ثقافة المقال

التراث الفكري لسراج الدين ابن الملقن من عصر سلاطين المماليك

حماده عبدالحفيظ الرخ

خلال عصر سلاطين المماليك (648-923هـ /1250 – 1517م)، ذاع صيت عدداً من العلماء الذين عرفوا بكثرة عدد مؤلفاتهم وتلونها بألوان وأصناف العلوم الدائرة حينها، ومن هؤلاء سراج الدين ابن الملقن الذي ذاعت شهرته بسبب كثرة مؤلفاته التي تجاوزت الثلاثمائة كتاب، في مجالات علوم الفقه وأصول الفقه والحديث والتاريخ والنحو وغيرها.
اتفق المؤرخون على ترجمته أنه، سراج الدين أبو حفص عمر بن أبى الحسن على بن أحمد الأنصاري الأندلسي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة (723 -804هـ/1323-1401م )، اشتهر بابن الملقن بسبب أن أباه أبي الحسن النحوى- المتوفى بعد عام واحد من ولادته- كان قد أوصى به وبأمه إلى أحد الرفاق، وهو الشيخ شرف الدين عيسى المغربى ملقن القرآن بالجمع الطولوني، الذي تزوج بأمه فصار يعرف بإبن الملقن.
وكان والده أبو الحسن علي الوادآشي الأندلسي (ت:724هـ/1323م) قد قدم القاهرة واستوطنها بعد رحلة طويلة بدأت من بلاد الأندلس ثم المغرب ، مروراً بالسودان، ووصولاً لمصر، فكان له دور في دراسة الفقه المالكي ونشره، نستدل على هذا بأنه وضع تعليق ضخم على الرسالة لابن زيدون.
وعد سراج ابن الملقن واحداً من أصحاب الجمع التأليفي، حيث كثرت مؤلفاته في مجال علم الحديث مثل كتاب “الإشراف على الأطراف” الذي يقع في مجلدين جمع فيهما أطراف سنن أبي داوود، وجامع الترمذى، والنسائى، وابن ماجه وكتاب “ما تمس اليه الحاجة على سنن ابن ماجه” حيث شرح ابن الملقن فيه زوائد كتاب “سنن ابن ماجه”.
كما كان معدوداً أحد أربعة من المحدثين اشتهرت بهم مصر في عصره، يُدْلِل على هذا قول سبط ابن العجمي ” حفاظ مصر أربعة أشخاص، البلقيني وهو أحفظهم لأحاديث الأحكام، والعراقي وهو أعلمهم بالصنعة، والهيثمي وهو أحفظهم للأحاديث، وابن الملقن وهو أكثرهم فوائد في الكتابة على علم الحديث …”، وأهم مؤلفاته في هذا الشأن “ما تمس إليه الحاجة على سنن ابن ماجه” حيث شرح ابن الملقن زوائد “سنن ابن ماجه” عن الكتب الخمسة، أي الصحيحين وسنن أبى داوود والترمذي والنسائي وذلك في ثمانية مجلدات وكتاب “البلغة في الحديث علي ترتيب أبواب المنهاج” وقد اختص هذا الكتاب بأحاديث الأحكام مما اتفق عليهما الشيخان، و”كتاب التذكرة في علوم الحديث وشرحها “حيث لخص فيه الشرح من كتابه “المقنع”، وقد اشتمل كتابه”حدائق الحقائق “والمعروف باسم “حدائق الأولياء” على نحو ألفي حديث، ومن حكايات الصالحين نحو ستمائة، خلاف الآثار والأشعار والنوادر، وثمة شيء نلاحظه، وهو أن مؤلفات ابن الملقن ظهر فيها الاعتماد على مؤلفاته الأخرى بصورة واضحة؛ فلا يكاد يبرح من كتاب إلا يعقبه بشرح أو بمختصر أو بتذييل أو ما شابه ذلك.
وعن دور ابن الملقن في الدراسات الفقهية، فإننا نجد أن دوره قد تشابه مع دوره في علم الحديث من حيث تعدد التآليف المتشابهة وكثرة تعليقاته وتقديمه مجموعة من الشروح على الكتب الرئيسة في الفقه؛ ومن هذه المؤلفات “إرشادات النبيه إلي تصحيح التنبيه”، و كتاب “أمنية النبيه فيما يرد على تصحيح التنبيه”، وكتاب “البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير”، وكتاب “تذكرة الأخبار بما في الوسيط من الأخبار”، وكتاب”شرح العمدة”.
وفي مجال الكتابة التاريخية نجد له مؤلفات في الطبقات مثل كتاب”طبقات القراء”، وكتاب “طبقات المحدثين”، وكتاب “طبقات الأولياء”، وهو كتاب جمعة في تراجم مشايخ الصوفية منذ منتصف القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي إلى وقت تدوينه هذه المجموعة، كما ترجم للقضاة في كتابه “نزهة النظار في قضاة الأمصار”.
ووضع في مجال السير كتاب”غاية السؤل في خصائص الرسول” وهو كتاب في الخصائص النبوية، كما وضع كتاب”درر الجواهر في مناقب الشيخ عبد القادر”وهى رسالة في مناقب الشيخ عبد القادر الجبلي إضافة لما سبق فإن لإبن الملقن كتاب في التاريخ العام وهو”نزهة العارفين في تواريخ المتقدمين ويسمى كذلك “تاريخ ابن الملقن” كما يسمى “تاريخ الدولة التركية” وموضوع هذا الكتاب الحديث عن حكام مصر الترك وهو من الكتب المفقودة.

وقد تأثر ابن حجر العسقلاني (ت:852ه/1448م) بابن الملقن في فترة وضع التصانيف- إذ صحبه وقرأ عليه الكثير من شروحه- لاسيما خلال وضعه لمصنفه “رفع الإصر عن قضاة مصر” حيث اعتمد على كثير من تصانيف ابن الملقن الذي كان قد وضع كتاب”أخبار قضاة مصر” ، كما قدم ابن الملقن خدمة جليلة للعلم حيث أنشأ خزانة كتب ضخمة، جمع فيها عيون الكتب التي كانت معروفة يومئذ، منها ما هو ملكه ومنها ما هو من أوقاف المدارس لاسيما المدرسة الفاضلية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق