ثقافة السرد

الجدار

أحمد العليو*

“ـ أين اختفى ذلك الاحتراق والاشتعال؟!

ها هي على السرير بأنفاسها التي كنتَ تترصدها، فتبعثُ فيكَ هياجا!” الستائر منكمشة في صمت، الأثواب في خزانة الملابس تحس بالاختناق، شقوق في الجدران، المكيف يشخر بطنينه المزعج. هي مستلقية غارقة في نومها، ليل بهيم تغرق فيه المدينة، وهو جالس أمام المرآة تنقر أصابعه سطح التسريحة، وضوء “الأباجورة” الضعيف يرتطم بجسده، فترسم روحه الكئيبة ظلالا أشد حلكة على الجدار. لم ينم هذه الليلة، خانه النوم الذي ما إن يلامس رأسه ريش المخدة حتى يتلاشى إحساسه عن كل شيء، أما هذه الليلة فإحساس مقيت ينخره، الغربة تتمطى في داخله، رجعت ذكرى ليلته الأولى التي نام في السكن الجامعي حين تململ على فراشه، وغول الغربة ينشب مخالبه في حلقه.

زوجته الثانية مستلقية على السرير، فمها مفتوح، بينما شعرها الأسود الخشن يتمدد على خصرها الأسمر، ورموشها الطويلة ترميه بالضجر.

حين سمع بأنهم سيُنقلون إلى مبنى أكبر حيث سيفتح قسم للنساء بعد أن تفتت الطوق الذي حولهن امتعض وجهه استنكارا لتوظيفهن، لم يعلم أنه سيكون أول ضحية لذلك الجدار الفاصل بين النساء وبين الرجال.

هذا الجسد الأسمر المستلقي كان الجدار حاجزا بينه للوصول إليها. كعبها يعزف سيمفونية جميلة بارتطامه بالسيراميك، صوتها العذب الشهي يدغدغ أذنيه لكنه كجدار خلف شاشة الحاسوب، ولكن بمرور الأيام انهار الجدار تحت عذاب موجات صوتها الجميل، فقد أحكم صوتها الطوق،وغللته إلى زنزانة حبها. كم تمنى أن تتحول يده أزميلا ليهدم الجدار الحائل بينهما في الشركة، ويعب من رائحتها التي تسكره.

الشوقُ جرّح قلبه، فجعله متصدرا للحاضرين إلى العمل لتنتظر أذناه صوت كعبها العابث به. غرفته المكتبية الضيقة أصبحت جنة واسعة، والجدار رغم قسوته ورغم وجهه المشابه لوجه مصاب بالجدري أضحى فاتنا، يضع شفتيه كل يوم على الجدار الناعم ويقبله، ثم يعود إلى منزله ومزاجه متشرب بالضجر، كأنه يلج سجنا سياسيا، يصرخ في وجه زوجته القمري، والتعجب رغم ذلك يزيد من حلاوتها! يرتمي على السرير متنفسا بقايا عطرها النافذ عبر الجدار.

تسلطن جنون حبها، لم تعره اهتماما في البداية، فظل يطاردها لكنها تجيد الهروب بمهارة، ولكنه في الآخر اصطادها بعد أن نبتت شعرة بيضاء في رأسه.

يشعر الآن بحبات الحنظل تختبئ خلف رموشها، كأنه سقط في قعر بلا نهاية. فجأة التمعت صورة زوجته الأولى على الجدار محتضنة أطفاله، عيناها الواسعتان، شفتاها الكرزيتان، جلده يفور حنينا إليها، هبطت عليه الليالي الدافئة…، القلادة الذهبية التي قدمتها إليه حينما قصمت ظهره نزف الأسهم التي أحرقت ما جمعه تحلق في سماء الغرفة، تعانق جيدها الطويل! يرتعش فكاه، يحن إليها وإلى نعومة شعرها المتموج وخطواتها التي لا تثير همسا، يهز رأسه ألما بينما أصابعه لا زالت تنقر السطح الخشبي حتى أُدميت أظفاره، وهو يفكر كيف يهدم الجدار المنتصب أمام زوجته الأولى؟!

*كاتب من السعودية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق