ثقافة السرد

الخوف القاتل

منصورالعبسي*

أيقنت أماني بأن الله قد شاءها أن تحيا حُرة و قدحباها بالعقل مثلها مثل قرينها الرجل .

أرادت أماني تلك الطالبةالجامعية ليس إلا أن تكون
كما شاء الله لها ان تكون فحسمت أمرها بعد تردد وتروي وأخذت على نفسهاعهدا بأنها
مهما لاقت في سبيل ذلك وواجهت من الأذى فلن تتراجع عن أثبات وجودها في واقعهاولونظرلها الأكثرية كحالة شاذة مقارنة بزميلاتها وقريناتها اللائي تتزايد بإطراد نسبة المحسوبات منهن على جماعة سياسية أواكثر ذات صبغة إسلامية مقابل تضاؤل نسبة البقية
حيث لاحظت أماني الحاج حسن ذلك بصورة أكبرمنذالتحاقها بالجامعة ومعاناتها من محاولات البعض إستقطابها الأمر الذي دفع بهاإلى المزيد من القراءة والبحث في القران وفي الكتب والمراجع خصوصاتلك التي تعتمدها هذه الجماعة أوتلك وتروج لها.
في الحقيقة لم تكن
أماني قد كونت قناعاتها نتيجة القرأة والبحث في هذاالمجال بل أن قناعاتها هذه كانت سابقة ولكن القرأءة والبحث تعززت
بهما قناعاتها وصولا إلى درجة اليقين كما كانا في الوقت ذاته وسيلتيها في مواجهة من يدخلن معها ومع زميلات أخرلها بنقاشات بأسم الإسلام والعفة والإحتشام ونحوه وذلك لمحاولة إقناعهن بمالديها .

إمتلكت أماني عزيمة لاتلين
انطلاقا من يقينها أنها
ستكون بذلك أقرب ممن سواهامن الله حين تكون وفق مايملي عليها عقلهافحسب ويمكنها من فهم ماأمرهابه الله ومانهاها عنه ودون أن تلقي بالا أوتضع اعتبار ا لأيٍٍ كان من بني البشر ولمالم ينزل الله به من سلطان.
وكانت قدافترضت أن تواجه أسوأ الإحتمالات ومنها أنهم قد لايتورعون حتى عن قتلهابل ولم تستبعد أن يلفقون لها تهما ماسة بالشرف أما وهي على قيدالحياة أوحتى أثرتصفيتهم لها فقدعرفت عن تلك الأساليب التي تستخدمها الأجهزة الإستخبارية السرية
والجماعات الإرهابية
التي كانت قدغدت تعتبرها إمتدادات لها بل ومن أهم وأكثر أدواتها فاعلية خصوصا في مثل مجتمعها ..
لذلك هان عليها ماهودون ذلك مما يمكن أن يلحقها من الأذى .
بل أنها كانت تزداد إصرارا على المضي قدما بل وازدادت تحمسا لتصورها بأنهاستكون أول فتاة عربية مسلمة لاتتوانى في التضحية وحتى تقديم روحهافداء في سبيل قضيتها التي هي قضية كل امرأة مسلمة لفرض حقها الإلاهي والعقلاني والإنساني والقانوني في أن تحيا حرة وسيدة أمرها
مثلها مثل الرجل فترتدي ما تشاء وتخرج كماتشاء وتمارس عملها دون أي قيودليس فحسب لكونها تتوق لليوم الذي يتحقق فيه ذلك لها ولأمثالها إنماكذلك كون ذلك يتفق تماما مع الإسلام الأصل أوالحقيقي كما تفهم وتصفه هي.

لم تكن أماني حتى ليلتها تلك قد أخبرت عما اعتزمت على الشروع بتنفيذه سوى
صديقتها فاطمة و أمها التي ظنت أنه قدأصاب ابنتها مكروها حيث ظلت تصلي وتدعوالله لها ولم تجرؤ أن تخبرزوجها الحاج حسن عن الأمر خوفا منهاعليه كونه يعاني من أمراض خطيرة ولن يتحمل معها فاجعة في ابنته البكرأماني إضافة إلى مخاوفها على ابنتها وسمعتها وهي في ريعان شبابها وغاية ماتتمناه لهاككل أم هوأن يرزقهاالله الزوج الصالح .
كما كانت قد أخبرت صديقتها الحميمة فاطمة والتي كانت قد أقنعتها فعلا
بل وصارت ربماأكثر تحمسامنها للإقدام
على ذلك مهماتكون
النتائج الأمرالذي كان
قدرفع من سقف طموح أماني لتطمح بإمكان تعاونهمامعا لإقناع المزيد ممن هُن أقرب إلى كلٍ منهما واكثر ثقة لديهن من زميلاتهن وبنات الجيران.
ولكن أماني
كانت سرعان ماأحبطت وفقدت الثقه في صديقتهاالتي خذلتها وأصابتها بالخيبة الشديدة حيث تفاجئت بانقلابها في موقفها وقناعتها السابقة تلك تماما بل وتخلت عن صداقتها لأماني التي قد دامت
لأكثر من عام .

كانت أماني لاتتوقع من صديقتها مثل ذلك
الإنقلاب ألى ذلك الحال النقيض معها
لكنها أخذت تراجع المستجدات والملاحظات التي لاحظتها مؤخراوأهمها العداء اوذلك الجفاء الذي بدأ يتنامى ضدها والذي بدأت تشعربه خصوصا في كليتها
بل واحساسها خلال اليومين الفائتن ان هناك من يراقب تحركاتها بل ويلاحقها حتى أنها
تزايدت شكوكها بان صاحب تلك الدراجة النارية التي صدمت ذلك الرجل بالقرب منها وهرب مسرعا كان يستهدفها هي .
أدركت حينهاأماني أن فاطمة قدتعرضت لتهديد اوضغوط كي تنقلب عليها بل وتقطع علاقتها بها وأنها مهماحاولت معها
لن تتجرأ على الإفصاح بذلك لها
لكنها مع كل ذلك لم تتراجع أثر ذلك عماقد أعتزمت على تنفيذه بل إزدادت إصرارا
إنهاأماني الحاج حسن
التي تشعربأنها الاغنى بين قريناتها وزميلاتها بماهوأهم من المال في نظرها وفي مقدمة ذلك الإيمان القوي الذي لايتزعزع والعقل الواعي و الحرية التي تسعى لإنتزاعها بفرضها على واقعها من خلال الممارسة اليومية.
وهذ أيضا تلك الفتاة المعروفة في محيط تعاملها ودائرة أقاربها وكل من لهم معرفة بها بالوعي والبساطة والتواضع والاعتدال في تدينها
وفي أرائها وبانها لاتحب التعصب وتناهض التطرف عموما قبل أن تصير مناهضة للتطرف الديني أوالإسلامي تحديدا والذي تحرص في حديثها وكتاباتها اللا تمنحه شرف الوصف الذي يوصف به كإسلامي .

كانت أماني ليلتها قدأغلقت على نفسهاباب حجرتها وكانت أمها تناديها وهي تردعليها قائلة نامي نامي ياأمي اطمئني سأنام حالما انتهي من عملي لاتقلقي علي ياأمي .
لكن الأم ظلت قلقة وكانت تعاود بين الحين والحين تتصنت عليها وكانت قد سمعت حركتها لكنها لم تستطع أن تفهم ماالذي كانت تقوم به ابنتها بل كانت في البداية تظن أنها تؤدي تلك التمرينات الرياضية التي تعودت أن تؤديها صباحاأومساءا لكنها بعدها أخذت تستبعدذلك فظلت على حيرتها حتى غلبها النوم .

استيقظت الأم على صوت الأب وهو يتذمر
من تأخره عن صلاة الفجر .
فنهضت من جوار إبنيها وذهبت مسرعة كي تطمئن على إبنتها فدفعت الباب فانفتح لكنهالم تجدأماني
فلاحظت النافذة مفتوحة على مصراعيها فهرعت نحوها وكان قلبها يخفق بشدة وهي تلهج بالدعاء والذكر
حتى أطلت من النافذة فلم تجدشيئا
فصرخت تلك الصرخة القوية (ياأماني ) كان أسمها آخر مانطقته إذ سقطت ارضا مغشيا عليها ولم تستيقظ إلافي المشفى لكنها كانت فاقدة للقدرة على الكلام…
لم يكن الحاج حسن قد علم بأمرإابنته كان منشغلا تماما بزوجته وماأصابها ..

عادالحاج حسن بزوجته على ذلك السريرللبيت في آخرنهارذلك اليوم الاسوأ في حياته وحياة اسرته ربما
ولمالم يجد أماني
تستقبلهم على باب البيت فناداها فلم تجبه سأل أخويها عمر وعلي
التوأمان اللذان لم يتجاوزاالعاشرة بعد
حيث كانت زوجته قدحملت واسقطت
ثلاث مرات علي التوالي قبل أن يعوضهماالله بهذين التوأمين.
حيث قالاله عمروعلي معا قبل أن ينفجرا باكيان بأن أماني لاوجودلها منذ استيقظا صباحا وعندها كانت قد وصلت جارتهم الاقرب هاجر وبعدهاوصلن أخريات ليقمن بالواجب .
سقط الحاج حسن مغشياعليه قبل ان يضع قدمه على عتبة باب منزله وذلك بمجرد أن سمعهن يتحدثن بأن ابنته قدهربت من نافذة حجرتها ليلة البارحة ليلتفت
فيسمع إحداهن تدعو الله على من ضحك على أماني لتهرب معه حسب ماكان قد انتشر
بين الجيران دون أن يعرف أحد مصدر الخبراويحاول التحقق منه أومن مصدره.
حيث كانت هاجر حينها تصرخ في وجوههن وتدعوا عليهن وهي تحاول أن
ترفع الحاج حسن الملقي على الارض دون حراك بمساعدة أخريات وكانت تقول لهن الاتخافين الله وانتن تفترين على أماني أنها هربت مع عشقيها من راها تفعل ذلك وتستطرد أماني الحاج حسن يستحيل تعمل ذلك يمكن أصدق ذلك على أي بنت من بناتكم لكن على أماني التي أعرفها اكثر منكن منذ ولادتها وحتى اليوم الله المستعان
عليكن وعلى من أفترى هذاالكذب عليها.
كانت أحداهن قدسارعت فنادت بعض الجيران من الرجال الذين كانوا قد حضرواللتو وحملوا الحاج حسن على ذات عربة الأجرة التي كان قدعاد بها بزوجته لتوه وذهبوابه إلى ذات المشفى فيما باتت جارتهم هاجر مع زوجته البكماوطريحة الفراش.
فيما كان أحدأبناء عمومة الحاج حسن قدأخذأبنيه عمر وعلي ليأويهما مع أولاده كي لايخافان أكثرفيما
لوحدث ماهو اسوأ .

ظل أولئك الذين رافقوا الأب في المشفى على قلق حتى خرج الطبيب أخيرا من حجرة الإنعاش الساعة الثالثة فجرا تقريبا ليبلغهم بوفاته .
وبعدهاأخرجوالهم جثته وراحوا يتابعون
غسله وتكفينه .
كانت الساعة تقترب من السادسة حين هموا بحمل جثتة إلى منزله ومن ثم ليذهبوا بها إلى المقبرة لمواراتها هناك في مثواه الاخير ذلك القبر الذي كان قد استعد به الحاج حسن مبكرا لهذااليوم بل وكان قد
حفربجواره قبرا أخرلزوجته لكنه كان
قدقبرت فيه أمراة متوفية أخرى تصدق به عليها وحفر بديلا له هناك في نهاية تلك المقبرة التي كانت قداخذت تتسع وتمتلئ بقبور الموتى خلال السنوات الاخيرة الماضية.

في تلك الاثناء وصل
ذلك الرسول على دراجتة النارية التي اوقفها أمام بوابة المشفى فدخل مسرعا ليجدهم أمامه
ليبلغهم بالفاجعة قبل أن يعلم هو بالفاجعة لديهم
حيث أخبرهم بأن الجارة هاجر كانت قد تركت أم عمر نائمة وذهبت
إلى بيتها لبعض شأنهاقبل أذان
الفجر لتعود بعدهابأقل من ساعة زمن لتجد المسكينه
ملقاة بعيداعن فراشها ميته وبحالة سيئة .
وبعد أخذوردمنهم معه لمحاولة فهم ماجرى.
قال أحدهم لذلك الرسول اسبقناإلى البيت وأبلغ النساء أن
يغسلنها ويكفننها كي نمرلأخذ جثتها مع جثة زوجها ونذهب لنقبرهما معا.
عندها تحرك الرسول عائدا وقدأصابه مااصابه من الذعر. .

ليلة موحشة بل ومرعبة كانت تلك اليلة .
لدرجة أن جميع أهالي تلك المنطقة لم ينسوها وظلوا يتحدثون عن أصوات مخيفة كانوايسمعونها طوال تلك الليلة بل ومنهم من يقول أنه كان يسمع ركض حيوانات
وأحيانا بشر.لكن لاأحدمنهم تجرأ أن
يستكشف ماالذي كان يجري ولو
من ثقب في باب بيته أو شباك من شبابيك كل تلك البيوت التي اوصدت ليلتها ولم تفتح أيها إلا مع شروق شمس اليوم التالي.

فماذا ياترى لوكانت أماني قد أدى بها ذلك الشعور بعدم الرضى عماقدغد اشائعا عن
تدين المرأة ومايفرض عليها بأسم الإسلام من قيود وكبت وإنعدام ثقة في كل مايخصها بحيث لم يعد متروكالها أن تقرر
كيف تكون وماذا تفعل وماذا تجتنب .
ماذالوكان تفكيرها وموقفها الرافض لواقع ذلك الحال قدأودى بها فعلا إلى
الهروب إلى إحدى المدن الكبيرة وسلوك
طريق الانحراف كما يفعلن البعض من اللائي لايمتلكن قوة إيمان ورجاحة عقل أماني هذه لكن هل كان مثل أولئك سيقيمون عليها قيامتهم فلماذا إذا لانجد ذلك منهم وهم على علم أكثرمنا بأن هذاالمجال
قدغدا من أهم الإستثمارات السياحية التي توليهاحكومات بلادناالاسلامية أولوية اهتماماتها وبالأخص ماقد غدا
يعرف بالسياحة الجنسية اوالسياحة الخليجية التي غدت تعد من أهم الموارد الإقتصادية لهذه البلدان.
ترى هل لأولئك الذين
يبدون كل ذلك التشددويصرون على فرض وصايتهم بأسم الإسلام المرأة ترى ألهم عقول يفقهون بها ؟
فكيف إذا لا يدركون
عاقبة مايقترفون في حق مثل هذه الفتاة وأسرتها كاملة
بل وفي حق غيرها ممن قد ينتحرن او ينحرفن فيما لوتهيئت الظروف لذلك سواء بالفرار سرا إلي المجهول أو بدونه. .

الشقيقان عمرومحمد
اللذان كان قدتم تهريبهما إلى جهة مجهولة وبعيدة لااحد يعرف عنها غير أبن عم أبيهم
الذي كان قدتوفى
حين انتشرذلك الخبر عنهما بين الأهالي هناك وبعد حوالي إثنى عشرعام من مغادرتهما مسقط راسهما حيث جاء في ذلك الخبر بانهما كانا قدعاشا لسنوات عديدة لدى خالتهم أخت والدتهما لسنوات عديدة وكانا قدتفرقا بعدها بحثا عن عمل
حتى لم يعد احديهتم بأمرهما وخصوصابعدوفاة خالتهم تلك بل غدا كل منهما لايعلم عن شقيقه شيئا .
وأن عمركان قدأضطرته الظروف الصعبة المتزايدة عليه إلى الإنضمام إلي إحدى جبهات القتال التابعة لأحدطرفي هذه الحرب الدائرة فيما
كان قدفعل ذات الأمر شقيقه علي الذي إنتهى به الأمر مقتولا في احد المواقع المتقدمة للطرف الأخر. وبأن شقيقه عمر كان قدأصيب ولكنه بعد اشهر كان قدتعافى وعادللقتال فقتل وبالخطأوذلك منذأقل من شهر كما جاء في ذلك الخبر وبانه قدقتل بنيران ذات الطرف الذي يقاتل في صفوفه .

فماذا عن أماني ياترى ؟
تلك الفتاة التي لاشك بأنه قد تم إختطافها بعد أن كان قد تمكن خاطفوها من فتح نافذة حجرتها والدخول منها وإختطافهادون أن يشعربهم اويلاحظهم أحد بل ربمايكون هناك من قدلاحظهم لكنه من هو وسيكون بالتاكيدأجبن من أن يفصح عن ذلك. فأين ياترى قد ذهبوا بها وأخفوها وهل قدقتلوها في ليلتها أم متى وأين اخفواجثتها ياترى؟؟؟
لم يتجرأاحدا هناك قط حتى الًيَوُمًِ ربما على مجرد
طرح مثل هذه الاسئلة ناهيك عن البحث عن إجابات لها لماذا ؟؟؟؟؟

-تمت –

*كاتب يمني
١٤فبراير٢۰١٩م

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق