قراءات ودراسات

رهان الجمالية فى رواية “ضجيج الضفادع” للسيد نجم

بقلم: أ.د. محمد عبدالحميد خليفة

( أعاهد نفسي أكاديميًا مع قراءة بعض الروايات، لكن مع هذه الرواية تركت

قلمي مع عالم الرواية دون منهجية أكاديمية مسبقة، حرصا منى على

التلقي دون المصطلح.. وهو ما يجعلني أبحث عن الجمالية، وهو الرهان

بين “ماذا قال؟” وليس “كيف قال”؟)

وهو ما تجلى فى عدد من الأمور التقنية ومنها:

ﺇشكالية الراوي والمروي له السارد والمتلقي.. الراوي شخصية متخيلة على لسانه الحكاية ويتحمل طرح القضايا.. فهناك الراوي وحواره بينه وبين المؤلف مسافة.. ثم المروي له ظاهر بل وممسرح (له وصف فيزيقى ووجود وحوار) ثم المروي له الخفي أو شبه الممسرح.

فى هذه الرواية؛ فجأة نجد الراوي ومتوفر أشبه بالراوي الضمني للحكاية، مثل اللعبة أو الحيلة التى استخدمها السيد نجم أكثر من المرة، يشير في بداية النص انه لا يعرف ماذا يكتب؟ ص7

(أرجوك لا تنخدع وأنت تقرأ هذا النص، أنت لا تقرأ رواية.
لم أحاول كتابة تلك الحكايات الكاذبة الجميلة المشوقة.. أعترفُ أنني قَرَأْتُ رواياتِ روسيا القيصرية؛ فجعلتْنِي أبحث عن كُتُبِ الروايات لغير الروس. لشدَّةِ سذاجتي وتعلقي بهذا الحكي، كنت أشتري الكتاب من عنوانه، ولا أُفَرِّق بين الروائي، والصحفي في قسم الحوادث، لكن بمضي الوقت اكتسبتُ خبرة التمييز.
فيما بعد سألْتُ «جميلة»، ويا ليتني ما فعلتُ، سألتُها ذاتَ ليلة عن رأيِها في هذا الموضوع؟ موضوعِ كتبِ الحوادثِ والروايات.. فما كان منها ﺇلا أن غضبَتْ غضبًا شديدًا، قائلةً: «هي العفاريت، أكيد سرّ الأرق وقلة الراحة بالليل، عفاريت المقتولين وحوادث أقسام الشرطة التي تكتب عنها!).

ثم يفتح الراوي الباب على مصراعية ويقدم حرية التلقي.. غالبا ﺇستخدم تلك الحيلة مع شخصية “عبدالوارث المصري”.

ثم يبادر الكاتب بتقديم شخصية “جميلة” وهي الشخصية الثانية التى تنازع “عبدالوارث” الحكي، وكأن الرواية على صوتين للحكي عن النيل. يكفي اﻹشارة ﺇلى حكاية “جميلة” (تلك الطفلة النوبية التى سلمتها أمها لاحدى السيدات فوق المركب المتجهة ﺇلى مدينة أسوان .ـ ثم تركتها لتعود ﺇلى قريهتا النوبية، ﺇلى زوجها الذي رفض الرحيل من أرض أجداده، والبقاء فى المقابر حتى تغمرهما مياه النيل بعد اﻹنتهاء من بناء السد العالى.

مع ذلك تلك الرواية ليست رواية أصوات تلك التى تعتمد على حدث واحد بوجهات نظر ورؤى مختلفة لشخصيات متعددة. هنا رواية ضجيج الضفادع لها موضوعات متنوعة لها خط يجمعها.

هناك “عبدالوارث يتحدث بضمير المخاطب (وهو الصوت الثاني) على ثلاثة أقسام.. القسم الأول من الرواية استخدم ضمير المخاطب، وﺇن بدا فى القسم الأول على أكثر من صوت فهو موزع بين عبدالوارث وجميلة.. ثم مروي له ممسرح خارج الحكاية وأحيانا يبدو وكأنه يضمر مخاطبة القاريء.

هنا المروي له له دور هام، ألا وهو تأكيد بعض الحقائق أو لتأسيس السرد يتحول المروي له لصالح السرد.. والمروي له قد يظهر داخل الحكاية (مثل جميلة) أو ظاهر أو خفي يتماس مع القاريء العادي.

يبدو أحيانا وكأن الراوي يتعمد تشويش القاريء أو يخاطبه بالرسالة التي يرسل بها الراوي التوتر لمصلحة الحكاية ويمنحه جمالية ما.

.. هنا يجب أن نتوقف مع تلك الرواية “ضجيج الضفادع” للسيد نجم، أحيانا يبدو المروي له هو “نهر النيل” كما فى نهاية الرواية على لسان “عبدالوارث المصري” يقول: ص142

(ماذا تقول الآن؟! حان الوقت كي أؤكد لك أن النص الذي بين يديك، فيه قدر معلوماتي يشبه كتب العلوم والتاريخ والجغرافيا! فيه قدر تقريري يُشبِهُ صفحةَ الحوادث في الجرائد السَّيَّارة الرخيصة التي تسعى لشد انتباه القراء وترويج سلعة غير ذات قيمة!
وفيه ابتهالات مصرية قديمة لظني أنها ذات مغزى، حتى ولو لم تعجبك، أعجبتني!
ماذا تقول في المتصوِّف الذي كان يجهل أنه قدوة للمتصوفة، ذي النون المصري، يبدو أنني تعمدت اختياره لأن اسمه يُشبِه اسمي؟! أظنُّ أن الروايات كاذبة كلها.. وجميلة! الروايات تذهب بنا ﺇلى عالم بعيد.. ونتمناه، ثم ننساها! الروايات بوح مضمر لخبيث.. نبحث عنه!
الروايات لا يعترف بها رجال التاريخ، تعال ندعُ معًا أن نَزُجّ فكرة أكثر خبثًا من الروائيين ورجال التاريخ معًا؛ أن نعيد كتابة أيامنا بصياغة «التاريخ الحكائي للبشرية».. أكيد أكثر صدقًا، وﺇن بدا عاطفيًّا يتعصب ويتعاطف مع نمل الأرض ونمل النار)

ﺇذا المروي له ها هنا على عدد من الأشكال.. ﺇما نهر النيل أو لشخصية داخل الرواية أو لشخصية خارج النص. لعله بذلك يرد على التساؤل طوال قراءة النص: لمن يخاطب الكاتب مع كل هذا التلون ومستويات التلقي.. وهو الأمر الذي يعزز ديناميكية السرد.
ومع ذلك فالخطوط واضحة بقوله: (أقول لكم- أو بكم) يخاطب النيل أو جميلة، وهو ما تجلى فى اﻹشارة ﺇلى قصة نهر النيل، كما تجلى فى الصفحة الأولى والاخيرة.. ثم عززها بالمعلومات.ص10-11
(أعود وأخبركم عن خبراتي… تستطيع أن تقول بأنني شيخ حارة بحر النيل، أغلب المصريين يقولون «بحر النيل»، وأنا مثلهم!… ﺇليكم الحصر العملي والعلمي لها، لعلكم: بداية يجب أن تعرف أن هناك قناطر شيدت من أجل حجز الماء والتحكم في منسوب مياه نهر النيل… كما قد يتم توليد الكهرباء من بعضها. وأعتقد أنني ما زلت أتذكرها كلها أو بعضها: هاويس اﻹسماعيلية – سد وهاويس دمياط – هاويس نجع حمادي- قناطر إسنا- قناطر شراباص الجديدة- هاويس الرياح المنوفي- قناطر نجع حمادي الجديدة- هاويس ﺇسنا اﻹضافي، وغيرها.
صحيح وبحق وحقيق محمد على شيد أهم وأكبر قناطر في زمنه، وهي القناطر الخيرية. كان اسمها القناطر المجيدة، والله هذا الرجل كان ذكيًا فلا يغفل الجانب الدعائي لمنجزاته! الغرض منها رفع مستوى مياه النيل، في 12 مايو 1843. خلال التنفيذ ظهر خلل في بعض عيون القناطر بسبب ضغط المياه، توفي محمد على باشا، واستكملها عباس حلمي الأول، وفي عهد الخديوي إسماعيل تمت تقوية القناطر الخيرية، وظلت التجديدات تتوالى حتى أصبحت القناطر القديمة معلمًا أثريًّا! يبدو أن رعاية النيل وخدماته هي معيار ﺇخلاص الحاكم لمصر)
كما يكشف الروائي عن “عبدالوارث المصري” وهنا أهمية تأمل الاسم ودلالاته حيث الميراث للأرض والمصري لبيان اﻹنتماء ولأى أرض ينتمي.. وكأنه يرث تاريخ نهر النيل ومعرفة أسرارة تلك التى عرفها عمليا من خلال عمله كمهندس ري.
يصل الروائى/الراوي ﺇلى الموقف المتشابك بين الشخيات والواقع فتعرف على أحداث 25يناير مع مقاطع ﺇخبارية أو هي ذات سمة ﺇخبارية تقريرية عمدًا، وهكذا تبدو للرصد والتوثيق وهو جانب من المعلوماتية أيضا.
ولا تنتهى الرواية قبل اﻹشارة ﺇلى قضايا أخرى لا تقل أهمية أو تضيف ﺇلى محور تناول نهر النيل بعدًا آخر، وهو أن المصريين لم يعد يهتمون بنظافة نهر النيل كما الأجداد. وقد بلغ بالقدماء اﻹهتمام بالنيل ﺇلى حد التقديس.
ولا يمكن ﺇغفال اﻹشارة ﺇلى أحداث يناير 2011 من باب الرصد وبطرف خفي غير زاعق ولا هو أيديولووجى موجه.. على العكس من الكثير من الروايات التى كتبت فور ﺇندلاع الأحداث فى 25يناير 2011م
ومن خلال الأنباء تم تناول اﻹشارة ﺇلى الأحداث فى ميدان التحرير، حيث الابن رامز أو الجنرال وهو لواء شرطة شارك فى صنع الأحداث.. والابن علام الصحفى واﻹعلامى الكبير الذى كتب ما يملى عليه حول الأحداث.. وبقى عصام الصغير معبرًا عن جيل طالع محب للبلاد بلا مصالح شخصية.
وواضح أن الثلاثة يمثلون السلطات الثلاث فى البلاد.. سلطة الأمن والشرطة.. سلطة اﻹعلام بكل أشكاله.. ثم الشباب وهو الاقل فاعلية وتأثيرًا.
وتأتى الأقسام (تتشكل الرواية في ثلاثة أقسام) المعبرة عما تناولته ﺇجمالا قبل هذه الكلمات، حيث فصل تحليل الهتاف (تحيا مصر) يبدو وكأنه يمثل كلام مصر، وعبدالوارث بها ومعها يرى أنه تتحول الأشياء الصامتة ﺇلى ناطقة.. وهو ما جاء بعد قسم “ماذا يعني الصمت؟”

*وقفة أخيرة:
.. هتاف/ قسم “تحيا مصر” بوصفه الشعار والبوصلة يستحيل ﺇلى دلالة لمصر الأرض والتاريخ، كما شخصية “جميلة” فهى الحمولة التى تستوعب كل مشاكل ومضايقات كل أفراد العائلة وكأنها الأم، وكأنها الرمز المضيء لمصر وخصوصا مع ﺇرتباطها بالبيت الكبير ورمزيته. وهناك أصوات يستدعيها عبدالوارث من التاريخ لبيان أن التاريخ شاهد على المتغير.
هذه الرواية لها خصوصية تجعلها فى أهم ﺇصدارات الرواية فى عام 2018م، بالنظر ﺇلى القضايا التى تثيرها حيث اﻹنتماء والهوية بلا صوت زاعق ولا ضجيج الشعارات.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق