات البريطانية إلى الرضوخ للمطلب الشعبي وأفرجت عن سعد زغلول.
هذه الثورة اضطرت أنجلترا إعطاء مصر بعض حقوقها فكان :
1- اصدار تصريح 28فبراير 1922 الذي نص على : (أ) الغاء الحماية البريطانية عن مصر (ب) اعلان مصر دولة مستقلة .
2- صدور أول دستور مصري سنة 1923م
3- تشكيل أول وزارة برئاسة سعد زغلول 1924م
( للمزيد عن التفاصيل الدقيقة جدا عن فترة سعد زغلول يوصى بقراءة : كتاب ثورة 1919 تاريخ مصر القومى من 1914 إلى 1921 لعبدالرحمن الرافعى ، و أيضا الكتاب الممنوع . للكاتب مصطفى أمين )
فى هذه الأجواء تنتشر عادات وتقاليد جديدة على المجتمع المصرى صور بعضها الأديب نجيب محفوظ فى روايته القاهرة 30 حيث انتشار الفساد الوظيفى والرشوة والانحطاط الخلقى يقابله تيار ثورى يجاهد ضد الاحتلال البريطانى بأقل الامكانيات.
انتشرت أفكار جديدة كان خلفها المحتل وكان خلفها ضعاف النفوس أنصار تقليد الغرب فى أدق التفاصيل ، فنشاهد فى هذه الفترة خروج المرأة ذلك الأمر الذى كان ممنوعا من قبل لدرجة أن المرأة كان من الصعب ظهورها خلف فتحة صغيرة فى الشباك ، خرجت المرأة وظهر صوتها بوضوح كما ذكرنا فى مظاهرات ثورة 19 ثم خرجت إلى الحياة الدراسية ، صاحب ذلك انتشار بعض الأفكار التى اعتقد البعض أنها أفكار تحررية وكان من بينها بطبيعة الحال الثورة على كل قديم ، يبدو أن الدماء التى تنتفض فى العروق لا تزال تحمل المد الثورى من ثورة 19 ، نقول ثار الكثير منهم على العادات والتقاليد التى اعتبروها قديمة و يجب أن تتغير و للأسف اعتبر البعض أن مجاراة الغرب طمعا فى التطور كما يعتقدون يتمثل فى ترك تلك العادات و المعتقدات الدينية ، و وفقا لنظريات الطبيعة التى تؤكد أن لكل فعل رد فعل مساو له فى المقدار ومضاد له فى الاتجاه ، فقد ظهر بطبيعة الحال رد الفعل المضاد وهى الدعوات للحفاظ على الهوية الاسلامية و الالتزام بتعاليم الدين الاسلامى .
انتشرت تلك الدعوات على ألسنة الدعاة ومشايخ الأزهر .
يجب أن نفهم أنه إذا خرجت الدعوة إلى الالتزام بالمبادئ الاسلامية من مشايخ الأزهر فهذا أمر طبيعى و الالتفات إليه يكون عادى جدا و لا يثير الكثير من التأثير ، فالعادة تلقى بظلالها على مثل هذه التصرفات ، ولكن إذا خرجت هذه الدعوات الاصلاحية من شخص بعيد كل البعد عن الأزهر وعن العمل الدعوى فهذا ما يلفت الأنظار .
هناك أيضا المتلقى وهذا هو هدف الدعاة ، فالمشايخ و رجال الدين تتوجه رسالتهم إلى الجميع بلا استثناء ، فهى رسالة عامة ، و العمومية هنا لا تفيد الرسالة المنقولة كما تفيدها الخصوصية ، و لا تفيدها الانتشار العمومى بقدر ما تفيدها الانتشار الشخصى المباشر والذى يؤتى ثماره على المدى الزمنى .
تلك الأمور أدركها جيدا الشاب حسن البنا .
**
إلى لقاء فى الحلقة الثالثة

*كاتب وإعلامى مصرى

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق