ثقافة المقال

بعد أن انخفض ثمن المليون مشاهدة

الفحلي طيب*

كنا نحكم على الأعمال الفنية من خلال تحليلها، وبيان مدى اهتمامها ومناقشتها للقضايا التي تهم شرائح المجتمع، مع إلقاء نظرة على عدد المبيعات، وهكذا كنا نستطيع معرفة الفنانين الحقيقين، ومعرفة المتطفلين على الميدان ،لكن الآن بعد هذا التطور التكنولوجي ظهرت طرائق أخرى للحكم على العمل (الفني)من خلال الإستناد- بالدرجة الأولى -إلى عدد المشاهدات على قناة معينة، هذه الطريقة -الوهمية-هي التي سهلت الطريق أمام هؤلاء ليصلوا إلى أماكن لا يستحقونها .
وبعد أن شاهدت المبالغة التي لامبرر لها في عدد من الفيديوهات التي لا تستحق ولا مشاهدة واحدة، أعدت من جديد طرح السؤال الآتي :هل فعلاً تلك المشاهدات حقيقية أم مجرد وهم وخداع؟
وفي سياق بحثي عن إجابة لهذا السؤال صادفت مقالاً في إحدى الجرائد يتحدث عن هذه القضية حتى أنه جاء بثمن المليون مشاهدة، وإنخفاض هذا الثمن في الآونة الأخيرة لأقل من النصف بعد أن كثر عدد المشترين، وبعد ذلك قمت ببحث لأتأكد من صحة ما جاء في هذا المقال الذي ناقش نقطة سوداء يتجنبها الأغلبية، لأجد أنه فعلاً يتم شراء المشاهدات وتوهيم الجمهور بأنها حقيقية، والخطير في الأمر أن هذه الطريقة الحيوانية، اللافنية -التي تبين المستوى الرديء والتافه الذي وصل إليه ممارسوها -قد جعلت المتطفلين، أصحاب الرؤوس الغليظة الملأى بالتفاهه، والحماقة،والبلاهة.. باﻹضافة إلى المكر والخداع.. جعلتهم في الواجهة، وأبعدت الفنانين الحقيقين.
ولأن أغلب الأشخاص يسيرون سير القطيع ولايعملون عقولهم لتمييز الفن من اللافن، فإنهم يشجعون هؤلاء ويتتبعون أخبارهم، وينشرون تفهاتهم، والغريب في الأمر أنهم يضعون صورهم على حسباتهم الشخصية، وعندما يظهر معتوه ما يتكلمون عنه كأنه صنع صاروخ عابر للقارات..

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأعمال لاتهتم بالمواضيع المهمة التي تهم المجتمع بمختلف شرائحه، بل تكتفي بسرد كلمات مشوهة في أغلب الأحيان -إن لم أقل في كل الأحيان- حول الحب والجنس، بمعنى :يكتفون في تفاهاتهم بالكلام عن العلاقة بين الرجل والمرأة في شقها الجنسي بالدرجة الأولى، مما يؤكد سيطرة الغرائز والرغبات والشهوات المكبوتة عليهم، لأنه من المعلوم أن ما يحس به الشخص وما يعيشه ،هو مايحاول التعبير عنه في شكل عمل (فني).
نسي هؤلاء أن الفن له أدوار كبيرة جداً ،وأن المواضيع التي يجب أن يناقشها ويهتم بها أكبر بكثير من الجنس الطاغي على أغلب الأعمال، فهناك قضايا وإشكالات تتخبط فيها المجتمعات كقضية الحرية خصوصا حرية التعبير ..الخ

لأن الفن في الأصل هو تهذيب للروح وليس حكايات جنسية لإثارة الغرائز.
وللأسف الشديد فقد أضحى المجتمع عبارة عن قطيع من البله والحمقى لهم رؤوس لا يستفيد منها إلا الحلاقون كما يقول المثل الشعبي المعروف .
لهذا يجب أن نعيد النظر في كل شيء ،في أنفسنا ،ثقافتنا، تديننا، أخلاقنا ،تفكيرنا… فقد أصبحنا عالة على العالم ..

* أستاذ الثانوي التأهيلي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق