الموقع

الفصل 16

عندما يخاف الشعب من حكومته يكون هناك ظلم

وعندماتخاف الحكومة من الشعب يكون هناك حرية

توماس جيفرسون   ثالث رئيس أمريكي

لن أنسى ما حدث قبل غروب يوم ما من عام 1972 في سوق البطحاء في مدينة الرياض، ألححت عليه لمرافقتي لسوق البطحاء للتسوق في قاع المدينة في الرياض، وافق مضطراً لأنه كان يحظر على أي امرأة أن تتجول في السوق دون محرم يرافقها، كل الرجال والعاملون والمتسوقون والمتسكعون يلبسون الملابس العربية البيضاء، أما (الحريم) سواء كن متزوجات أوبنات أو عجائز فكلهن يرتدين الملابس السوداء، وقد يسمح للمرأة العجوز بإظهار كفها أو ربما وجهها، أما وجوه الأشباح البيض فهي قنابل موقوتة، سرعان ما تفجر المكان إن أشرق وجهها، ما أكثر الأشباح السوداء ممن نوفت أعمارهن عن الخمسين في سوق شعبية مثل سوق البطحاء، وما أكثر صيادي النساء والأشقياء، لا أعلم كيف يجرؤون على التحدث مع أي امرأة، مستغلين حالة التخفي القسري، يدعي الشقيّ أنه يحادث قريبته أو زوجه أو أخته أو أمه، فإن تجاوبت أي امرأة معه سارا متوازيين أو متلاحقين إلى مسارب الشيطان، وإن أبدت نفوراً منه أو صاحت في وجهه، اعتذر لها مدعياً أنه ظنها من حريمه أو محارمه، وأسرع بالنجاة بنفسه، وجد زكي نفسه فجأة تحت وابل من ضربات العصي من (المطاوعة)، أكره تلك التسمية بل هي كريهة لكل إنسان ممن التقيت وعرفت، سعودياً كان أم عربياً ممن يعملون هناك، ولا أدري كيف أسموهم بالمطوعين، بعضهم سماهم بالكارهين والمكرهين والمكروهين والمنفرين، العابثين بروح السماحة واليسر الإسلامي لتحطيم كرامة مجتمع عربي بدوي أصيل وشخصيته، مجتمع اعتاد على حسن النية والحرية الصحراوية، وبعض الغلاة منهم لا يفهمون الكرامة ولا تهمهم نظريات الرقابة الذاتية، لا يقتنعون بأن كل إنسان على نفسه بصير، يحافظ على الأخلاق لحاجته ولمصلحته، أو بالتي  هي أحسن أو بالنصح وبالكلمة الطيبة، حسب تعاليم ديننا السمحاء دون إجبار ولا إكراه، لم يصدف على طول التاريخ العربي أن قرر حاكم أو مرشد بسوق الناس للصلاة على حساب قطع الأرزاق وبالعصا والإرهاب.

 

كانوا ثلاثة قذري الملابس، واحد منهم أعور وآخر عيناه عمشاوان لا يكاد يرى بهما والثالث عجوز جداً بدين كقربة من جلد ناقة قصت قوائمها ونفخت، لا يعنيهم الرجل المضروب ولا يتحققون من شخصه أو خطئه، ضليل صعلوك ضايق امرأة في السوق فانتهرته، وكعادة الصعاليك، سرعان ما اختفى فكان زكي قرب موقعها، توقف زكي مشدوهاً متجمداً لا يدري ماذا جنى حتى يحيط ثلاثة به، يضربون بدنه النحيل من كل جانب، صحيح أنهم كانوا لا يضربون بكل قوتهم، لكنها عصي طويلة رفيعة من الخيزران أو الزان ضرباتها مؤلمة، نظرت لعينيه تستنجدان من أحد تدخلاً، حاول التحدث والتساؤل عن أسباب ضربه، لكنها صرخات بين طرشان، سرعان ما حضر ثلاثة آخرون، يبعدون الناس والمشاهدين عن عصبتهم، كنت داخل المتجر وقتها معتقدة أنه يتبعني أو ينتظرني لدى الباب، سرعان ما اندست المرأة الصائحة بين الجموع الحاشدة، واختفت هي الأخرى في الزحام أو بين الأقدام، تابعتها عيناي، لكنني كنت أنا الأخرى مشدوهة، لا أدري ماذا أفعل حتى أحمي زوجي زكي من هذا الجحيم الذي وقع فيه بسببي، والصحيح بسبب سوء سلوك الذين يستخدمون سبل الشيطان أو المبررات لتنفيذ مآرب لا نعلم عنها، ولم يكن يعنينا أن نعرفها، فلسنا سعوديين ولسنا حريصين حتى نفهم كيف يتم معاملتهم، حضرنا للعمل وطلب الرزق وسوف نعود إلى بلادنا عاجلاً أم آجلاً، وليبقوا أحراراً في بلادهم، أسرعت لتقبيل يد العجوز صاحب المتجر، وكانت له لحية بيضاء طويلة يبدو عليه الوقار، شاهدته يهز رأسه، وكانت لحيته الطويلة تلامس صدره فينثني شعرها الطويل أو ينتشر مغطياً معظم صدره، يحرك رأسه يميناً ويساراً، قائلاً : لا حول ولا قوة إلا بالله، أحس الرجل بحرقتي، تقدم صوب زكي، رفع يديه، وحاول التصدي للعصي النازلة على زوجي من كل جانب، ولو كان زكي وحده لهرب ولعجزوا عن الإمساك به، وقد فعلها من قبل في شارع الوزير في الرياض، في الحادثة الأخرى أنكر أنه يعرفني حين كشفت وجهي، أتفحص المصاغ الذهبي في خزانة العرض الزجاجية أمام المتجر، ركض والتف إلى شوارع فرعية ونجا بنفسه، ضاعفت طبقات الخمار واخفيته ثم اختفيت مع عشرات النسوة اللاتي كنّ في أعماق المتجر.

تحدث العجوز مع الطبل المنفوخ رئيسهم، وشهد  ببراءة زوجي زكي، وأن من آذى المرأة التي صاحت هرب واختفى، أشار العجوز بعصاه لرفاقه الذين بدأ عددهم يتزايد، وانسحبوا بلا كلام ولا اهتمام، ولم ينظر أي منهم حتى وراءه وكأن شيئاً لم يكن، طلب العجوز مني مغادرة السوق مع زوجي في تلك اللحظة وأمام عينيه.

في غرفة الضيوف لا نجرؤ على فتح نوافذها، لأنها تواجه شققاً تقابلنا، لكن بها باباً ينفتح على شرفة طويلة بطول الشقة التي نسكنها، أي أكثر من اثنتي عشرة متراً، أحبت حماتي هذه الشرفة حين استقدمها زكي للإقامة معنا بعد إصابتها بجلطة دماغية، وبرغم شدة الحر نهاراً وليلاً، إلا أنها كانت تفضل الجلوس في الشرفة، فلاحة فلسطينية نشأت على الحرية وخدمة أرضها وأشجارها، تطالع الشارع والناس لاتطيق الحبس، أما أنت يا فهيمة ابنة عمان وحي المهاجرين وحرية التسوق، أعجب كيف اعتدت على المكوث في البيت طول الوقت ليل نهار في الرياض، يخرج زكي للعمل صباحاً، يعود قرابة الساعة الواحدة، يتناول الغداء معنا، وبعد ساعة أو ساعتين يخرج لعمل إضافي في شركة خاصة، حتى يضمن حياتنا ومصاريفها، ومستقبل أولادنا، يعرف زكي الكثير من الفلسطينيين والأردنيين العاملين في السعودية، نتبادل الزيارات مع عائلات أصدقائه، وتصبح صداقة عائلية، نتزاور مساء الخميس أو مساء الجمعة، وقد تلتقي عائلتان أو ثلاث أو حتى أربعة في منزل واحد إن كان ذلك المنزل واسعاً، الشقة التي كنا نستأجرها كانت واسعة جداً فيها خمس غرف وصالتان، وقيل لنا أن المنزل بني لأميرة سعودية في الأصل، في السنوات الأولى لانتقال الرياض من بيوت الطين والبداوة إلى مباني البيوت الحديثة، أقامت بها فترة من الزمن أيام الملك سعود، وقبل علو منزلة الأسرة المالكة مادياً وغنى بعد عزل الملك سعود عن الحكم في أوائل الستينيات من القرن العشرين، وبعد تحسن أسعار البترول، والاكتشافات البترولية اللاحقة، وزيادة الطلب العالمي على النفط، صرنا بعدها نرى طرقاً معبدةً جديدةً يوماً بعد يوم في أنحاء متفرقة من الرياض والقطر السعودي، وتباعد أمراء آل سعود وأميراتهم عن مساكن الناس العاديين، وانتشرت المدارس، وزاد عدد المستخدمين من المدرسين والمترجمين والمحاسبين والمهندسين، قال مهندس مرة بعد زيارات متبادلة  بين عائلتينا، وكأنه يحادث شيخاً أومسئولاً سعودياً امامه:

ليتهم يعينوننا للتمسك بفضائل الدين بالحسنى، وبالتقرب إلى الله بأنفسنا وبرغبة منا، لا خوفاً من شيخ أو مطوع أو شرطي، الدين النصيحة، ولا إكراه في الأديان، مثل غيرنا من الأديان السماوية الأخرى، لا ضغط ولا تخويف، فوجود القوانين المتشددة والإكراه لم تمنع الإنسان من فعل الشر، لكن بأساليب إنسانية يتقبل الإنسان، ويحاول كل امرئ أن يكون متديناً حسب إمكانياته وقوة صبره واحتماله، والأدهى من ذلك أن جرائم مخالفة التعاليم الدينية في بلاد التشدد لا تتوقف حتى تحت التهديد بالعقاب وقطع العنق والرجم والضرب والسجن، وها هي الحدود الشرعية تقام كل يوم في كل مدينة وكل قرية في كل مكان في طول البلاد السعودية وعرضها؟ يقول زوج صديقة أخرى: أخشى أن تكون هناك دوافع أخرى غير الحرص على تطبيق الإكراه في الدين.

جلس زكي طول تلك الأمسية مطرقاً صامتاً بعد وصولنا المنزل، لم يبد أي توجع من الضرب، ولم يقبل أن يخلع ملابسه، ولا أن يدعني أتأمل مواضع الضرب على ظهره وكتفيه وذراعيه ومؤخرته وساقيه الخلفيتين، جهزت له الشاي بالنعناع، شرب الكثير من الشاي في خرس، وكأنه لم يشربه منذ أمد بعيد، ألححت عليه في الكلام، وفتحت مواضيع نقاش لأشغله أو لينطق كلمة واحدة، لكنه ظلّ جامدا متصبراً، وكلما أراد الكلام بدا أن الكلمات أضعف بكثير من التعبير عما يجول في خاطره، فيحس باختناق وحصر في النطق، يطلب المزيد من الماء أوالشاي، لم يبق أمامي إلا قوة حيل حواء والأساليب التي غرسها الله فينا، أوهمته أنني أعمل في المطبخ، وكان بجانبه على المنضدة الصغيرة كتابان أحدهما في الفقه والآخر عن تاريخ الأمويين والفتوحات الإسلامية، وشاهدت طفلتنا الرابعة تمشي ببطء صوبه، وقد أكملت العامين قبل ثلاث شهور، لكن طبيعتها بطيئة صبورة باردة الأعصاب، قلت في نفسي لمرات كثيرة، ورثت هذه الروح المتأنية المتأنقة عن والدها، وحين يسمع ملاحظاتي عن برود أعصابها، يكتفي بهز رأسه، لكنه ردد في أكثر من مناسبة، ستتغير كثيراً وستتبدل عند الكبر، دخلت الحمام دون أن أخبره، وحين عدت فاجأته بتطويقه وتغطية رأسه وعينيه، حتى أنني حجبت الرؤية كاملة عنه، لم يتحرك مع أنه قاوم قليلاً يحاول التنفس العميق، فلم  يجد غير رائحة الجسد الغض والعطر الخفيف الذي يحب، تحركت طبيعة الرجل فيه وانتصرت عليه، جلست على ركبتيه فوق الكنبة القديمة، أرحت رأسي على كتفه، صمت ولم يحرك ساكناً، وبعد خمس دقائق والبنت منشغلة بألعابها وتلعب مع جدتها، أحسست أنني على وشك أن أغفو على صدر زكي، وبدني يبرد تارة وتشتد حرارته تارة أخرى، شكوت له من التعب، فأمسك بيدي، وطوق وسطي بذراعه النحيفة المكهربة، أقدامنا تعرف الدرب إلى غرفة النوم، كنت جهزتها لاستقبالنا قبل ذلك، ولأول مرة ربما يصبح زكي طفلي المدلل، شارك طفلتنا الصغيرة حليبها، في الحلم ربما، أو أن كلينا كنا بحاجة إلى شيء من جنون نافرين من واقع ثقيل، جسدان بلا تفكير ولا عقل، لغتهما هي التي سادت، واختفت الخفافيش في مخابئها أوتعلقت بمخالبها بينما رؤوسها متأرجحة تحلم في سكينة وفي أجواء فسيحة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق