ثقافة المقال

علي شريعتي .. دليل النباهة والعودة إلى الذات

محمد بن زيان

كتب علي شريعتي ”العودة إلى الذات”، وكان العنوان من محاور تفكيره المركزية· والعودة في عنونة شريعتي موصولة بما تشبع به من تكوين متنوع ومتسع، ومن خبرات وعلاقات، ومن وحدة بين تفكيره وممارساته العودة مرتبطة بما هو أنطولوجي وروحي وأنثربولوجي وأيديولوجي، فالدائرة تهندس حراك حول نواة أصلية، نواة هي رحم يتجدد معه ما عبّر عنه نيتشه بالعود الأبدي، هو عود تعكسه شطحات المريدين في حلقات الذكر والجذب وتعكسه المنمنمات بتكرار يتوالد ليكتب تناسل يهندس الوجود، هو عود مرتبط بعودة الإمام الغائب·· هي عودة نحو الأصل باختراق ما تراكم من طبقات حاجزة، هي مصالحة متبصرة مع الذات· ولكنها ليست عودة استنساخ، إنها عودة مبدعة لميلاد متجدد، تتجدد به صوبة الرحم الولاّد· عودة بعروج متصل للوصل بالحق، وكما يقول البسطامي: ”الخلق يعرجون إلى الحق والحق ينزل إلى الخلق” وبهذا التوجه كان يتعاطى شريعتي ناسوتيا مع اللاهوت·

العودة لا تعني الغرق في الماضوية عند شريعتي، بل تعني ما ضمته كتبه من طروحات لها علاقة بما يتصل بنظرة ثورية حوّلت مع الثورة الإيرانية ـ التي كان شريعتي من ملهميها رغم أنه رحل مغتالا قبل تحققها المهدوية إلى حركة فعل وليس سكونا في انتظار عودة المهدي من غيبته· وعلي شريعتي المفكر الذي تثاقف مع الفكر الغربي وتفاعل مع الماركسية، تواصل مع المرجعية بقراءة نابضة بالفعالية، قراءة جعلته يعيد بناء منظومة قيمية انطلاقا من إعادة تمثل سيرة أهل البيت ومن إعادة قراءة بعض القيم والمعالم الدينية·

شريعتي كان فاعلا في النضال ضد الطاغية الشاه، وكان متفاعلا مع حركات الثورة ومنها الثورة الجزائرية التي اتصل ببعض رجالها لما كان يدرس بفرنسا وتفاعل مع كتابات فرانز فانون، وذكر بثناء كتاب عمر أوزقان ”الجهاد الأفضل” ورواية ”نجمة” لكاتب ياسين· والقارئ المتدبر لكتابات شريعتي سيرصد بعض ما يحيل لما طرحه مفكرنا مالك بن نبي، كما سيستحضر طينة من المفكرين كإدوارد سعيد، أي من ارتبطوا بالموقف ولم يحجزهم النظري عن الممارسة·

علي شريعتي من النخبة التي أنضجت الخميرة الثورية في إيران وكان التحضير رائعا بتلاقي التيارات قبل أن تشهد الثورة بعد انتصارها ما حدث من صدامات وتصفيات· ولا يمكن قراءة الفكر بمعزل عن سياقات تشكله ومسارات تبلوره، وفكر شريعتي موصول ببيئة لها مستنداتها المرجعية المتنوعة والمختلفة، بين مرجعية فارسية عريقة وإرث إسلامي شيعي، وتراث صوفي وإشراقي· وهو فكر متصل أيضا بتيارات عصره الوجودية والماركسية وغيرها من التيارات· وعلي دارس السوسيولوجيا كان رجل ميدان احتك بالشرائح الإجتماعية وعاين الأحوال والتحولات··· ومن هذا الرصيد المتسع تشكلت عبارات شريعتي، وهي تبعا لذلك عبارات مكثفة· فالعودة إلى الذات في طرح شريعتي هي كما طرحها بقوله: ”العودة إلى الثقافة الإسلامية والأيديولوجية الإسلامية وإلى الإسلام لا كتقليد أو وراثة أو نظام عقيدة موجود بالفعل في المجتمع بل إلى الإسلام كأيديولوجية وإيمان بفترة الوحي وأحداث المعجزة في هذه المجتمعات، هذه الذات قديمة وعتيقة، ذات سجلت في التاريخ، ذات قطع أمد طويل من القرون علاقتنا بها، تلك الذات موجودة في التاريخ، وهذه العودة لا تعني العودة إلى عراقة الحمار بل هي العودة إلى الذات الموجودة بالفعل والموجودة في قلب المجتمع وفي وجدانه تصير مثل مادة ومنبع من منابع الطاقة تفتت على يد مفكر وتستخرج وتحيا وتتحرك· هي الذات الحية ليست تلك الذات العتيقة القائمة على عظام نخرة، هي القائمة على أساس الإحساس العميق بالقيم الروحية والإنسانية عندنا والقائمة على أرواحنا واستعداداتنا والموجودة في نظرتنا إلى الأمور”· ويحلل شريعتي، كما حلل بن نبي، المشكلات الحضارية، فإذا كان بن نبي تحدث عن تصنم الفكرة فشريعتي توقف عندما يترتب عن الذي يصرف عن الذات الحية، فقال بأن الذي صرفنا: ”هو الجهل والانقطاع عن النفس”· تحدث عن الذاتئ الممسوخة التي ترتبط بعبادة التقاليد وعبادة القديم، ولقد تحدث مالك بن نبي عن ما يميز إنسان ما بعد الموحدين أي مسلم عصور الانحطاط من مراهقة نفسية· وبلور شريعتي مفاهيم في دراساته منها الاستعمار ووظف عندنا بن نبي مفهوم القابلية للإستعمار· الاستحمار هو كما بينه شريعتي ”دافع لانحراف أو طلسمة الذهن وإلهائه عن الدراية الإنسانية والدراية الاجتماعية وأشغاله بكل حق أو باطل مقدس أو غير مقدس”· وفصل في أنواع للاستحمار· وضد الاستحمار هناك ما يسميه مفكرنا بالنباهة ويعرفها قائلا: ”إن الشيء الذي يدعوني دائما من خارج هذه المشاغل التي تجعلني ضحية لها ويدفعني إلى نفسي هو النباهة الفردية أو النباهة النفسية، تدفعني أمام المرآة كل يوم· المعرفة النفسية أو الدراية أو النباهة الموجودة عند الفرد بالنسبة إلى نفسه هي فوق معرفة الفلسفة والعلم والصنعة، لأن الأخيرة معرفة وليست معرفة نفسية أي ليست الشيء الذي يريني نفسي، يستخرجني فيعرفني ذاتي، الشيء الذي يلفت انتباهي إلى قدري وقيمتي، فقيمة كل أحد بقدر إيمانه بنفسه”·

هذه النباهة هي ما تتصل بذلك التفعيل لقيم ورموز ومرجعيات، وإعادة توليد ما يلهم ويحررنا من السجون التي تحجزنا وتحجز عنا التبصر وتدفعنا نحو الاستحمار· ربط شريعتي الوجود الإنساني بالفعل والنضال والكفاح، فعنده البشر كينونة والإنسان سيرورة، ومن هذا المنطلق يرى التفكير موصولا بالفعل، فرسالة المفكر كما يقول: ”هي حركة الحياة وهداية المجتمع وتغيير الإنسان وانضاجه أو تحسن حاله، فهو الآخذ بزمام القافلة والمهمة الملقاة على عاتقه هي معرفة الطريق والمخاطر وتعبئة الناس والتناسق المعنوي في القافلة، فعلى المفكر أن يجعل المجتمع على وعي ذاتي والسمة البارزة للمفكر هي معرفة مجتمعه معرفة حقيقية ومباشرة والتفاهم مع قومه ومعرفة عصره والإحساس بآلام العصر وحاجاته ومثله، وهو من ينبغي عليه أن يحدد في أي مرحلة من التاريخ يعيش مجتمعه أو بعبارة أخرى ما هو زمانه الاجتماعي”· ومن كلمة مفكر تتفرع توصيفات منها المفكر المسؤول الذي هو ”نظير الرسل” يمنح البشرية ”الوديعة الإلهية الكبرى أي المعرفة والوعي، وذلك أن الوعي هو الذي يبدل الجماهير المنحطة الراكدة إلى مرجل بناء في حالة فوران ولأنه الوعي هو الخلاق للعبقريات العظيمة والقفزات الواسعة” والمفكر هو ”الماحي للظلام والظلم”· توقف شريعتي عند محاور متعددة وبلور اصطلاحات للدلالة على ما يبنيه فكريا، ومن ما بلوره حديثه عن جغرافية الكلمة، فشريعتي يرى أنه يجب فصل الكلمات المطروحة فلسفيا وعلميا عما يطرح اجتماعيا وسياسيا، فمجتمعيا وسياسيا ينبغي، كما يذكر شريعتي: ”أن تتدخل جغرافيتها أيضا في البحث والحكم تدخلا مباشرا وإغفال هذا الأمر يؤدي إلى عواقب وخيمة لا تعالج، وهناك أحكام علمية أفدح وأشد ضررا من الجهل المطبق والأحكام الجاهلة، وهذا بسبب أننا في طرح قضية فكرية في المجتمع نبحث فحسب في أسلوبها العلمي الصرف، بينما ننسى قرينتها الجغرافية أوالزمنية”· ما طرحه يحيل إلى ما طرحه ميشال فوكوعن الإبستيمي أو المنظومة المعرفية المتصلة بالسياق الاجتماعي والتاريخي، وما طرحه بيار بورديو عن الساحات أو الحقول المعرفية التي تصاحبها حقول دلالية·

ما يتميز به شريعتي هو الطابع المركب لأطروحاته، فهو يستلهم من المرجعية ويقرأ اللاهوت قراءة ناسوتية، فالإنساني محوري وفي صلب اشتغاله، ويرتبط بالاجتماعي، وهو الدارس لعلم الإجتماع، يتعاطى مع الدين برؤية تفعيلية له كموّلد لطاقة الثورة على الظلم، ولقد كانت بدايته مع نشر الكتب ترجمته في سنة 1956 لكتاب ”أبوذر الغفاري” الذي كتبه عبد الحميد جودت السحار· ولأبي ذر تموقعه المعلوم في تاريخنا الإسلامي· وتغذت أطروحات شريعتي بالفعل، وبالمعاناة فهو تعرض للسجن قبل بلوغه العشرين من عمره· والهاجس الاجتماعي جعله يتواصل مع اليسار· وكما تحدث عندنا الطاهر بن عيشة في مناظرته مع الشيخ حماني عن الإسلام الثوري والإسلام المتأمرك، تحدث شريعتي عن مواجهة بين ضربين من التشيع، تشيع أحمر وتشيع أسود، تشيع الثورة الذي كانت مقولته ”لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل”، وهذا من القرن الثاني إلى القرن الثامن بالتقويم الهجري، حين كانت روح الثورة من أجل العدالة والانعتاق من العبودية··· في حين يرتبط التشيع الأسود بالمرحلة التالية وبالعهد الصفوي وأصبح التشيع مرجعية الدولة بتأويلات مرتكزة على مقولة ”تسعة أعشار الدين في التقية”· ما يقرأه شريعتي يتقاطع مع اتجاهات باشرها البعض بمنطلقات ومرامي قد تختلف عن استراتيجية شريعتي، اتجاهات الحفر في التراث لبلورة النزعة الثورية، كحفر الباحث الماركسي العراقي الراحل هادي العلوي·

وما بلوره شريعتي يكتسب أهميته في ارتباطه بالواقع وبما يشكل ملهما مفعلا لديناميكية الصياغة التاريخية وتحقيق دور الشهادة للأمة الوسط· استمد ذلك من سيرة الإمام علي والحسين وأئمة أهل البيت·· ومن قراءته لبعض المحطات والرموز كليلة القدر التي خصها بكتيب صدرت ترجمته الفرنسية بتقديم لجاك بيرك· كتب علي دليل النباهة ومعالم العودة إلى الذات، كتب ما يظل ممتلكا لحيويته·

 

 

*كاتب وأكاديمي جزائري

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق