ثقافة المقال

ليسوا حيوانات بشرية

جدعون ليفي/ ترجمة: أمين خيرالدين

كي تضرب رجلا بالغا، كفيفا ومريضا في سريره. وتمسك بوجهه وتنهال عليه باللكَمات، مرة وأخرى، لَكْمة بعد الأخرى رغم عجزه، وهو لا يرى مَنْ يلْكُمُه، أو أن يقف جانبا، جنود مُقنّعون ومسلّحون، وطبيعي أن ضابطا بينهم، جميعهم جنود “محاربون”، فخْرُ الشعب، وأن لا تفعل شيئا لإيقاف التنكيل. أو أن تمنع زوجة هذا الإنسان المريض غير القادر على الوقوف على رجليه وحده، وغير القادر على رؤية شيء، أن تمنعها من حماية زوجها الذي يلوّح بيديه في الهواء بمحاولة عبثيّة كي يحمي وجهه من اللكَمات التي تنهال عليه. وأن تجْبُر أبناءه على الركوع بجانبه وتجبرهم على أن ينكِّسوا رؤوسهم في الأرض أمام أبيهم النازف نتيجة اللكمات. أو ان تعرف أن في البيت مريضا ومع ذلك تقتحم غرفة نومه وتضربه أمام زوجته وأمام أبنائه الأربعة قبل الفجر، بدون أن تفسّر شيئا، وبعد ذلك تصدِر بيانا رسميّا تُقرّر فيه أن” جنديا محاربا حاول فحص فلسطينيّ يصرخ ويعربد”.
أن يُدّعى بوقاحة لا تُصدّق أن مُنْذِر مزهر، المريض بمرض السكّري أبن أل-47 سنة، الكفيف منذ 15 سنة والذي يتلقّى علاجا بالديلزة منذ 11 سنة، مقطوع الأباهم، ويتكلّم همسا بسبب ضعفه – “يصرخ ويُعربِد”. التجاهل بغطرسة وعدم الإجابة على السؤال الذي وُجِّه إلى الناطق بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي: هل ينوي جيش الدفاع الإسرائيلي الاعتذار لمُنْذِر مزهر؟ أو أن ينافق ويضلل ويردّ بأنه “تمّ فحص الحادث واسْتُخْلِصَت نتائجُه”. بدون تحقيق جنائيّ، بدون توقيف، بدون تحمّل للمسؤوليّة، بدون إدانة أو حتى بدون اعتذار. وبعد كلّ ذلك نُصْدَم عندما يواجهنا أحد بالحقيقة العارية: حيوانات بشريّة.
الحيوانات البشريّة هم الذين اقتحموا يوم الأربعاء الماضي، في ليلة ال- 20 من الشهر، في الساعة 4:45 قبل الفجر منزل الزوجين منذر وإيمان مزهر، في الدوحة بالقرب من بيت لحم. الحيوانات البشرية مَنْ نكّل بمُنْذِر. الحيوانات البشرية من مَوّه خطورة هذا العمل، أولئك الذين لم يعاقبوا أحدا ولا يفكّرون حتى بالاعتذار. الحيوانات البشرية أولئك الذين لم يبالوا بمثل هذا التنكيل.

مُنْذِر مزهر. ملفه يصرخ حتى السماء أكثر من ملفّ 4000 تصوير: أليكس ليبك

كان الجنود يقومون بعملية أخرى من عمليّات الاعتقالات اللانهائيّة التي يقومون بها، ومُعْظمها ما هي إلاّ عمليات اختطاف مواطنين من أسرّتهم، أكثر من عملية بدون سبب منطقي. لم يجدوا الفتى الذي جاؤوا لاعتقاله في منزله لذلك فتّشوا عنه في منزل الجيران. وقد نبههم الجيران إلى أنه يُقيم في هذا المنزل مريض، ومع ذلك اقتحموا ونكّلوا، كعادتهم. يمكن أن نفهم هذا، ويمكن تجاوز كلّ هذا، لكن لا يمكن التجاوز على ردّ فعل الناطق بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي على القصّة التي نشرناها هنا أول أمس، أنا وأليكس ليبك (“منطقة الغسق” جريدة “هآرتس”).
في الوقت الذي تستّر الناطق بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي على هذا العمل، استخفّ به، وعمليّا استهتر به وبرّر عمل الجنود المحاربين الأشاوس ضدّ العَجَزة والمرضى— عندئذ يكون هذا العمل قد خرج من مسؤوليّة فاعليه وأصبح موقفا رسميّا لجيش الدفاع الإسرائيلي ولدولة إسرائيل. وفيما يلي تعليمات جيش الدفاع الإسرائيلي للبدء بالتنكيل: أضرب كلّ مَنْ يعترض طريقك. جيش الدفاع الإسرائيلي لا يعْتبر تعذيب العجزة أمرا غير مقبول، أو ضرب المكفوفين، وأيضا دولة إسرائيل لا ترى بذلك أمرا غير مقبول، الآن الحيوانات البشرية ليسوا الجندي المنكّل وصديقه الذي كان معه في غرفة المريض في الدوحة. وما حدث في غرفة المريض لم يبق فيها، الآن جيش الدفاع الإسرائيلي الذي يساند ويتستّر على هذا العمل. الناطق بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي وقادته يهلّلون للجنود المنكلين. إذا مرّ هذا العمل الإجرامي بدون عقاب، وإذا كان الاعتذار عن هذه الفضيحة أكبر ممّا باستطاعة جيش الدفاع الإسرائيلي، عندئذ لا يكون هذا العمل عملا شاذّا، إنما يُعْتَبر سياسة موجَّهة ومرسومة من الأعلى. أضربوا المكفوفين، استمروا بالاعتداء على الضعفاء والعَجَزَة في أسرّتِهم. أنتم حيوانات بشريّة ونحن من خلفكم نساندكم.
لسنا الضحيّة ولا ما يحدث “لأبنائنا” في ظلّ الاحتلال. يجب التوقّف عن هذا التباكي. الضحيّة هو منذر مزهر، وزوجته وأبناؤه الموجودين في في لُبّ الصدمة ولا معين لهم. عندما يكون هناك جيش ينكّل جنوده بالضعفاء وهو يتستّر عليهم ويساندهم – عندئذ إلى جهنّم ملف 2000 وملف 4000 . لأن ملف مزهر يصرخ حتى السماء.
3.3.2019

هآرتس، 3.3.2019
:

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق