ثقافة المقال

أحلام معطلة على ضفاف الوهم

” بين حكمة التفكير …وحماقة التصرف ، يخبو نور الحياة المقدس ، وتنكسر رؤى القيّم فوق جدران الأنا “

معمر طاهر الشريف

• أحلام الواقع:
نحلم ونتمنى كلنا في العالم العربي الإسلامي و نود أن نسمع صوت الحق ، ونرى صور العدل ، لكي تستقيم الحياة ، وتتعاظم سلطة القوانين ، وينال كل منا حقه كاملا حين يطلبه ، وتنتشر العدالة ، ويرتفع الظلم من حيثيات أيامنا ، فنحلم بالسعادة المطلقة ، وقد نعيشها إذا نجحت الأمة في التعامل الصحيح مع مبادئ هذا الدين الحنيف ، والمبادئ السامية ولم تخطئ في التطبيق ،
و أول ما يتبادر إلى أذهاننا حول تحقيق هذا الحلم المشروع هو وجود حاكم قوي يجأر بهذا ويعلن عن حلمنا ويذيعه بين الناس ، و يبدأ بالتطبيق الصارم للقوانين ، ويطارد المخالفين ، ويتشدد في إعلاء سلطة الحق المستنبط من الشرع الحنيف الذي تبنيناه ، ونود كذلك أن يجابه بكبرياء ، وثقة تامة بالنفس الأمم الأخرى التي تعادينا ، ولا تقاسمنا رؤانا ، ويتحداها في إقامة العدل وتوفير الرفاهية لشعبه وأمته .

الانفصام المكبوت:
ولكن ماذا لو التفتنا إلى أنفسنا أنجدها قادرة على تحمل أعباء هذه الإجراءات التي نراها صحيحة وسليمة عندما نطبقها على الآخر ،..؟ هل سنكون مؤهلين لتقبل ما نود أن يسري على غيرنا ، ونضحي طائعين محتسبين على الذي آمنا واقتنعنا به ، وتمنيناه في حياتنا ؟ أم أننا كنا نتمنى فقط ، وأول من سيخالف هذه القوانين إذا مست بمصالحنا وهددتنا من قريب أو بعيد هو نحن ، وحينها فقط سنبحث عن الثغرات التي يمكن أن نتملص من خلالها متسللين لواذا ، مبتعدين عن هذه القوانين وعن سلطتها ، ونعطي الحق لأنفسنا واسعا لمعاداة ما كنا نجاهر بحمايته وتقديسه والدعوة إليه .
وقد نثور على الذي تمنيناه قائدا ، ونصفه بالنقص والطغيان ، لأنه أراد بأمانة وصدق أن يطبق الذي أوهمناه أنه الحق المطلق ودفعناه إلى إقامته والتضحية من أجله .وتكون نفوسنا المريضة هي الصخرة التي تتعثر فوقها كل محاولة إصلاح ، ونماء وتقدم ، لأننا نرى أن لا نصيب لنا في النهاية نجنيه من كل هذا ونهتف عاليا مع الشاعر :
ولا يجد الخير خيرا ،إذا لم يكن خيره،…
هل المبادئ والقيم التي كنا نحلم بها في واقعنا ، والتي بإمكانها في نظرنا أن تنتشلنا من براثن الفوضى ، وتمهد لنا الطريق مستويا لنحيا حياة هنيئة ، مطمئنة ، هي القوانين والمبادئ والقيم التي يجب ان تفرضها الحقيقة والمنطق ، أم أنها التي يجب أن لا تكون لها قيمة إلا إذا رضينا عنها نحن وأعطيناها إشارة الانطلاق للعمل في الحياة والواقع ، ؟
هل القيم التي ننادي بها ، وقد لا نرضى عنها في كثير من الأحيان هي القاصرة عن بلوغ ما انتظرناه منها لأنها ناقصة وغير كاملة ، أم نقصها يكمن في عدم تطابقها ، وعدم استجابتها لهوى أنفسنا الضال ، ونزواتها الأنية الضيقة ..؟
هل حين أدعو إلى تطبيق فكرة ما ، أو مبدأ ما ، أو قانون ما على الآخر ، سأكون أنا نفسه حينما يُطبق عليّ ، وتنتشي نفسي عندما تطبق ما ألححت تطبيقه على الناس ، هل أتعاطى بالقدر نفسه وبقوة وأمانة مع الذي أريد أن أطبقه على الآخرين عندما أفرضه على ذاتي ، وهل دائما أنجح بالنسبة نفسها مع ما أفكر فيه وما أطبقه ؟

نزوات النفوس المريضة:
هذه هي هوتنا الواسعة بين النظرية والتطبيق ، وبوننا الأوسع بين التفكير والتصرف ، هل كنا بالفعل ندعوا إلى ما كنا ندعوا إليه لوجه الله ..،؟ وحبّا في المجتمع الذي نعيش فيه ؟ أم لإشباع بعض الرغبات المشبوهة التي تملأ نفوسنا ، كإظهار حبنا للدين والمبادئ والقيم والدفاع عنها ، ونوهم الناس بالتضحية من أجلها .. والدعوة إليها ، لكننا نفتح مصراعي الجشع مشرعة أمام نوايانا الخبيثة ، لتوفر لنا الحيز شاسعا لخدمة أغراضنا الشخصية الضيقة الخاصة ، المادية منها والمعنوية …
لماذا نبدع ونغالي في إتقان العمل عندما نكون وسط الجمع ، وبين الناس ، أما إذا خلونا إلى أنفسنا فلن تنال لا عبادة ولا معاملة ، ولا عمل آخر الحظ الأدنى من اهتمامنا .
نتكلف الاحترام والأدب الرفيع والرفق مع غيرنا ما دمنا معهم ، ونسلقهم بألسنة حداد حالما نتوارى نحن أو هم عن الأنظار ، ونمارس عبثية الانفصام في أعتى مراحل تجلياتها .
لماذا نطبل عاليا للفكرة عندما تكون قوية في بدايتها وتوهمنا بإمكانية فوزها ونقدسها ، ولكن عندما لا تجد الدعم اللازم وتتراجع تحت وطء خيانة أصحابها ، أو ضربات الآخرين وتفتر جذوتها نتخلى عنها ونتخلى كذلك عن أصحابها الذين دفعناهم بجهلنا ، وحماقتنا ،وأنانيتنا ليتزعمونا في الدفاع عنها وكلفناهم بتمثيلنا واحتلال الخطوط الأمامية ونكون نحن السند لهم ، لا يصيبهم مكروه ما دمنا وراءهم .
هل اختيارنا للفكرة كان على أساس صحتها ونقائها وقيمتها في واقعنا الذي نعيش ، أم على أساس تحقيقها لبعض أهدافنا الشخصية التي كنا نرجوها أن تتحقق تحت غطاء هذه الفكرة أو تلك …؟
لماذا ندافع عن القيم التي نرى أنها يمكن أن تحقق بعضا من أمالنا وأحلامنا في الحياة وعندما لا نجد فيها حظا لأنفسنا ، نتبرأ منها ونعاديها في النهاية ونبلي البلاء الحسن في هذا العداء …؟

بين براثن الخبث وغباء الإمّعة:
ما نراه جليا في واقعنا المعاصر المحموم ..كثرة المهللين والمطبلين لهذه الأفكار النظرية التي يريدون تطبيقها على الغير والتي تمكنهم من الوصاية على الناس ، واعتلاء رقابهم ، وإدارة دفة حياتهم بسهولة بالغة لأن هؤلاء المساكين ينخدعون بكل ما هو ديني و أخلاقي ، ويعتبرونه حقيقة مطلقة لا جدال ولا مراء في صدقها وصفائها ، والويل كله لمن عارض أو ناقش …ومارق هو من أبدى أدنى اعتراض …ومشكوك في هويته وعقيدته من لم يقبل ما يطرح ونصب له العداء …
والحقيقة التي لا شك فيها أن الشخص في مثل هذه الظروف ينطلق في الذي يريد تطبيقه على الناس ، من حُكم نظرته هو شخصيا للأحداث ، وليس بحكم منطق الأشياء ذاتها ، وينتصر لشخصيته ، وأناه ليدافع عن فكرة ما ،تتقاطع مع أهدافه مراميه وليس انتصارا للفكرة ذاتها ، ومنهم من ينتصر للشخص وليس لعلمه أو فكرته ، فتراه يقدس الفكرة لأنها صدرت منه ، وليس لأن الفكرة تستحق التقديس ، وإن حدث و أن أوحى إليه أحد بفكرة أعظم وأنقى وأنفس ، فقد لا يلقي لها بالا ولا يهتم بها ، وقد يعاديها ويسفهها لأنها صدرت عن غير الشخص الذي يؤمن بأفكاره ، ويتبعه ويكيل له الولاء سرا وعلانية ، ولا يحق له أبدا أن يعصي له أمرا ، حتى ولو كان وهما .
وهنا تتقاطع خيوط الحقيقة القاصرة الناقصة و تتشابك كخيوط العنكبوت لتنتج لنا الأوهام الجميلة التي نرضى أن نتعايش معها بكل رضا …

وأخيرا:
حين ينسجم تفكيرنا النظري الذي عادة ما يكون صحيحا قبل تطبيقه في الواقع ، مع هذا الواقع الذي نود تطبيقه فيه .
وحين يتصل العقل المبدع والمخيلة المنتجة مع جوارح الجسم المتحمسة التي تنتج العمل وتشتغل بدقة مع الذي تم التفكير فيه وتخيله .
و حين يدرك كل شخص في المجموعة إدراك الواعي الفطن بتوظيف عقله والانتصار لندائه المقدس في الحياة ، وعدم اقتفاء الأثر معصوب العينين مستسلما دون رضا واقتناع … ويرضى الكل عن الكل .
حينها فقط سنوفق بين حياتنا النظرية وحياتنا التطبيقية …وننظر لنطبق ، ويكون واقعنا الذي ينتظر التطبيق هو الذي دعانا إلى التفكير العميق ….وننجح في إدارة دفة المجتمع إلى الأحسن والأهم والأعظم .
وعندما يتحقق هذا الحيز الذي يعتقد فيه أنانا جازما أنه يرضى لنفسه ما يرضاه للآخر ،ويتباهى في تطبيق ما يراه صحيحا على نفسه قبل أن يأمر بتطبيقه على الغير ، وقتها يمكن أن نضع حجر الزاوية لنؤسس لعالم جديد ، ينمو ، ويتعالى يوما بعد يوم وسيعلننا هذا العالم راغبا طائعا سادة عليه ، ويرضى أن نسيّره لأننا نحن من أوجدناه ، وسيستجيب بكل احترام وتقدير للذي نريده منه .
وسنجد حتما فانوسنا السحري الذي نستدعي منه ماردنا النائم الخامل المسجون بين طيات أنانيتنا وجشعنا وفوضانا ،ليكون متأهبا ، وعل استعداد كامل للبذل والحركة والنشاط ويستجيب لمرامينا ولأهدافنا ولتطلعاتنا مهما بالغت في الغلاء ، وتتحد طاقاتنا كلها ، و نخطو الخطوات الأولى الأساسية في الدرب الحقيقي والصحيح للحياة ، وحتما ستستقبلنا أهرامات العلم والمعرفة والثقافة والإبداع لاعتلاء صهوتها والتطلع إلى قممها ، وتأصيل كل ما هو جميل وممتع ومفيد في الحياة ….

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق