ثقافة السرد

“سعاد”

بقلم: نصير العراقي

– حمد لله على السلامة.. ما الأخبار؟ هل من جديد؟
– لا الحال على ما هو عليه.
تنهد بحزن، وزفرة عميقة، ثم أكملت.
– إني متعبة أريد أخذ قسطا من الراحة.
– حسنا أمي.
الباب يغلق بهدوء، وهو يصدر ذلك الصوت المزعج.
العينان تتخبطان بين الجدران، ثم إعطاء الإذن للدموع بالجريان على الخدين بغزارة.
زفرات الألم النابع من أعماق النفس المتألمة تخرج لتحرق بلهيبها جدران الأمل، فتحيلها إلى رماد.
– يا إلهي ما الذي سيحدث لنا؟! لما أنا دون غيري؟! لما، لما.. الأفواه والأنياب، والأنفس الحقيرة تتربصن وهو بيننا، فما الحال إذا وقع المحذور، والمحذور حاصل وعاجلا غير آجل.. تبا لك، يا دنيا كم أنت قاسية مرة طعمك أمر من مرارة المرارة.. طفلة فارقت أهلي، ومراهقة حملت أول همومي بين أحشائي، وها أنا وقد وصلت نهاية العقد الثالث من عمري، والذي لم تكن لي معه حياة إلا كحياة المغتصبة مع مستبيحها سيرحل، ويترك لي جبالا من الاوجاع، وسماء من الألم، وبحر لا قرارة له من أطماع أقاربه جياع الارواح الذين لا يعرفون الرحمة، ولا يعون معنى الإنسانية.. لماذا هكذا يا دنيا؟ أيعقل بعد كل تلك السنوات من الصبر على أبشع طرق التعامل، والحياة المليئة بالذل والإهانة يغادر!! كان رغم كل شيء اسمه أب للصغار، وحصن رغم تهالكه إلا أنه يقي من هجمات الضباع.. ساعات أو أيام، وسأكون لقمة تمضغ، ثم تبسق لتسحقها الأقدام تحت ذريعة الحفاظ على أبناء الابن أو الأخ.
العينان تتجولان بين زوايا الغرفة كأنهما تبحثان عن حل أو شق في حائط ينفذ من خلاله البصر إلى بصيص من أمل، لكن دون جدوى.. أينما يهرب البصر يجد أمامه تلك الأفواه الجشعة، والقلوب المتعفنة.
تعود العينان لتنظران إلى الجسد الذي أذلته السنين.
– لماذا فعلتي بي هذا؟ لماذا؟ أخرجتني من بيتك تجريني ممسكتا بيساري ، وفي يميني لعبتي الصغيرة.. لم أعي حينها ولم اعلم إلى أين.. لم أتصور أنك تزفيني إلى القصاب الذي سيقتل في كل معنى للطفولة، والذريعة في ما فعلتي أنه قريبك، وغني – ههههه – تعالي الآن أخرجي من قبرك، وأخبريني عن الغني السكير الذي خسر جل ثروته في مغامراته الجنسية القذرة.. تعالي شاهدي الغني وهو في المستشفى يصارع من أجل الحصول على القليل من الهواء ينتظر لحظة استلال روحه المجرمة، تعالي تصفحي الوجوه؛ أمه مع إخوته ينتظرون اللحظة التي يزف لهم بها الخبر بفارغ الصبر للانتقام مني، ومن أطفالي، فثأرهم معي أكبر من كل ثأر، والسبب بسيط.. طفلة بلهاء كما يصفوني تمكنت من إخراج ابنهم البكر من بيت العائلة بعد أن باعت كل ما تملك من مجوهرات لتشيد شيء أشبه بالبيت يبعد عن عاصمة كيانهم المقيت بضع أمتار.
يعود البصر للتجول في الغرفة باحثا من جديد عن بارقة أمل أو بصيص حل، فيصدم بعدد من العيون الحمراء الغاضبة التي تطارده.
إحساس مفاجئ بالبرد يخترق الجسد، ثم محاولة أخرى للبحث مجدد، والهدف الزاوية البعيدة، فتبرز ألسن كالسياط لاذعة تحاول جلدها.
صرخت مدوية…
– لا لا لن أمكنكم مني.. لن أكون ضعيفة انهزامية مهما حصل.. تبا لكم إن الله معي وسينصرني عليكم.. لن أترككم تجلدوني من جديد بكلماتكم.. لن أترك لكم الخيرة من أمري.. إن ابتليت بما اتوقع سأكون أقوى مما تتخيلون.. نعم ستجدون صرحا شامخا من الفولاذ، وأترك البكاء، والخوف، والصراخ يتجول ويعيش داخلي فقط لن أخرج منه شيء.. أعدكم ستضيع فرص ضحككم علي التي تخططون لها.. في أحلامكم تجدونها.
جلبة في الخارج، وأصوات قاطعت كل الكلمات، والاختلاجات.
العين توجهت إلى الساعة، فأبصرت عقاربها متوقفة، فعرفت أن الأمر حصل، ثم نظرة إلى المصباح، فلم ترى منه سوى بصيص ضعيف من نور.
الباب يفتح بعنف، وعجوز مكتسية بالسواد ذات وجه قد أظلم حقدا تدخل صارخة، وهي تقول:
– لقد مات، مات.. لقد مات يا “سعاد” ارتحت الآن يا وجه البومة.
نظرت إليها ببرود، ولم تنطق إلا بكلمات قليلة موجهة لابنتها الصغيرة.
– نادي إخوتك أريد ضمهم إلى صدري.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق