ثقافة السرد

بوكوفسكي يلقنني درسا لن أنساه

حمزة الذهبي*

كل مساء ، بعد أن تذهب الشمس – التي لوحت أجسادنا بأشعتها الحارقة– كي تنام ، ويفرض الليل سطوته وجبروته ، حتى أختلي في غرفتي بحاسوبي المحمول ، القديم إلى حد ما ، المليئ بالكتب ، مئات الكتب ، إن لم أقل آلاف الكتب الإلكترونية التي يزعمون باطلا وبكل وقاحة أنها خالية من الروح !! هناك، أركب قاربا وهميا ، وأمخر عباب الأدب . باحثا عن إجابة لسؤال مؤرق يؤرقني و يقض مضجعي ، وهو هل هناك معنى لحياتي ، لهذه الحياة التي تنسل من يدي مثلما ينسل الماء؟
هذا المساء ، مثل مساءات عديدة ، أعود من العمل في حوالي السادسة ونصف ، أحتسي كأسا من القهوة بالحليب . ثم أصعد على متن قاربي ـ وأبدأ في إختراق هذا البحر الذي لاحد له من الكلمات الهائجة ، أصادف ، شخص ، على متن قارب خشبي ، وجهه مميز إن لم أقل قبيح ، مليئ بالدمامل ، منتفخ البطن ، يكرع الويسكي من فم القنينة ـ يخيل إلي أنه يشبه بوكوفسكي ، الشاعر المتمرد على كل مؤسسة ، والمؤسسة ، كما نعلم ، سلطة ، وبالتالي يمكن القول أنه متمرد على كل أشكال السلطة ، هذا الشاعر الفذ والملعون الذي يحاول الكثير من كتاب تقليده بدون فائدة .
” فالشعر – كما يقول بوكوفسكي – ليس للجميع
ليكتبوه
أو حتى ليقرؤوه “
أقترب منه
يسألني :
– ماذا تريد بالله عليك .
أجيب سؤاله بسؤال آخر :
– هل أنت هو بكوفسكي ..
يتثاءب وهو يحك بطنه ثم يقول :
– يمكن أن أكون أنا ويمكن أن لا أكون ، ما الذي يعنيه الإسم في النهاية ، لكن قل ما تريد أو إغرب عن وجهي بحق الجحيم .
– أبحث عن معنى للحياة
– ماذا
– أبحث عن معنى لحياتي المملة والرتيبة .
فيجيبني:
– حياة الإنسان قصيرة ليجد فيها معنى وكل الكتب ، تقريبا ، مضيعة للوقت ، ثم إني لا أصدق أن هناك من يبجث عن معنى للحياة في الكتب . إنك تبدو مغفلا ، كثلة من الهراء البشري .
– لكن لماذا ؟
– إقترب وسأقول لك لماذا ؟
إقتربت بقاربي حد الإلتصاق بقاربه ، وقبل أن أصعد إلى جانبه كور قبضته وغرسها في بطني ـ إنحنيت من شدة الوجع ، فبادرني بضربة أخرى بركبته للوجه مباشرة ، لأسقط بظهري على القارب وأنا أسيل دما من أنفي الذي تهشم ،.بعد أي ، إنقلبت على بطني وبدأت بالزحف ، ثم انتصبت واقفا ، حملت الألواح و بدأت بالتجذيف بعيدا نحو غرفتي . بينما صوت قهقهات الوحش بوكوفسي المرعبة يتردد صداها في أذني حتى لحظة كتابة هذه الأسطر .

*كاتب من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق