ثقافة المقال

د. عبد الكريم الأشتر ناقداً ومعلماً للأجيال

د. ماجدة حمود

فقدت منذ أيام أبي الروحي وأستاذي د عبد الكريم الأشتر، لا أستطيع أن أدعي أن هذه الخسارة خسارتي الشخصية، إنها تخص كل من عرفه، وتتلمذ على يديه، فقد عرف بحبه لطلابه وبرعايته الأبوية لهم! إذ كان مهموما ببناء الإنسان والعلم معاً، لهذا شكل قدوة للكثير من الأجيال التي تربت على يديه! أعترف بأنني أرثي لأجيالنا اليوم، فهي تكاد تعيش دون مثل أعلى، إذ تشوّهت صورة الأستاذ، حتى باتت مقترنة بكل ما هو سلبي! (الرشوة، والضحالة الفكرية والوجدانية، الاستعلاء والتمييز، فقدان الضمير…الخ) لهذا تعاني الأجيال من اتساع الهوة بين ما تسمع من أقوال وما ترى من أفعال، فلم تتجسّد أمامها الأفكار والمثل، لهذا تبدو تائهة تبحث عن بوصلة ترشدها سواء السبيل!

أمام هذا البؤس ثمة تساؤل مشروع: هل نستطيع اليوم أن نكون قدوة للأجيال، خاصة بعد أن تحطمت الصورة؟ هل بإمكاننا أن نصلحها؟ هل بإمكاننا أن نردّ الاعتبار للعلم والعلماء؟ لعلنا نحقق ذلك حين نتحدث عن أستاذي المرحوم د. عبد الكريم الأشتر الذي جعل التعليم والبحث العلمي رسالته في الحياة، حاول أن يؤديها بشغاف القلب والضمير، وقد ساعده على ذلك، باعتقادنا، تربية أصيلة تلقاها في بيته، تعلي قيمة العلم، وتفسح المجال لبناء  شخصية متميزة، تمتلك إرادة حرة منذ صغرها، إذ سمح له والده أن يعمل في التدريس، وهو مازال صغيرا (بعد أن نال الشهادة الإعدادية) في ريف حلب، رغم عدم اقتناعه ورغبته في أن يكمل ابنه تعليمه، دون أن يرهق نفسه في العمل، لكن رهافة حس الابن وإحساسه بمعاناة أسرته،  أبت عليه ألا يشارك والده الفقير في حمل مسؤوليتها!

لقد شارك أساتذته أسرته في بناء شخصيته المتميزة، فقد كانوا متنوعي الاتجاهات الفكرية (العلمانية والقومي  والدينية) وقد حدثنا عنهم في كتابه “مسامرات نقدية” حيث وجدنا أنهم يشكلون أعلام العرب في النقد والفكر واللغة، ولحسن حظه أنه تتلمذ على أيديهم، مذ كان طالبا حتى أصبح أستاذا في الجامعة، وقد شكّلوا محطات مضيئة في حياته، فكتب عنهم، كي يجعلهم قدوة لنا في حياتنا، فقد استعلوا، مثله، على ظروفهم الصعبة سواء أكانت تاريخية أم ذاتية، فكسروا جبروت الحياة، وتجاوزوا مغرياتها، وعملوا من أجل رقي حياتنا رافضين السير في ركاب المألوف والركون للتخلف، فكانت أهم ميزة لديهم انسجام الفعل بالقول.

وقد عاصر هذه الشخصيات، التي تنتمي إلى عدة بلاد عربية، وتتلمذ على يديها إما بشكل مباشر وإما بشكل غير مباشر عن طريق المطالعة (طه حسين، محمد مندور، ساطع الحصري، أمين الخولي، مخائيل نعيمة، عباس محمود العقاد، الشيخ محمد راغب الطباخ، الشيخ محمد بهجة البيطار، الشيخ محمد البشير الإبراهيمي…)

نلاحظ بين أساتذته (من يتبنى الفكر العلماني: طه حسين، مندور وغيره ومن يتبنى الفكر الديني: الشيخ محمد بهجة البيطار، الشيخ محمد راغب الطباخ وغيره) فشكّلوا مثلا أعلى له في أفكارهم وفي سلوكهم، لذلك نستطيع أن نقول بأنهم كانوا جزءا أساسيا من سيرته الفكرية، وهو حين يحدثنا عنهم في كتابه “مسامرات نقدية” كأنه يسرد علينا في الوقت نفسه جزءا من حياته خاصة في مرحلة تكوينه الفكري، باعتقادنا، فهو أقرب إلى سيرة فكرية له، يمتزج فيها الحس الأدبي المرهف بالتجربة العقلية.

أعتقد أن أستاذنا المرحوم (د. الأشتر) من الأساتذة، النادرين الذين استطاعوا أن يستقطبوا أجيالا من انتماءات مختلفة (علمانية، دينية…) نظرا لانفتاحه الفكري والإنساني معا!!

وقد عايشنا بفضل رهافته وحساسيته بعض الملامح التي قد يغفلها التاريخ الرسمي للأدب والنقد، إنها تلك الملامح الإنسانية التي تبرز عظمة أعلام النقد والأدب، مما يزيد هذه الرموز رسوخا في وجدان المتلقي، فيتخذها مثلا أعلى له، في عصر بات يفتقد فيه القدوة الصالحة! إذ استطاع أن  يختار شخصيات عاشت هموم النهضة ورغبت في تأسيس معالمها في الحياة، فبدأت بما يني الإنسان من الداخل (الأدب، الدين، الثقافة …) كل ذلك من أجل خلق حياة جديدة تتجاوز عصور التخلف التي عانيناها طويلا!

هذا كله منح أستاذنا، رحمه الله، عمقا في الأفكار ونبلا في الأخلاق، ولعل مما يتفرد به أنه حين يتحدث في قضايا الفكر والنقد نسمع صوت العقل والقلب معا، كأنه يرفض الكلمة التي لا تعرف طريقها إلى القلب، من هنا كان يتناول الهموم العامة وكأنها همه الخاص، فكان يتحدث بحرارة مؤثرة، لهذا لم نجد لديه النقد الأدبي الذي يكتب بأصابع باردة، ولغة ثلجية! فقد امتزجت في لغته الروح بالفكر، وهذا ما ينقص الكثير من النقاد العرب!

لذلك حين نقرأ كتبه تمتعنا، لكونها تجمع بين لغة الجمال بكل رهافة الحس والذوق وبين لغة العقل بكل أدواته التعليلية، فقد نأى بنفسه عن النظرة التقديسية للكبار، واقترب من الموضوعية!

إن مثل هذه اللغة التي تبتعد عن اللغة النقدية الجافة التي باتت تسيطر على النقاد اليوم، قد اجتمعت في كتبه، رحمه الله، فاستطاعت اللهجة الحميمة، التي استخدمها أن تجذبنا لمتابعته حتى النهاية دون ملل، وبذلك نحس أننا أمام نوع من المذكرات الفكرية التي مازلنا نفتقدها في أدبنا العربي وفي نقدنا، فـالناس جميعا، على حد قوله، “من نعرف ومن لا نعرف، لهم دائما جانبهم الإنساني الآخر، الجانب الذي يحرصون على إخفائه، ولكنه لا يطالعنا إلا حين نقترب منهم، بل حين نزداد اقترابا حتى يخلطونا بأنفسهم…وأشهد أني ما عرفت كبيرا من الناس على البعد، إلا وجدته يصغر على القرب” لكنني هنا أخالفك الرأي، فأنا أشهد، يا أستاذي، أنني عرفتك كبيراً على البعد، وحين اقتربت منك ظللت كبيرا في نظري! .

إن من حسن حظ الأجيال التي لم تعاصره، أنها تستطيع أن تعايشه عبر كتبه الثرة التي تركها لنا،، فنسمع أفكاره ونتلمس إنجازاته،فلمسنا لغة نقدية هي لغة الأدب والفكر معا، مما جعل قراءة هذا الكتاب متعة الروح والعقل باعتقادنا، إذ قدّم لنا الناقد الإنسان، متألقا تارة وضعيفا تارة أخرى، فأثار تعاطف المتلقي في كلتا الحالتين معا.

وكذلك وجدناه في محاضراته الجامعية يبرز تقصيرنا تجاه الأدب الفلسطيني، وخير دليل على تأثيره في طلابه، أن محاضراته دفعتني إلى دراسة الأدب الفلسطيني والنقد، فأنا مدينة له في اختيار موضوع رسالتي للماجستير (الشخصية الفلسطينية لدى غسان كنفاني) وموضوع رسالتي للدكتوراه (النقد الأدبي الفلسطيني في الشتات)

ولعل أروع ما في كتبه أننا لمسنا القدرة على النقد الذاتي، فيتلمس نقاط ضعفه، كي يستطيع تجاوزها، ويطوّر ذاته! فهو مثلاً حين يحس بأنه ابتعد عن الموضوعية في حواره مع الأديبة وداد سكاكيني، نجده يلوم نفسه لطغيان الجانب الانفعالي عليه، ويبيّن أن أهم ما نحتاجه في حوارنا مع من يخالفنا الرأي هو الموضوعية، التي تعني أن نبتعد عن الأهواء والعداء، فيكون نقاشنا محصورا بالأفكار، لا تنفيسا يتمحور حول الشخصيات.

وقد ظهر لنا، عبر كتبه، مؤمنا بدور النقد في تطوير حياتنا وأدبنا، مثلما تجلى ذلك في حياته وحواره مع طلابه، فقد كان راغبا في السماع للآخر المختلف، حتى لو كان تلميذا له! فكثيراً ما كان يهتف لي ليسألني رأيي فيما كتب، يسألني عما لم يعجبني، وحين يلمس ترددي في نقده، أسمعه يقول: لست بحاجة للمجاملة أنا بحاجة لمعرفة ما يستحق إعادة النظر في المقال، خاصة أنه سيصبح جزءاً من كتاب!

لقد فقدنا مثلا أعلى لنا في الحياة، فقد كان المرحوم د. الأشتر أديباً وناقداً، استطاع أن يلمس شغاف القلب، إذ اجتمعت لديه الإنسانية بالصدق، مثلما اجتمع النقد مع الإخلاص للغة العربية، ومحاربة ضعفها، فلمسنا في كلمته ونبرة صوته ونبض قلبه المعايشة اليومية للهم العام بكل أبعاده (الوطنية والقومية والإسلامية …) حتى بات همه الشخصي، لهذا كان الحديث عن الوطن وهمومه يشكل ملمحاً من أهم ملامحه الوجدانية والفكرية!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق