ثقافة المقال

بين مناهج التدريس وخططه ضاعت أجيال ومستقبل أمة

د. مصطفى غلمان*

لماذا لا يحصل الطفل المتمدرس على أكبر قدر ممكن من الوقت الحر ، يختار فيه هواياته ويبادر إلى إبداع لحظات مليئة بالفرح والسعادة؟
لماذا لا يتحصل الطفل المتمدرس طرقا جديدة من الكفايات الممتدة التي لا ترتبط بمجالات محددة أو مادة دراسية معينة، وإنما يمتد توظيفها إلى مجالات مفتوحة ومندمجة، ترتفع فيها الحركة البيداغوجية المفتوتة بالاكتشاف والمغايرة وتفتيق الحوار وتعلم المعارف؟!
أليس حريا بوضعيات التعليم والتربية ببلادنا أن ترقى إلى تطوير وإبراز وحدة المناهج التربوية والبرامج المدرسية بعد ارتفاع قيم الطفرة الهائلة في مجال التكنولوجيا وما راكمته التجربة الجديدة للعديد من البلدان الناجحة في إدماج علوم النفس بطرق التدريس.
إن اصطراع مناهج التعليم التقليدي في تجربتنا الهجينة تؤكد انفعال القائمين على تكريسها واستمرارها بما يضمن عدم أهلية النمو الشامل للتلميذ من زوايا عديدة ككم المعارف والمعلومات وتغييب الجوانب النفسية والجمالية والفنية في عملية التلقين وربط مسألة الحفظ بالواقع دون تحديد التوازن الذهني الفسيولوجي، وتقليص الدور الجماعي للمتنافسين لاجل تحديد ضوابط مانعة للتفوق والسلوك المواطن، وتحفيز التلميذ على إبراز وتشجيع الميول والأواصر ودعائم التفكير والإيجابية السلوكية.
إن من آثار المفهوم التقليدي للمنهج في المادة الدراسية ما يثير العديد من المفارقات والنقائض ويحول الحديث عن إصلاح التعليم مسألة منافية لأقرب النظريات العلمية إلى إواليات التأصيل وتنقيح الهوية وتمكين المدرسة الوطنية من إيجاد حدود بيداغوجية متفق عليها، ترنو إلى تفكيك معقدات الإصلاح ودفعها إلى الاستقالة والرحيل.
فمن تلك الآثار ما لايزال يختزل أجيالا ضائعة في سرادق اللغو والافقار والفراغ والتدمر .
كيف بربكم يمكن فهم أطنان الكتب ومقررات التدريس التي تثقل كاهل المتمدرسين وتجعلكم في حالات من الخوف والضمور العقلي والجري خلف تكديس المعارف والمعلومات؟
مع ما يشكل عدم الترابط بين المواد الدراسية وإغفال وحدة الهدف البيداغوجي في العملية التعليميةالتعلمية ، وانسداد أفق التكامل فيها ونفوق جاهزية الفهم الناظم لتلك الوحدة والتكامل، ما يجعل المنهج دون محتوى ودون وجود حقيقي .
إن الأمر يستعصي فهمه عندما تتردد التلقينات الصفية فتصبح مادة ببغاوية مليئة بالنتوء والاستعجالات الفارغة .
وهنا يجب الوقوف عند مسؤولية المعلم ودوره في رد الاعتبار للمستوى التلقيني التعلمي، حيث يشرف بشكل مباشر في إعداد وصياغة معنى جديد لتدبير مفهوم المنهج طبقا لبرنامج دراسي دسم ومتكامل، تستحضر فيه ومن خلاله الحياة المدرسية ، متضمنة خبرات التلميذ التي تنظمها المدرسة وتشرف عليها، داخل جدران الأقسام الدراسية وخارجها.
مع التأكيد الضروري على ادراج المنهج الدراسي كعملية هندسية تربوية يتم الحكم عليها على ضوء المقاييس الكيفية للمدخلات والمخرجات.
الدور السوسيولوجي للمعلم مهم وفاعل، والانتقال به من مكمل للمعارف وضاغط بها ومنفذ لبرنامج تلقيني وموزع للادوار وشاحن أو ناقل للمعرفة، إلى مرشد وموجه ودليل للبحث والاستقصاء واستعادة البادرة وتكوين علاقة .
هو مناط المنهج التعليمي الحديث، الذي يسع قابليات التلميذ، مع ما يسبغ هذه القابلبات من تمايز وفروق فردية، على حسب مستويات الاستعداد والقدرات والميول والاتجاهات .
إن إعادة صياغة خطة دراسية حكيمة سيساعد لا محالة في توفير هامش حكيم لمنهج دراسي ناجع وفعال . لا يعقل أن نغفل الخطة التي ترتبط بمضمون التدريس الذي يشرف على إعداده وتطبيقه المعلم ، ونتجه لممارسة حالة الإنزال على المنهج الذي يروم الطريقة والنشاط المأمول، والذي ينسحب في كليته لمستويات عائق التواصل مع التلميذ.
وحدة التأطير هنا ضرورية ومستعجلة، ويلزم الإسراع بإشراك بنية التأهيل والتكوين البيداغوجي والتربوي للفاعل التربوي، حيث لا وجود لمنهج أو خطة تدريس دون وجود الحلقة المفقودة في العملية برمتها.
قبل الختام :
خاطرة مليئة بالعبر نشرتها الشاعرة والباحثة المغربية لالة مالكة العلوي في صفحتها الخاصة بالفايسبوك؛ تلخص هذا الإرباك المتاخم لأزمات التعليم، وخلفيات تعويمه السياسي والايديولوجي، وهي تلميح يدقق في التفاصيل الصغيرة لتدهور مستويات التدريس :
( مرحبا أنُّوس، كيف وجدت مَدْرسَتك الجديدة؟
– أكرهها يا خالتي، فالمعلمة تقول لنا في كل حصة :” ثبتوا أذرعكم، أغمضوا عيونكم، أسكتوا… بدون حس !!!
…. آه…!! يا طفلي الصغير .. كم عَلمْتُك وعَلَّمتْكَ أُمُّك على مدى سنواتك الخمس أن تفتح عينيك على اتساعهما وترى وتتأمل وترفع يديك عاليا… وتنطلق..
لتأتي معلمة ضَجِرَة.. وَتُرْغمك على تثبيت ذراعيك وإغلاق عينيك الصغيرتين.. ☹
……………….. في مدارسنا حيث الخنوع والجهل).

* أكاديمي وإعلامي مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق