ثقافة السرد

كيف صار الديك استا ؟!

نبيل عودة

تظهر الديوك في الحياة بأشكال متعددة، أحيانا تظن نفسها أقرب للبشر، وأحيانا أقرب للضباع

يقولون في عالم البشر أن الحاجة أم الاختراع. في هذا القول لا اعجاز علمي ولا تجديد. انما السؤال الذي يتسلل الى ذهني من تجربتي في التعامل مع أصناف مختلفة من الديوك، وبعضها ديوك بشرية … ومنذ عهد بعيد، هل وصل عالم الديوك الدجاجية، الى أفكار اعجازية كما هو الحال في عالم الديوك البشرية ؟.. بحيث تختفي الحدود الفاصلة بين عالم الديوك الدجاجية وعالم الديوك البشرية؟ وغني عن القول ان بعض الديوك من عالم الطيور، لا تقبل مقارنتها مع بعض الديوك من عالم الإنسان.

ففي قضايا النظام والتنظيم مثلا، راقبوا الخممة (أي الأقنان -حتى لا أتهم بجهل اللغة من شاعر لا يعرف مفردات اللغة). هل يمكن اكتشاف تغيير جذري على نظامها اليومي، أو الأسبوعي أو الشهري أو السنوي، أو مدى العمر منذ ادخل الدجاج في نظام التدجين؟

المجتمع الدجاجي مستقر، كل يعرف دوره ومهمته، بينما مجتمعات الانسان فوضى محيرة، نظامها الاجتماعي متقلب، لا أحد يعرف دوره الا بلغة الفرض والقانون، اختلاف اللون لا يغير واقع النظام في الخممة، واختلاف اللون يحدث مذابح في مجتمع البشر، والويل إذا اختلفت العقائد والأفكار. الديوك البشرية تريدنا في مسار فكري واحد، ضمانا لراحتها وتربعها على قمة التحكم بالرقاب تحت صيغة القيادة. الخروج عن فكر الديك الكبير جريمة تقود الى المقصلة. والسبب ان الديوك البشرية، أو بعضها .. لم تستوعب بعد ان المخ البشري اجتاز مرحلة من الرقي والتطور، بحيث لم تعد الغريزة التي تتحكم بعالم الطيور تصلح للتحكم بعالم البشر، ولكن من يقنع أصحاب الفخامة والجلالة من فصيلة الديوك البشرية، وخاصة الشرقية منها، بأن غيرها أيضا من البشر يملكون عقلا مفكرا وقادرا على التمييز والاختيار؟

ولكن لا بد من تساؤل هام: هل سبب استتاب النظام في الخممة، هو العزل القسري السائد بين الخممة؟ أو عقلية الديوك التي ترفض صوتا آخر غير صوتها؟ وهل العزل يقف حاجزا أمام تطوير رؤية ديكية اجتماعية مختلفة لدى الطيور؟ أو طرح رؤية مختلفة لأنظمة الخممة؟ أو قيام حركات تصحيحية في عالم الخممة؟ أو انقلابات على النظام المتسلط مثلا؟

أسئلة هامة كثيرة تتبادر الى الذهن .. لدرجة أن بعضها يمكن ان يلائم عالم بعض البشر، حيث الديوك هي كل شيء. !

صحيح أنى لا أكتب مقالا فكريا كما قد يتوهم بعض القراء الأفاضل، انما شدتني الأفكار الى عالم الديوك الدجاجية لشدة مطابقتها للمجتمعات التي لا تسمع الا لصوت ديكها.

هذه بعض الأفكار التي راودت ديكنا بعد ان أنجز مهمته الصياحية الصباحية، محركا الكرة الأرضية باتجاه الشمس ليبدأ يوم جديد!!

قال لنفسه: ” الديوك عادة تعمل مع أكثر من عشرين دجاجة بالمعدل، ويستحق الديك مقابل هذا الجهد ان يحرر في الطبيعة، حين يصبح ثقيل الهمة، وغير قادر على تثبيت نفسه فوق ظهر دجاجة.”

وبعد تفكير أضاف: ” ربما لتحريره في الطبيعة فوائد جمة تجنى، بأن يكون سفيرا فوق العادة، وداعية في مديح نظام الخممة وأصحابها، والتستر على جشعهم، مما قد يحول الخممة الى مطلب نفوس الكثير من الديوك البرية التي يشتهي لحمها الانسان، فتكون الفائدة مضاعفة، في اللحوم، وفي ادخال جينات جديدة وتحسين النوع الدجاجي وانعكاس ذلك على نوعية البيض وحجمه وطعمه وكميته، ورفع القيمة الغذائية للحم الدجاج، وارتفاع أسهم الدجاج في بورصة اللحوم “.

المهم ان يقتنع أصحاب الخممة بأن تحرير الديوك الى الطبيعة، بعد استنفاذ قواها، سيكون تفكيرا سياسيا ابداعيا ضمن رؤية مستقبلية سليمة، وقد يطرح الموضوع للتصويت في الهيئة التشريعية، ضمانا للتنفيذ، وعدم ابقاء الموضوع ضمن الأخلاقيات المتقلبة لأصحاب الخممة.

هذا سيرفع من معنويات الديوك، يزيد ثقتها بنفسها، ينزل عنها حلم السكين المرعب ولا يرتجف قلب الديوك كلما فتح باب الخم لاختيار وجبة لشخصية مرموقة حيث لحم الديوك أوجب للتقديم على مائدة صاحب الخم، للزعيم الضيف !!

التحرير في الطبيعة اقتراح عبقري. كان الديك الفصيح راضيا عن أفكاره. مثلا تستطيع الديوك المحررة ان تغري ديك النيص بهجر مغارته واللجوء الى خم دجاج. واغراء ديوك البط البري، وديوك الحبش البري … تخيلوا هذه الحركة المباركة، تتقدم الديوك للانضمام للخممة، وتجر وراءها قوافل من الإناث قليلات العقل، اللواتي سيصير لحمهن فخر الموائد، وبيضهن وجبة افطار دسمة .. وتكثر دعوات الطعام مما يسهل تقدم أصحاب الخممة والمقربين إليهم في المناصب البلدية والحزبية ووظائف الدولة، وربما يصبح أحدهم، مع انه حمار .. رئيسا لتحرير صحيفة أو حاملا لعصا الزعيم، والمسألة هنا لا تتعلق بالعقل والذكاء والقدرات، انما بموهبة معرفة رغبات الزعيم أو القابض على كيس المال، والنقاط الحساسة في جسد الأعداء والمنافسين.

“الفائدة هنا عظيمة “، قال الديك الفصيح لنفسه. وأضاف: ” أهم ما فيها ان الديوك تصبح معفية من التعرض للذبح والمعط والطبخ والالتهام “.

بعض الدجاجات كن يتهامسن ان الديك الفصيح منذ بان عجزه، ازدادت فلسفته وثرثرته. وواحدة تجرأت وقالت بعدم اكتراث انه: ” يغطي على قصوره بطول لسانه ” وأخرى قالت: ” وضع مكانه ديك شاب يحرث ويدرس لبطرس … يقوم بكل أشغاله وتسجل باسم الديك الفصيح “. وقالت واحدة تبدو من اللعوبات: ” ديوك الجيران تتطاول على دجاجاته، ويظن صاحب الخم ان الديك بألف خير .. ما شاء الله “.

ورغم قصورات الديك الفصيح، الا انه لا يفوت مؤتمر قمة، يعقد كلما طرأ طارئ على ديوك الحارة، ويشارك في المنافسة على رئاسة مجلس الديوك، ودائما يتلقى الدعم من ديوك حلفاء، يأتون جماعات جماعات لمبايعته والتقاط الصور بقربه حتى لا تبقى زلاتهم السابقة عالقة بهم مدى الحياة. رغم انه معروف للجميع، بان الديك الفصيح سينتدب من يحل محله في رئاسة مجلس الديوك أيضا. وعقبت دجاجة وقحة انها تتوقع ان: ” ينافس الديك الفصيح على منصب سكرتير عام الأمم المتحدة وإذا فاز به يعين من يدير باسمه شؤون ديوك العالم البشرية .. وليس شؤون الديوك الدجاجية فقط “!!

تلك الدجاجة الوقحة كسّرت ساقها بحادثة عمل فسارع صاحب الخم الى ذبحها قبل ان تنفق.

كان الديك، الى جانب ما يشغل وقته القليل، إذا أخذنا بالحساب ساعات اليقظة، هو اقرار مسودة قرار تؤكد مكانته، وبذهنه أن هذه المكانة لا تقل عن مكانة أي صاحب فخامة أو جلالة. بصراحة ليس أقل من صفة ملك. وهذا يمنع ان يتعالى علية القواريط أو يعترضون على رغباته التي بدونها: ” هو لن يكون هو نفسه “. وبالتالي يا ويل الجماهير التي تقاقي، عندها لن تنفعها حتى مقاقاتها. كان، مثل كل ُمتوج، يريد الطاعة والإخلاص لتعاليمه. كانت الديوك الشابة فخورة بديكها

الفصيح وتسحج وهي تصفق بجناحيها مولدة تيارات هوائية منعشة للديك الفصيح انه علمها:” ان الديوك لا تبيض .. وأن البيض هو واجب وطني للدجاج لمنع انتشار الجوع “.

في عصر أحد الأيام، وعلى غير العادة … حدثت حركة حول مهجع الديك، في ساعات كان من المفروض ان يقضيها نائما. “استيقظ الديك ” انطلق صوت بعض الدجاجات .. منبها الى ضرورة الاستعداد لاستقبال الديك بما يليق بمكانته. ولكن الديك جلس مثقلا من الإرهاق في مكانه، رغم ان “تعبه من كثرة الراحة ” كما همست دجاجة ملثمة حتى لا يصير فيها ما صار بغيرها من حوادث عمل أو نفوق لأسباب مجهولة. وبسرعة وقف الى جانبه المفوض بادارة الخم باسمه.

أجال الديك الفصيح ببصره في وجوه الدجاجات والديوك الصغار حوله وسألهم بدون مقدمات:

– هل تعرفون من هو الملك الحقيقي في الخم؟

– انت هو الملك .. انت يا ديك الديوك ..

كان الرد جماعيا وبصوت واحد. ولكنه لم يهتز، ولم يتأثر. فهو يعرف مكانته. قال لهم مستاء:

– السؤال ليس شخصيا يا غبيات متغنجات …

– اذن ما القصد يا رئيسنا؟

تنحنح. أمسكته قحة قوية، كادت تكتم أنفاسه .. الدجاجات انتظرن بفارغ الصبر خروج روحه والتخلص من هذا الموقف الحرج أمامه وأمام أسئلته الغريبة. . ولكنه أخذ نفسا طويلا وواصل:

– قصدي من هو الملك في أجسادنا يا شاطرات؟

قلن بتردد وببعض الحياء:

– الملك هو ما يملكه الديوك ونفتقده نحن الدجاجات؟

ضحك بسعادة مما خفف وطأة التوتر وعلت الابتسامات الفرحة على وجوه الدجاجات.

– ايضا تملكن ما نشتهيه نحن الديوك ولا تطيب لنا الحياة بدونه؟

– اذن تساوينا !!

سارعت الى القول دجاجة نضرة.

– ُطب القنينة على ُتمها بتطلع الدجاجة لأمها … يعني غبية بنت غبية.

فأصيبت المسكينة بالصدمة والرعب على مصيرها.. والندم لتسرعها بالإفصاح عما فهمته. وشعر الدجاج انه أمام معضلة صعبة، قد تكلف المتفوهين أو المفوهات بما لا يتلاءم مع فكر الديك الرئيس ثمنا رهيبا. حتى منفذ أعمال الرئيس آثر الصمت ورسم ابتسامة مدعي الفهم على شفتيه، و “هو مش فاهم أيضا ” همست دجاجة لصاحبتها.

– يا سيداتي اللواتي لا تنفعن الا للركوب والبيض، في جسم كل منا، ذكور واناث لا فرق، ملك لا يمكن معارضته.

– وهل يوجد ملك غير سعادتك؟

وانطلق صوت منفذ أعمال الرئيس على غير عادته:

– أبدا .. أبدا .. أبدا

– أصمت .. انت أيضا لا تفهم شيئا !!هل تريد ان أصنفك مع قليلات العقل ؟!

وساد صمت ثقيل. كسرته دجاجة بخوف وتردد:

– اذن يا رئيسنا هل يوجد في جسمي ملك ؟!

ضحك الديك الفصيح وقح:

– بالطبع هناك ملك .. ولدى كل دجاجة وديك ملك ولدى صاحب الخم ملك ولدى زعيم الحزب ملك .. وحتى لو كانت دجاجة مشوهة لديها ملك …

– كيف يجوز ذلك .. لم نسمع ان في الدجاجات ملوكا؟

– سأشرح الموضوع … لكل دجاجة أو ديك أو بشر .. رأس فيه عقل .. وفيه عينان وفيه فم وأنف وكلها حيوية لكل واحد منا .. ولكل منا قلب ينبض، ورئات تضخ الهواء ومعدة تهضم واست تفرغ …فمن هو الملك من بين الأعضاء التي ذكرتها؟

وتعالت الاجابات بحماس:

– الرأس هو الملك

– العقل هو الملك

– القلب هو الملك

– العينان هما الملك

– المعدة هي الملك

– الرئتين هما الملك

ورفع الديك الفصيح يده بإشارة أعادت الصمت. وأعطى لكل مجموعة ان تفسر لماذا تعتقد ان الطرف الذي اختارته هو الملك .. والديك الفصيح يستمع بصمت ويبتسم من غباء دجاجاته. أشار بيده فصمتن، وقال بهدوء:

– الإست هي الملك !!

وارتفعت الضحكات وصرخات الاحتجاج

– الإست ؟!

– أجل الإست هو الملك !!

– انه أقذر عضو فينا يا رئيسنا ؟

– ومع ذلك هو الملك .

تجرأت دجاجة وهتفت:

– كيف يمكن أن نقبل بذلك .. نرفض ان نعترف بالإست ملكا.

– لنفرض انه الآن وقت الطعام .. عقلكم يستوعب ان أجسامكم تحتاج للطعام ولا يعترض. قلبكم لا دخل له .. ينبض بالحياة .. ورغم قيمته العليا في الجسم الدجاجي أو البشري، الا انه ليس الملك. والمعدة تتلقى ما تلتهمون .. وتهضمه .. تأخذ ما يفيد أجسامكم .. وماذا بعد ؟!

– الإست تخرج الفضلات !!

– لنفرض أن الاست أضربت ولن تخرج الفضلات …

– لا يمكن .. سننفجر ..

– اذن الاست لن تخرج الفضلات حتى تحصل على اعترافكم انها الملك …؟

– …

– لماذا سيطر الصمت عليكن يا ثرثارات؟

– الإست ؟!.. هذا أمر غير معقول.

– هل باستطاعتكن الصوم لكل الحياة .. لا يمكن .. ستأكلون، ولكن الإست أغلقت بابها بالمفتاح ولن تخرج حتى حبة رمل .. الا بعد ان تعترفوا انها الملك … ما العمل؟

أجابوا بأصوات مهمومة ومتألمة:

– سنعترف صاغرين انها الملك ..

– اذن الإست هي الملك .. وانا است هذا الخم .. هل تفهمون معنى كلامي؟

وانطلقت الدبكة بإشارة من منفذ أعمال الرئيس:

– عاش الإست .. عاش الملك !!

*(من المجموعة القصصية “نبيل عودة يروي قصص الديوك”)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق