ثقافة السرد

تـــــــــمـــرد

الراوي بن رشيدا

غرقت بلدتنا في رخاء غير معهود ،حينما عاد أنطون أحد الأثرياء من أوروبا مع طموحاته في جعل هذه البلدة ملكاً له ،فاشترى الأراضي من الفقراء وبنى فندقاً كبيراً ،وافتتح معملاً للأجبان ،ومعصرة إضافية للزيتون .
وبفضل علاقاته الغير محدودة مع مشاهير في السينما والتلفزيون والرقص الشرقي استطاع إقناع إحدى شركات الإنتاج بتصوير عمل في البلدة يحكي عن حقبة الانتداب الفرنسي .
عبدت البلدية الطرقات ،وزرعت أشجار الإنكي دينيا على قوارعها استعداداً لاستقبال طاقم المسلسل .
عاد معظم المغتربين في أوروبا إلى البلدة ليشهدوا تلك الظاهرة الفريدة من نوعها ،وأقيمت الاحتفالات اليومية في ساحة البلدة ،وتخدر الجميع بالفرح والجنون لدرجة أنهم استقدموا مزيداً من العمال البدويين ليتولوا أمور المواسم كي لا يضيعوا من أيديهم أية فرصة في الاستمتاع بالحفلات المقامة .
أجر الناس بيوتهم للممثلين مما زاد من رخائهم ،إضافة إلى الأعمال التي وفرها لهم أنطون وشريكه الجديد حازم طليق الطبيبة كاتيا حبيبتي التي لطالما أحببتها سراً والتي استأجرت منزلاً ومكتباً لها بجانب الدير ،وتطوعت للعناية بالأطفال اليتامى الذين يأويهم الدير .
ورغم زواجي بهيلدا شقيقة أنطون وانتقالي للعيش في منزل والدها الكبير لكن العديم الذوق ،ورغد العيش الذي كنت أهنأ فيه إلا أنني بقيت أفكر بكاتيا ،التي كانت تعيش حياة سعيدة ،فقد كنت الحظ ذلك عليها .
في إحدى المرات مثلاً ،كنا قد دعينا جميعاً إلى حفلة تواجد فيها الممثلون بعد انتهاء تصويرهم للعمل ،والذي ارتأى أثرياء البلدة وأقوياؤها أنه من الضروري إقامتها .
وقد حضرت إليها كاتيا التي ربطت حضورها بالسماح لأطفال الميتم بالحضور ،وتخصيص طاولة لهم .
وبينما كان الجميع منشغلاً بالتصفيق لأنطون الذي راح يبرم صفقة شراكة جديدة مع رجل يدعى (عمر بيك ) ،كانت كاتيا منشغلة في توزيع الهدايا على الأيتام .
حسدتها على أنها غير مجبرة أن تتملق مثلي ،وكنت أرى في عينيها نظرة احتقار لي ،لشد ما آلمتني .
كانت أقسى نظرة لها في إحدى الليالي الباردة ،لما كان سكان البلدة يرقصون بشكل هستيري دون أن يشعروا ببرودتها ،في إحدى المناسبات الوطنية ،والتي لم تكن سوى سبب لتجمعهم ،لكن دافعهم الحقيقي للرقص كان نشوة الرخاء وراحة البال .
سقطت يومها زوجتي هيلدا مغمى عليها أثناء تحلقنا جميعاً لرقص الدبكة ،فسارعنا لنقلها إلى عيادة كاتيا ،استيقظت في طريقنا إلى هناك وبدت وكأنها أصبحت على مايرام ،لكن شقيقها أنطون أصر على أن نعرضها على طبيب .
لما وصلنا إلى العيادة دخلنا إلى غرفة الانتظار لكن باب غرفة المعاينة كان مغلقاً ،وقالت السكرتيرة لنا أنه ثمة مريض في الداخل ،و أن الدخول ممنوع إن لم تكن الحالة خطرة وعلينا أن نلتزم بالدور .
أهمل أنطون كل ما صرحت به ،وفتح باب غرفة المعاينة بعنف .
كانت كاتيا تقطب جرحاً في رأس طفل ،انتفضت غاضبة إبان تصرف أنطون وصرخت : كيف تفعل ذلك ؟هل أنت عديم الذوق ؟
ثم نظرت إلي باحتقار وأردفت : وأنت كيف تسمح لشاب متهور يظن نفسه أنه ملك العالم في أن يقوم بذلك ؟أليس من المفترض أن تمنعه كونك تكبره بأجيال وكونك معلمه في الماضي ؟
عندها انتفض أنطون وهددها بإغلاق عيادتها ،تدخلت وهدأت من روعهما ووعدتها بأن ننتظر دورنا .
في تلك الليلة ونحن في طريق عودتنا إلى المنزل لم أنطق بأية كلمة مع هيلدا وأنطون ،وشعرت برغبة على فتح باب السيارة والهروب من كل هذا إلى الأبد .
لكن هذا الموقف منحني فرصة أخرى للقاء كاتيا للاعتذار لها ،التقيتها في دار الأيتام التابعة للدير .كانت تغني للأطفال أغنية عن الربيع ،بينما راحت إحدى الراهبات تكلل الأطفال بأكاليل جميلة من الزهور .
جلسنا إلى طاولة في حديقة الروضة تقع في ظل شجرة زعفران مزهرة ،كانت الشمس يومها ساطعة مما أظهر لون شعر كاتيا العسلي الأصلي و نظراً للوقت الذي قضته مع الأطفال متعاطفة مع قصصهم انعكست طفولتهم في وجهها و بدت غضة متوهجة الخدين .
اعتذرت منها على تصرف أنطون واحتسينا القهوة ،وعاملتني للمرة الأولى بلطف شديد ،وذلك لما قاطعنا أحد الأطفال ليسألها عن تحضيرات عيد ميلاده الذي قرب موعده ،فوعدته بأنني سأتكفل بكل النفقات .
عدت بعدها إلى منزل عمي ،واقترحت عليه أن نقيم حفلة عيد الميلاد لذاك الفتى اليتيم في حديقة المنزل ،وأقنعته بأن ذلك سيدعم موقفه في انتخابات مجلس الشعب التي ترشح إليها و يضمن له أصوات أهل البلدة المتدينين .
قال بأنه قد ضمن أصواتهم بعد أن صرف الكثير من المال على ترميم بركة وحديقة الدير ،لكنه وافق على إقامة الحفل لكسب مودة كاتيا ومحاولة ضمها إلى قائمة النخبة من البلدة الذين استطاع ترويضهم وضمهم تحت عباءته .
لكن في مساء ذلك اليوم ولما اجتمعنا على العشاء ،رفض أنطون اقتراحنا وقال أننا لن نلهث خلف مودة مختلة كفيوليت تظن نفسها مخلصةً للبشرية ،وأن عليها هي أن تخضع لنا ،فالبلدة كلها تحت قبضتنا !
زرت في اليوم التالي كاتيا وبلغتها اعتذاري ،فابتسمت وأخبرتني أن الموضوع لا يهمها على الإطلاق وأنها ستقيم الحفلة في منزلها وأن بإمكاني الحضور وإيفاء وعدي للصبي بأن أتكفل بكامل النفقات .
شعرت بأن ذلك الموقف قد قلص المسافة التي بيننا ،وأن ذاك الاحتقار الذي تحمله في عينيها تجاهي قد حال إلى شيء من الاحترام .
وفي اليوم المقرر لعيد الميلاد ،استيقظت باكراً وارتديت بذتي المفضلة بعد أن اغتسلت ،ثم أيقظت هيلدا لأخبرها بمغادرتي التي استغربت من تخلفي عن تناول الفطور مع والدها للمرة الأولى .
أخبرتها بأنني كثفت الدروس لبعض الطلاب ذوي المستوى الضعيف لاقتراب الامتحانات ،فصدقتني .
خرجت من المنزل ومشيت مسرعاً إلى منزل كاتيا ،والكثير من الأفكار الجميلة تتدافع في رأسي .
قابلتها في منزلها بكامل نشاطي ،كانت تغلف الهدايا للأطفال وتزينها فساعدتها في ذلك ،ثم انطلقنا معاً إلى الدير لزيارتهم و استكمال التحضيرات اللازمة للحفل معهم .
لما وصلنا إلى هناك كان الأطفال مجتمعين في الحديقة وقد بدا على سحناتهم الخوف والحزن ،وكانت إحدى الراهبات تحاول جاهدة ان تضحكهم .
حكت لنا الراهبة عن سبب حزنهم ،حيث أخبرتنا عماجرى مع أحد الأطفال اللبارحة والذي يقطن في الطابق الأرضي للمبنى المخصص للأيتام ،حيث خرج ليلاً إلى الشرفة الخلفية لغرفته والتي تطل على منزل كان قد استأجره أنطون لأحد الحراس الشخصيين له .
بعد خروج الفتى إلى الشرفة بقليل ،سمع اصدقاؤه صوته وهو يستغيث ويطلب من أحدهم أن يتوقف عن ضربه وأنه لن يمازحه مجدداً ،فخرجوا لرؤية مايحدث .
كان ذاك الحارس الشخصي ذو الحجم الهائل يصفع الطفل بقسوة على وجهه ،إلى أن أنهك الطفل وخرت قواه فسقط أرضاً مغمى عليه ،عندها نادى الأطفال على المشرف عليهم والذي قام بنقله إلى مستوصف الراهبات ومازال هناك منذ الامس .
انتفضت كاتيا لدى سماعها القصة غاضبة ثم أقسمت بأنها ستجعله عبرة لمن يعتبر .ثم طلبت مني أن أذهب معها إلى المدينة لكي نبحث عن محامي لنرفع قضية ضد ذلك الحارس .
بعد عدة أيام جاء أنطون إلي وهددني بأنه سيطلق شقيقته مني ويرميني في الشارع ،إن لم أتوقف عن مساعدة كاتيا ،وقال أن أحداً قد شاهدني برفقتها في المدينة .
ثم ضحك وأردف ساخراً : القضية كلها كالضراط على البلاط ،نحن نعرف كيف سنجعل تلك المخبولة تسحب تلك الدعوى وتغير أقوالها وأقوال الصبي وهي بكامل إرادتها .
زرت كاتيا في منزلها كي أفهم موقفها ،قالت بأن أمها قد زارتها وأمرتها بان تسحب الدعوى مبررةً أن أنطون سيفض الشراكة مع حازم ابن عمها وأنه ليس من شيء أهم من مصلحة العائلة والحفاظ على قوتها وسلطتها !
ثم أخبرتها بأن حازم ابن عمها قد هدد بأن يحيل عيادتها إلى غبار متناثر إن لم تقم بمايجب أن تقوم به !
دلكت كاتيا وجنتيها بوهن وهي تخبرني بذلك ،ثم لعنت ذلك اليوم الذي ولدت فيه في كنف تلك العائلة .
ضممتها إلى صدري بقوة ،فغفت مثل رضيع شعر بالدفء .
حملتها ومددتها فوق سريرها ،وتأملت التجاعيد التي بدأت تظهر على وجهها المنهك والمتورد دوماً .
لما أقدمت على الخروج من الغرفة مدت ذراعها إلي وطلبت مني أن أتمدد إلى جانبها في السرير ،فرضخت لها .
فكت أزرار قميصي و طلبت مني أن أخلعه ،ثم جلست فوقي وأمسكت برأسي بين يديها وداعبت شعري ،وراحت تقبل مواضع عشوائية من وجهي متنقلة بنعومة إلى رقبتي ثم صدري فبطني وتوقفت عند سرتي ثم عادت وتمددت مجدداً على السرير وطلبت مني الولوج فيها .
استيقظت بعد مدة عارياً ،وكان قد أيقظني شعور بالبرد اللذيذ الذي يلي هروب الرطوبة عن الجسد فينعشه ،ولم أجد كاتيا بجانبي .
نهضت وارتديت ملابسي ثم غادرت المنزل ،ومشيت وأنا أرتجف من البرد بينما كان المطر يهطل بغزارة فوق رأسي ،رأيت كاتيا برفقة ألفريد ذلك الفتى الذي تم الاعتداء عليه بجانب سيارة حازم طليقها التي كانت تصطف في ساحة البلدة ،وفيها مجموعة من الممثلين الذين كان حازم يستخدمهم كواجهة له تدعم موقفه في الانتخابات ،لكونها تثبت في رأيه اهتمامه بالثقافة ودعمها !
ولما مررت بجانبها التفت حازم إلي ورحب بي بتملق مبتذل ،وكانت نبرة صوته تحمل رسالة مفادها أنني لست بحجمهم وأنني عاجز على الوقوف في طريقهم .
تابعت كاتيا طريقها باتجاه الدير غير مكترثة بي .
ولما وصلت منزلي كانت هيلدا تنتظرني على الشرفة ففتحت لي الباب ونظرت إلي وهي عابسة دون أن تتفوه بأي كلمة فأشحت بنظري عنها و سارعت نحو الحمام لأغتسل بالماء الدافئ ،والذي جعلني أشعر بالأمان مجدداً .
وبعد أن أنهيت استحمامي واجتمعنا جميعاً على العشاء ،علمت من أنطون أن كاتيا قد سحبت الدعوى بعد أن اصطحبت الفتى لتغيير أقواله .
في تلك الليلة جمعت هيلدا أغراضها من الغرفة وقالت أننا لن ننام في الغرفة ذاتها بعد اليوم .
لذا قضيت الليل وحيداً ويقظاً حتى طلوع الفجر وأنا أفكر بموقف كاتيا الغريب وأتساءل إن كانت نادمة على الفعل الجميل الذي قمنا به اليوم .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق