ثقافة السرد

الجحيم اللائق للأحياء ومملكة السماء

حسام يحيى

(1)
النفق واسع، طويل، مظلم، أخطو بأقدام مرتعشة، تتخبطنى حيرة ثكلى، تتسلل إلى أذني همسات خافتة، أمد ذراعي أمامي، أرسم عصا معدنيه من وهم الخيالات، علها تساعدني، كضرير أتحسس الطريق وسط الفراغ، ماذا قد يفعل ضرير مثلي فى ذلك العالم-النفق..؟!! على الأشواك أسير، أنحرف إلى اليسار قليلا.
-صلاة الفجر أثابكم الله.
-استقيموا يرحمكم الله.
مثل كل مرة أدلف فيها إلى المسجد أعتدل بين بعض المأمومين ، كتفي وقدمي عهدٌ وميثاقٌ، تخترق أذني همسات خافتة، أتفل ثلاثًا.. الصحراء مقفرة، الماء شحيح، مثابرا أنبش تلك الرمال بفأس صدئة، أزرع صحراء جدباء، اللون الأخضر مبهج وجميل، الشمس حارقة، العرق المتصبب من رأسي يبلل إزاري، أربط تلك العمامة برأسي، لعلها تقي رأسي الأصلع شدة حرارة الشمس، لم أكن يوما أصلعًا، فى شبابي كنت أتباهى بشعر رأسي؛ خصلاته قوية وناعمة، أسود حالك، كشعر فرس أصيل، أمام مرآة قديمة مهشمة أتأمل طويلا تجاعيد وجهي كتمثال من شمع، أمام أفراد العائلة الكبيرة، أمام النساء الكثيرات، من تجمعن حولى، من أردن امتلاك فحولتي، أنحرف إلى اليسار كثيرا، هل ضللت الطريق؟!!.. لكنني حينما ضاجعتهم -ولقد ضاجعتهم جميعا- أصابني الملل، مللتهم، مللت العالم، وكأن الله أراد ذلك، وحينما أتاني الوحى، رحلت في أرض الله الواسعة، مرتلا:-
*
عَقـُدْ النبوّة مِصْباح من النــور​مُعَلَّقُ الوَحي في مشكاة تأمــور
بالله يُنْـفَخُ نَفْـخ الروح في جَلَدِي​بخاطري نَفْخَ اسرافيلَ في الصور
إذا تجلّى لطــوري أن يُكـَلّمني​رَأَيْتُ في غيبتي موسى على الطور

(2)
النفق واسع طويل، اليرعات تنير جانبي النفق، الإضاءة باهتة، السقف متشقق، قد ينهار وقتا ما، أعتدل جهة اليمين، أَجُرُعظامي ولحمي، أَجُرُ خطيئتي، أسمع أنَّات المتألمات، لا أراهم، لم أعد أعبأ بهم، لم أعد أعبأ بأحد، يتشبثن بلحمي وعظامي، يترجونني أن أخلصهن من آلامهن، وعذاب أجسادهن، أستغفر الله ثلاثًا، أقلب حبات سبحتي ، يلقبونني بالطاهر والمطهر، يضعن تاجًا من اﻷشواك فوق رأسي، مكللا به، أصلب فوق منبر المسجد .

(3)

-أنت طاهر، طاهر ونقي.
-ذنوبنا بيدك، طهرنا من الخطايا.
ادفعهن بعيدًا عني، قطّعن أيديهن، أتركهن وخطيئتي، يمزقن لحمي، يطحن عظامي، يدفعونني إلى فوهة معتمة.. فأسقط.
اﻷصوات الهامسة تعلو: التوبة على الطريق نجاة .
السقوط يلازمني فى غيابات الجب، يلتقطني بعض السيّارة، يعجنون عظام جسدي بلحمى وبخشب الصليب -وكأن الصليب يناديني- أندمج فيه، الصليب ضخم وعالٍ، وحينما أقابل السماء بوجهي، تأكل الطير من رأسي… ووسط المأمومين، أسجد، يسجدون، الأمام يكبر، يبتهل إلى الله ..” يغفر الذنوب جميعا” .
أُرفع إلى السماء …

*( من ديوان الحلاج )

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق